حادث سير: دنيس جونسون ترجمة علي لطيف

Denis Johnson by R. N. Johnson, 1976. Source: washingtonpost.com

بائع يشارك شرابه ويقود السيارة بينما هو نائم… شيروكي ثمل بالبوربن… فولكسفاغن ليست إلا فقاعة منفوخة بأدخنة الحشيش، يقودها طالب جامعي…
وعائلة من مارشل تاون تٌنطح، وتُقتل للأبد رجلاً يقود غرباً من بيتاني، ميزوري…
… نهضت مبتلاً من نومي تحت الأمطار المنهمرة، وكشيء أقل من واع، شكراً للثلاثة أشخاص الذين ذكرت أسمائهم من قبل – البائع والهندي والطالب – والذين أعطوني مخدرات جميعاً. انتظرت توصيلة يائساً على رأس الطريق المنحدر. ما الفائدة حتى من توضيب كيس نومي، لو كنت مبتلاً لحد رفض أي أحد السماح لي بالصعود لسيارته؟ لذلك طويته ووضعته حولي مثل رداء. جرفت الأمطار الغزيرة الاسفلت وقرقرت المياه في الأخاديد. تضخمت أفكاري بشكل يدعو للرثاء. جعلني البائع المسافر أبلع حبوباً أشعرتني بالحكة في بطانة أوردتي. آلمني فكي. كنت أعرف اسم كل قطرة مطر. شعرت بكل شيء يحدث قبل حدوثه. عرفت أن عربة قديمة مقدرة لأجلي ستقف قبل إبطاء سرعتها حتى، وبسبب الأصوات السعيدة للعائلة داخلها عرفت أن حادثاً سيقع في العاصفة.
لم أهتم. قالوا إنهم سيوصلونني إلى نهاية الطريق.
كان الرجل وزوجته يضعان فتاة صغيرة في الكراسي الأمامية معهما، أما في الخلف فقد تركا الرضيع معي ومع كيس نومي المُقَطِر. “أنا لن آخذك إلى أينما تريد بسرعة،” قال الرجل، “عندي زوجتي وأطفالي معي في السيارة، هذا هو السبب.”
أنتم المختارون، فكرت. ثم كوّمت كيس نومي على يد الباب الأيسر ونمت، غير مهتم إن عشت أو مت. نام الرضيع بحرية على الكرسي بجانبي. كان عمره تسعة أشهر على الأقل.
. . . لكن قبل كل هذا، في عشية ذلك اليوم، كنا أنا والبائع نجوب مدينة كنساس في سيارته الفارهة. أنشئنا صداقة خطيرة وساخرة وحميمية بدأت في تكساس، أينما ركبت معه. أكلنا علبة كاملة من الأمفيتامين، ومن حين لآخر كنا نتوقف ما بين الولايات ونشتري نصف لتر من ويسكي النادي الكندي وكيساً من الثلج. كانت هناك حوامل اسطوانية للكؤوس موجودة على أبواب سيارته بالداخل، وكانت الكراسي مغلفة بالجلد الأبيض. قال لي إنه سيأخذني لمنزله لقضاء الليلة مع عائلته، لكن أولاً عليه الذهاب لمقابلة امرأة يعرفها.
تركنا الطريق السريع تحت الغيوم الوسط غربية التي بدت مثل أدمغة رمادية رائعة، كانت تتملكنا أحاسيس تائهة آنذاك. وعندما دخلنا إلى مدينة كنساس في ساعة الذروة، تملكتنا أحاسيس جانحة. تلاشى كل سحر السفر معاً في الوقت الذي خفضّنا فيه سرعتنا. بدأ في الحديث مراراً وتكراراً عن حبيبته. “أنا معجب بها، أعتقد أنني أحبها – لكن عندي طفلان وزوجة، ومن الأكيد توجد التزامات حقيقية تتوجب عليّ. وفوق كل هذا، أحب زوجتي. أنا موهوب بالحب. أحب أطفالي. أحب كل أقاربي.” بينما ظل يتحدث عن ذلك، شعرت أنني مهجور وتعيس: “عندي قارب، طوله ستة عشر قدماً. عندي سيارتان. وعندي مساحة في الفناء الخلفي لحوض سباحة.” التقى حبيبته في العمل. كانت مسؤولة عن متجر أثاث، وهناك فقدته.
ظلّت السحب كما هي إلى الليل. بعدها في ذلك الظلام، لم ألحظ تجمع العاصفة. سائق فالفولكسفاغن، طالب الجامعة، الشخص الذي حزم برأسي كل الحشيش، والذي أخرجني خارج حدود المدينة في اللحظة التي بدأت تمطر فيها. دون ذكر السبيد الذي كنت أبلعه، كنت مغلوباً على أمري إلى حد أنني لم أستطع الوقوف. استلقيت على العشب في مخرج الطريق المنحدر واستيقظت في بركة ماء صغيرة تجمعت حولي.
لاحقاً، كما قلت، نمت في الكرسي الخلفي للعربة القديمة – عربة العائلة من مارشال تاون – بينما خاضت طريقها خلال المطر. وفوق ذلك حلمت أنني أرى من خلال جفنيّ، ونبضي يسجل الثواني. كان الطريق بين الولايات خلال ميزوري، في تلك الحقبة لاشيء أكثر من طريق ذو اتجاهيّن، أغلبه على الأقل. عندما أتت شاحنة صغيرة نحونا وسارت في الاتجاه المعاكس، كنا قد تهنا في رذاذ الماء المُعمِي وضجة الضوضاء التي سببتها، كان ذلك مثل أن تُجر خلال غسالة سيارات آلية. وقفت مَسَّحات السيارة ونزلت على طول النافذة الأمامية دون أي جهد يذكر. كنت مرهقاً، وبعد ساعة نمت بعمق.
كنت أعرف طوال المدة ماذا سيحدث بالضبط. لكن الرجل وزوجته أيقظاني لاحقاً، ناكرين الأمر  بضراوة.
“اوه، لا!”
“لا!”
اندفعتُ مرمياً على مؤخرة كرسيهما بقوة إلى أن تحطما. ارتدت للأمام والخلف. ثم طار  سائل في السيارة عرفت أنه دم بشري في الحال وأمطر على رأسي. عندما انتهى كل شيء، كنت لا أزال في المقعد الخلفي، كما كنت. نهضت ونظرت حولي. انطفـأت الأضواء الأمامية. كان مبرد الماء يهسهس بثبات. دون ذلك، لم أسمع أي شيء آخر. كل ما يمكنني معرفته هو أنني الشخص الواعي الوحيد. وبينما اعتدل بصري شاهدت الرضيع مستلقياً على ظهره بجانبي كأن شيئاً لم يكن. كانت عيناه مفتوحتان وكان يتحسس وجنتيه بيديه الصغيرتيّن.
خلال دقيقة، استيقظ السائق الذي كان نائماً على المقود وحدق فينا. وجهه محطم ومظلم بالدماء. أسناني آلمتني لمجرد النظر إليه – لكن عندما تكلم، لم يكن يبدو أنه فقد أية من أسنانه.
“ماذا حدث؟”
“تعرضنا إلى حادث،” قال.
“الرضيع بخير،” قلت، بالرغم من كوني لا أعرف حالة الرضيع.
التفتَ لزوجته.
“جانيس،” قال، “جانيس، جانيس!”
“هل هي بخير؟”
“إنها ميتة!” قال بينما هزها غاضباً.
“لا، ليست كذلك.” الآن صرت مستعداً لإنكار كل شيء.
ابنتهم الصغيرة كانت على قيد الحياة، لكن غائبة عن الوعي. كانت تأن خلال نومها. لكن الرجل ظلَّ يهز  زوجته.
“جانيس!” صرخ.
ناحت زوجته.
“ليست ميتة،” قلت، متسلقاً بجسدي للخارج وراكضاً بعيداً.
“لن تنهض،” سمعته يقول.
كنت واقفاً هنا في الليل، مع الرضيع في يدي لسبب ما. لابد أنها كانت لاتزال تمطر، لكنني لا أتذكر شيئاً عن الطقس. اصطدمنا بسيارة آخرى على – كما اُدرك الآن – جسرٍ بمساريّن. كان الماء تحتنا خفياً في الظلام.
بدأت في سماع صرير شخير معدني بينما كنت أسير نحو السيارة الآخرى. كانت السيارة على جانب الطريق، مهشمة بالكامل لحد كونها منبسطة على الأرض دون أي حيز داخلها حتي لأرجل هذا الشخص، دون ذكر أي شيء عن إذا كان هناك سائق أو أي رُكاب آخرين. قمت بالسير  بجانب السيارة فحسب.
ظهرت أضواء سيارة من بعيد. وصلتُ إلى مقدمة الجسر، ولوحت لها بالتوقف بيد واحدة وحملت الرضيع باليد الآخرى على كتفي.
كانت شبه شاحنة كبيرة، تغير ناقل سرعاتها بينما تقترب. أنزل السائق نافذته فصحت بإتجاهه، “هناك حادث، اذهب للمساعدة.”
“لا أستطيع الالتفاف من هنا،” قال.
سمح لنا بالركوب أنا والرضيع إلى كرسي الراكب بجانبه، وجلسنا هناك في السيارة فحسب، نشاهد الحطام على أضواء سيارته.
“هل هناك موتى؟” سأل.
“لا أستطيع تحديد من يمت ومن لم يمت،” اعترفت.
سكب لنفسه كوب قهوة من طرمس وأطفأ السيارة ماعدا الأضواء الخلفية والأمامية.
“كم الساعة؟”
“الثالثة والربع، على الأرجح،” قال.
فهمت من خلال تصرفاته أنه يُحبذ فكرة عدم القيام بأي شيء حول الحادث أمامه. ارتحت لذلك ودمعت عيناي. اعتقدت أنه من المفروض عليّ عمل شيء ما، لكنني لم أرغب في معرفته.
عندما ظهرت سيارة ثانية في الاتجاه المعاكس، فكرت أنه يجب عليّ الحديث معهم. “هل يمكنك مراقبة الرضيع؟” سألت سائق الشاحنة.
“يجب عليك أن تحافظ عليه،” قال السائق، “إنه ولد، أليس كذلك؟”
“حسناً، أعتقد ذلك،” قلت.
عندما مررت بجانبه وتوقفت، رأيت أن الرجل المتدلي من السيارة المهشمة لايزال على قيد الحياة. كنت قد بدأت في الاعتياد على فكرة أن حالة الرجل حرجة للغاية، وأنه لا يوجد شيء يمكنني عمله بالتأكيد. كان يشخر بصوت عال وفظ. بقبقت الدماء من فمه مع كل نفس. لن يأخذ أنفاساً أكثر. أنا أعرف ذلك، لكنه لا يعرف ذلك، وهكذا وجدت نفسي أنظر مباشرةً إلى المأساة الكبيرة التي تمثلها حياة شخص ما على هذه الأرض. أنا لا أقصد أننا كلنا سنموت في النهاية، ليست هذه هي المأساة. أعني أنه لم يستطع إخباري بما كان يحلم، وأنا لم أستطع إخباره بما هو حقيقة.
بعد فترة قصيرة اصطفت السيارات على نهايتيّ الجسر، وأنارت بأضوائها الركام البخاري كأنها تنير مباراة ليلية، أما سيارات الاسعاف والشرطة فأوكزت أضوائها خلال هذا كله، وجعلت الهواء ينبض باللون. لم أتحدث مع أي أحد. كان سري في هذه الفترة القصيرة هو أنني صرت من رئيس لهذه المأساة إلى متفرج بلا وجه يشاهد حطام مُدِمي. في مرحلة ما علم أحد رجال الشرطة أنني كنت أحد الركاب، وأخذ إفادتي. أنا لا أتذكر شيء من هذا، ما عدا قوله لي، “أطفأ سيجارتك.” توقفت محادثنا لمشاهدة الرجل المحتضر وهم ينقلونه إلى سيارة الإسعاف. كان لايزال في الأعالي، لايزال يحلم بفُحش. نزلت منه الدماء على شكل خيوط. اهتزت ركبتاه وجلجل رأسه.
لم اُصب بأي أذى، وأنا لم أرى أي شيء، لكن الشرطي كان عليه سؤال بعض الأسئلة، وأخذي للمستشفى في جميع الأحوال. سمعنا خبر موت الرجل من الراديو الذي كان بالسيارة في اللحظة التي وصلنا فيها إلى مظلة مدخل غرفة الطوارئ.
وقفت في رواق من بلاط، وبجانبي كيس نومي المبتل متكئاً به على الحائط. كنت أتحدث مع رجل من دار الجنائز المحلي.
توقف الطبيب ليخبرني أنه من الأفضل أن يأخذ لي صورة أشعة.
“لا.”
“الآن هو الوقت المناسب، لو حدث وظهر شيء لاحقاً…”
“أنا بخير.”
جائت الزوجة إلى الردهة. كانت متألقة، كانت تحترق. لم تكن تعرف أن زوجها قد مات. كلنا كنا نعرف. هذا ما أعطاها الغلبة علينا. أخذها الطبيب إلى غرفة بها مكتب في نهاية الردهة، ومن تحت الباب المغلق أضائتنا بلطمة ألمعية، كأنهم وبعملية مذهلة، يحرقون الألماس هناك بالداخل. يا لهما من رئتيّن! صرخت كما تخيلت أن صقراً سيصرخ. كان شعوراً رائعاً كوني حياً لسماع ذلك! لقد كنت أبحث عن هذا الشعور في كل مكان.
“أنا بخير،” أنا مصدوم لأنني تركت هذه الكلمات تخرج مني. لكنني كنت دائماً ميّالاً للكذب على الأطباء، كأن الصحة الجيدة تكون بالقدرة على خداعهم فقط.
بعدها بأعوام، في إحدى المرات عندما قاموا بإدخالي إلى قسم غسيل الكلى لتخليصي من السموم في مستشفى سياتل العام، فعلت ذات الشيء.
“هل تسمع أي أصوات أو أحاديث غير اعتيادية؟” سألني الطبيب.
“ساعدنا، يا الله، إنها تؤلم،” صرخت صناديق القطن.
“ليس بالضبط،” قلت.
“ليس بالضبط،” قال، “الآن، ماذا يعني هذا؟”
“أنا لست مستعداً للمضي قدماً في كل هذا،” قلت. رفرف طائر أصفر على مقربة من وجهي، واُنتزعت القوة من كل عضلاتي. الآن صرت أتخبط على الأرض مثل سمكة. عندما حاولت إغلاق عينيّ بقوة، انفجرتا بدموع ساخنة. وعندما فتحتهما، كنت ممدداً على معدتي.
“كيف صارت الغرفة بكل هذا البياض؟” سألت.
كانت هناك ممرضة جميلة تلمس جلدي. “هذه فيتامينات،” قالت، وزرعت الإبرة في جسدي.
كانت تمطر. انحنى فوقنا سرخس عملاق. كانت الغابة تنجرف لأسفل من فوق التلة. استطعت سماع الجداول وهي تندفع بين الصخور. أما أنتم، أيها الناس الساذجون، تعتقدون أنني سأساعدكم.
هذه القصة من مجموعة “ابن عيسي” لدينس جونسون (١٩٤٩-٢٠١٧)، التي تصدر هذا العام عن دار ممدوح عدوان.