محمود حمدي: كؤوس مسماة

Harry Gruyaert, Red Sea souvenir shop, 1988. Source: magnumphotos.com

ليس لي أصدقاء
لكن لي أربع كؤوس ضخمة
وإبريقاً زجاجياً كبير الحجم، يكفي أن يملأ أربعتهم مما في جوفه
ليس لي أصدقاء
لكنني سميت كل كأس من الأربعة
أسماءً أستلذ مذاقها على لساني
فـ”وائل” على سبيل المثال
اسمٌ يتحدى الشيخوخة
يثير انطباعاً بأن صاحبه لن يتعدى الخامسة والأربعين
إلا في كفنٍ أبيض
جيد، سيعيش بعدي عقداً أو عقدين.
لا نستطيع شرب الخمر
فهي محرمة
أمام الناس على الأقل
أكتفي بمياهٍ قرمزيةِ، كأحشاء الغروب لعينيّ المتأملتين
عينيّ الباهتتين، الذابلتين كوردةٍ في ليل يناير
باردتين كآخر وداع مر على جسدي، تطيلان التحديق في الشمس، وتستعيدان ذكرى ذوبانها، وتُغَيّبَان الأفق.
أملك غيتاراً خشبياً يكتسي بالأحمر القاني
ولأن لونه مماثلٌ لدمي فلم أعزف عليه قط
اكتفيت بمعزوفةٍ على شراييني
أشد أوتاري برادءةِ مبتدئ
أعيف عن النشاز بقدرتي على التخيل
وأفشل لأن
في مسكني أصداءٌ لرصاصٍ محلق طوال الوقت.
لي صديقٌ أنسى تفاصيله
لا لأنه وحيدٌ مثلي، ولا يجيد الحديث إلا عن الطقس
أو لأنه يستمتع بإلغاء ظِله بين الآراء الرائجة
أنسى عنوانه
لأنه لا يستطيع قراءة بيتين من الشعر
دون أن يكبح رغبته في التثاؤب
صلبٌ لا يقبل درباً مُحرراً من سجنه
الواسع، الممتلئ بالبشر، وأصوات الأباء العالية
وبرغم وحدتي، فأنا آنس ببشرٍ نُسِجت أيامهم وأحلامهم في زمن آخر
أنتظر “بانديني” في ليالي الشتاء
وأنصحه بالإنتظار حتى تزهر الأغصان
أتأمل حاله وحال أولاده
فأرتدي جورابي الصوفية
كي لا أقع في فخ التعاطف وأصاب بعضة الصقيع.
“توم يورك” حين يصرخ، ولا شئ غير عادي.
اسأل “توماس” عن “أوديب”
وأنا أرمق “كونديرا” وهو يُحيي شخوصه من لاشيء
لماذا نغفل عن البداية دوماً؟
حتى على عتبات الحب
نغفل بالنشوةِ الأولى
الغفلة هي الفضيلة، الشر في الوعي
ضربةٌ أخرى وسأخر صريعاً بين الكلمات
سيتلاشى قناعي من الأحرف
وسأسحب إصبعي بوهن نحو فمي
لأسده
كي لا يتسرب منه الحبر
فربما يخط قصيدةً متألمةً على البلاط البارد
فينشغل الآخرون بمخاض الألم عن أطرافي المرتجفة
وأصاب بتقديرٍ متأخر، يزحم قبري بالأزهار
ينقطع عني الهواء. ولا يبقى سوى الخواء.
ولأن ذاكرتي تتلاشى
أجمد لحظاتي على هاتفي الذكي
ألتقط صوراً لمكتبي، كتبي المفضلة، الأفلام التي مَلَّت اقتحامي لها، خصلات شعري الكهلة وصدق النبؤة بصلعي المحتوم، وزني الكسول والثابت، غطاء سريري الأحمر
صورٌ جامدةٌ، تغير جلدها كل صباح
عدا الكرسي الإضافي على جانب المكتب
لم يتحرك قيد أنملة.
الأحد ٢/١٢/٢٠١٨