محمد عبد النبي: قال وددت

Le Pho, “Young Girl with Rose”, 1941. Source: blisssaigon.com

ذات صباحٍ، كان قد قالَ، قبل سنوات: وددتُ لو أُنسَى، وددتُ لو أُترَك لأتعفّن تحت أغطية فراشي، أغطية الخمول والتراخي. كان قد استيقظ متأخرًا عن موعد العَمل في شركة الترجمة، فهَبَّ يتجهّز للخروج على عجل. يكتشفُ وردةً بلدية حمراء في حقيبة أوراقه، فيتركها في مطرحها ويمضي إلى الشوارع بلا أي حماس ولكن بحُكم العادة والإذعان لأكل العِيش.
كان يعمل ثماني ساعات كل يوم، مقابل ملاليم كل أوّل شهر، يُخصَم منها ما يُخصَم، وإذا أراد أن يُحسّن دخله عليه أن يأخذ كتاب معه إلى البيت ليترجمه بمكافأة منفصلة عن الراتب، وهكذا لم يكن يفوّت فرصة حينما يسكر لكي يبكي على الأيام التي تتسرب دون قراءة أو كتابة أو شيء له معنى. سلوك نموذجي متكرر، لم يعد من العسير عليه أن يرصده، دون أي حاجة للرجوع إلى دفاتره القديمة.
ولعلّه حدّث نفسه في عربة المترو وهو يغالب النُعاس قائلًا: وددتُ لو يتركني العالم أنامُ أكثر، يتركني أتحلّل تحت أغطية فراشي، أغطية الدفء والفَن، الفن الذي يُولَد ويعيش ثم يموت وَهمًا في مُخيّلة حالمه، من غير أن يشعر به أحد غيره، لكنّه  ينساه ما أن ينهض من النوم.
أو هكذا ترجمَ أفكاره وخيالاته على الورق فيما بعد بلغةٍ عربية فُصحى طبعًا.
وددتُ لو أترَك وحدي، دون حاجةٍ إلى موعدٍ للحضور والانصراف، دون حاجةٍ إلى مَن يَبيع ومَن يشتري. وددتُ أن أَدفن نفسي بنفسي، وأن أُفسّر نفسي بنفسي، وأن أسكن غرفةً واحدة، لكنها واسعة، فوق سطح بناية قديمة، في قلب هذه المدينة التي يُقالُ إنها بلا قلب، أعيشُ بقليلٍ من الزَاد وكثيرٍ من الكتب، مُشتراة أو مسروقة أو مُستعارة إلى أجلٍ غير معلوم، أعيش معهم، أصحابي الموتى والأحياء المرصوصين على الأرفف، تنفخ فيهم لمستي الحياة وتُنعش عيني صورهم ويُسْتدعَون للرقص في خيالي كلَّ ليلة، وحين أتعب أخرج للتسكّع.
وددتُ ألّا يصل هذا المترو إلى المحطة أبدًا.
لكنه يصل ويفيق فؤاد قبل محطته بقليل، كما اعتاد عقله أن يُنبهه مهما غفل. ويظل يهدهد وهمه الهانئ بين ذراعيه، وهم الاستغناء عن العالم، كله إلّا قليلًا. في غُرفة أوهامه على السطح سيزرعُ اللبلاب والتمر حنة والريحان والجهنمية، وسوف يرتب أغراضه القليلة في صورة جميلة، كلها مفيدة وكلها ضرورية، لا مكان لأي شيء يفيض عن الحاجة المباشرة.
وستكون أيضًا أقرب إلى السماء يا فؤاد، أقرب إلى بوّابات السر المؤدية نحو القلعة الخفية، السر الذي يتنكّر على هيئة أسرارٍ لا نهاية لها وهو واحد، والقلعة تسكننا ونسكنها في الحُلم واليقظة وفي أحلام يقظتك العنيدة.
ولكتبتُ عندئذٍ، كتبتُ كثيرًا جدًا، كأنني سجينٌ في تلك القلعة، يسجّل بآخر قطرات الحِبر وعلى آخر صفحة من الورق دفاعه النهائي عن مَغزى جريمته وأدلّة براءته، مُبررات وجوده، مسوّغات العبور نحو الضفة الأخرى من محنة هذا الامتحان.
اتركوه يكتب ما شاء، اشفقوا على هذا الأسير، من حقه أن يترك للعالم كلمته إلى جانب جُثته، فإن لم تُفصح أعضاؤه عن مَعنى فقد نفهم شيئًا من خربشات دفاتره هذه.
كلّا، لن أكتب كثيرًا جدًا مع هذا، إخلاصًا للكَسل ولعادة التسكّع الليلي، أكتب فقط صفحةً أو اثنتين كل يوم، وربما حتّى أمزقها عندما أعود سكرانًا على الفجر، فأنامُ عاريًا مِن الكلمات والثياب، حُرًا مِن وعود الهروب العظيم ومن طموح الخلود ودغدعة المجد بريشته الملساء التي تستلب الهمّة وتستعبدها.
ويرى نفسه الآن في أوراقه القديمة سجينًا آخر، في مطلع الألفية الثالثة في مدينة اسمها القاهرة يقالُ إنها بلا قلب ومن المؤكد أنها بلا بحر، يخطرف عن وردةٍ وجدها في حقيبة أوراقه، حينما استيقظ متأخرًا عن موعد السِجن، فهبَّ مسرعًا يثبت حضوره، متجاهلًا لُغز الوردة.
وأتركها في مطرحها كما هي، وأنطلقُ نحو الميكروباصات ثم المترو ثم المزيد من الميكروباصات، وزحام وضجيج وعَرق وبَشر أكثر مما يجب، والمنادي في الموقف، خاتم مرسلين، مرسلين، مرسلين، وباقي الجنيه، ونازل اللي جاية، ووطي الصوت شوية يا أسطى، وحاسب يا عم، واللي مش عاجبه ينزل.
وإذ يصل إلى الشركة يتمكن أخيرًا من تأملّها، ملفوفًة بورق سلوفان ليس نظيفًا ولا شفّافًا تمامًا، بهتت حُمرتها واسودّت حوافها، تحيط بها كمشة من أوراق شجر داكنة الخضرة أحسَّ أنها تنتمي لنبتةٍ أخرى لا قرابة بينها وبين الورد؛ صاروا صُحبة رغمًا عنهم، مثل هؤلاء الزملاء في المكتب، ومثل ركّاب المترو والميكروباص، ومثل أي اثنين تجمعهما الصدفة في شارع أو مقهى أو على صفحة كتاب.
تومضُ في ذهنه لقطةٌ من ليلته، اشتراها من طفلةٍ دخلت البار المعتم بعد منتصف الليل، وفي نظرته التي يغشاها الدخانُ وضباب الكحول بدتْ البُنية وردةً أخرى في حقيبةٍ من السُكارى والتائهين، ومع ذلك فها هي تبتسم واثقة من فتنة براءتها، وتتقدم نحوهم واحدًا واحدًا وهي تمد يدها بالورد. الطفلة مقتولة الآن في حقيبته ولا يدري ماذا يفعل بها. اشتراها لنفسه، لم يهدها له أحد ونسيها بمجرد أن اختفت البنت وغامَ عدد زجاجات البيرة في عقله وصارَ رفاق السهرة أشكالًا مجردة تصدر هديرًا لا ينقطع، ثم اكتشفها في الصباح وجُرحًا في مرفقه لن يعرف أبدًا كيف أصيبَ به ليلة أمس.
وددتُ أيضًا في صحوي أشياء أخرى؛ أن أكون مواطنًا صالحًا، مثل هؤلاء الزملاء الذين يدورون في الساقية بمنتهى الحماس والجدية، ألّا أخسر سُمعتى وأصبح ثمرة فاسدة قد تنقل جرثومتها إلى إخوتها الثمار الطيّبة. وأرجوحة القهوة والكحول لا تستقر، وقد يجد وقتًا كافيًا لكي يبكي لأنه من العمل للبيت ومن البيت للعمل دون أن يجد وقتًا للكتابة والقراءة، وصباحٌ يخامره ندمٌ وعطش ونسيان وومضات خاطفة من مشاهد مهتزة وعبارات مبتورة، ثم صداعٌ متذبذب لا يتراخى إلّا ليشتد وطنين نَشِط وشبه إفلاس وجرح في المرفق غامض الأصل سرعان ما تجلّط مثل كل الجروح، وإحساسٌ بالذنب كأن أيدينا ملوثة بدم الوردة الذبيحة بين الأوراق.
لكنه يتماسك، ويوحي للآخرين بأنه لم يأخذ كفايته من النوم وعنده نوبة زكام، حتى لا يقفوا طويلًا أمام بحة صوته وحُمرة عينيه. ثم قام ليتعامل مع قتيلته، قصّ الغلاف السلوفان وتخلّص من الأوراق الخضراء واستعار مقصًا صغيرًا من زميل مسلّح دائمًا بكل الأدوات التي لا يخطر لمترجم أنه قد يحتاجها، فيقص من طرف ساق الوردة مقدار سنتيمتر واحد، ويضعها في كوب ظريف بعد أن ملأه بالماء وذوّب فيه ملعقة سكّر. بلا أي مشاعر طيبة، بلا لمسة تفاؤل، ولا مجرد رغبة في إضفاء عنصر جمالي على مكتبه. ومن غير اكتراث لابتسامات الزميلات وتعليقات الزملاء، وانحناء بعضهم لتشمم الوردة العارية المفضوحة الغارقة في دمها هُنا على أسوار هذا السجن. وقال لنفسه وددتُ لو أهرب من هذا كلّه، لكنه تعلّم كيف يهرب من الكلمات إلى الكلمات، أن يُكفّن الوردة الحيّة في حروفٍ سوداء بلا رائحة ولا ملمس، وأن يستغني عن شجاعة الرحلة بلذة تخيّلها.
حتى جاء يومٌ ووقعتْ المعجزة، حقًا وصدقًا وبلا لُغة، إذ نبتت الأوراق الخُضر في أطرافه الأربعة، وشقّت قدماه سطح الأرض وراحت تمتد عميقًا، وارتفعت رأسه منتصبةً نحو النور والهواء، وبدأ يرقص مع النسيم على غناء الطير ودغدغة النحل، يدور حول نفسه بذراعٍ مرفوعة تشيرُ لقلعة أبيه في السماء وأخرى مُدلاة تشيرُ لبطن أمه على الأرض، وبينهما ينسى نفسه ليعثر على كل شيء.
الآن يعرفُ الوردة التي لا تعرفُ ما هي، الآن يبستم لجُرحه المفتوح ويعبرُ منه راضيًا مَرضيًا.
مجتزأ مِن نص نثري طويل قيد الكتابة