خالد الشورى: العِرسة

Weasel from the Thérouanne Bestiary, circa 1270. Source: discardingimages.tumblr.com

آثار أقدام الدب أكثر إفزاعًا من الدب نفسه”
مثل روسي لم يسمع به الروس من قبل لأنه من تأليف رفعت إسماعيل.

 

لحظة جذبته المُولِّدة من قدميه النحيلتين إلى الحياة، وخرج من بطن أمه جسدًا رخوًا، شبهَ مكتملٍ، نصفَ حيٍّ، له ملمس قِرْبة جلديّة مملوءة بماء ساخن، دمدمت ممتعضة:
بدر منوّر.”
لكنه لم يكن بدرًا منورًا ولا منطفئاً حتى، وإنّما طبيعة المهنة هي التي عودت المُولّدة على مجاملة الأمهات، حتى ولو كان أولادهنّ بقبح الولد الذي بين يديها.
لُفّ المولود بمنشفة نظيفة، وَوُضِعَ في حضن أمه.
عندما كشفت الأم وجهه لتلقمه ثديها، امتعضت هي الأخرى، واشتكت للأب بحسرة:
انظر إليه، رأسه صغيرة وسوداء، تشبه حبة قلقاس.”
فانفجر الأب ضاحكًا، رغم أنه ليس من طبيعته أن يقرقع بالضحك، وردّ عليها:
هكذا تشكرين ربك بعد بقايا الأطفال التي خرجت من بطنك؟ فلتكن رأسه مثل قلقاسة أو حتى بصلة، المهم أن الولد حي يرزق.”
ومن يومها والولد يُنادى قلقاسة بدلًا من اسمه الحقيقي. حتى بعدما كبر، واعتدل حجم رأسه، وفَتَحَ لونها، ظلّ اسمه كما هو دون تغيير.
الواد قلقاسة راح.
الواد قلقاسة جاء.
في ذلك البيت، المكوّن من طابقين، والذي ينعزل بعيدًا عن البيوت الأخرى على مدخل قرية منسيّة، عاش قلقاسة طفولته، حيث لا يوجد شيء سوى مساحات ممتدة من الأراضي الزراعية، وطريق سريع يصل المدن ببعضها، وشمس ساطعة معظم فصول السنة.
بعد أن سافر والده سعيًا وراء الأموال، وبقي وحيدًا دون إخوة، خصوصًا بعد كمية الأجنّة غير المكتملة التي لفظها رحم أمه، يَسْهُل تَخيُّل قلقاسة وهو يعيش حياة رتيبة ومملة، تقتصر على مشاهدة التلفاز، وسماع محطات الراديو، ومطاردة الدجاجات، والسباحة في الترعة، وإطلاق الطائرة الورقية في السماء، وسرقة الفاكهة من أشجار الأراضي المحيطة، والذهاب إلى المدرسة في القرية المجاورة متشبثًا بالصدّامات الخلفية لشاحنة عابرة، ولا شيء أكثر من ذلك.
أيام الطفولة كانت صافية، تمضي في رتابة، لكن حادثةً عكرت صفو تلك الأيام، تاركةً ندبةً قبيحةً في الذاكرة.
يومها كان الوقت ظهرًا وحر الصيف خانقاً.
بخطواتٍ خفيفة، ودون أن يُسمع لها حس، تسحبتْ بخفة اللصوص بين الأعشاب والصخور. وتخطت بضعة فدادين من حقول الملفوف والباذنجان والكوسى، حتى وصلت إلى شجرة توت يابسة على أطراف القرية، قرب الطريق السريع الذي يوصل إلى المدينة، فتسلقتها.
وهي تقف على طرف الغصن، رفعت أنفها إلى الأعلى وتشممت الهواء.
من بعيد، بين روائح طحالب الترعة وروث البهائم ودخان القش المحروق، التقط أنفها الدقيق رائحة لحمٍ نيّء وحيّ، تجري الدماء الحارة فيه.
هكذا عرفت العرسة وجهتها.
وعلى الطرف الآخر، بعيدًا، حيث مصدر الروائح التي تبعتها العرسة تفوح في الجو بشكل أوضح، كان قلقاسة مستلقيا على ظهره فوق كومة قشّ.
حرارة الجو كانت قد هدّت جسده، فلم يطلق طائرته الورقية في السماء، ولم يطارد الدجاجات، ولم يسبح في الترعة، ولم يفعل أيّ شيءٍ آخر يسلّي به نهاره. فقط تمدد تحت بقعة من الظل فوق سطح بيت، موفرًا الطاقة القليلة المتبقية في جسده للعب بعد الغداء، حين تهدأ الشمس قليلًا.
الدنيا هدوء، إلا من ضوضاء ماكينات الري، ونهيق الحمير، وخوار الأبقار: أصوات تتناهى إلى السمع من بعيد.
على حين غرة، تسللت العرسة من فرجة ضيقة في الجدار، وقد ساعدها في ذلك مرونة جسدها، ثم اندست وسط الدجاجات بدون أدنى صوت، وبوثبة رشيقة في الهواء، تمكنت بأسلوبٍ قتالي جريء، ودون اعتبارٍ لفرق الحجم، أن تنقضّ على رأس الدجاجة، وتغرز أنيابها الحادة في رقبتها بشراسة.
رغم نحولها، وقصر قامتها، ووداعة سحنتها، إلا أنها جاءت بأجل الدجاجة في لمح البصر. وعلى إثر ذلك، دبّ الهرج في السطح، وراحت كل دجاجة تركض في اتجاهٍ مختلف، وبشكل عشوائي، فاصطدمت الدجاجات ببعضها أكثر من مرة.
كانت العرسة تقبض على الرقبة بين فكيها الصغيرين، وتجرُّ جثة الدجاجة التي راحت تنتفض محاولة الإفلات بخفة وسلاسة، مخلّفةً وراء كل خطوةٍ بقعًا من الدم، كأنها قاتلٌ متسلسلٌ يترك وراءه دليل إدانته.
بعد أن قفزت فوق السور، وغابت وراءه إلى حيث لا يدري أحد، انتفض قلقاسة من استلقائه، ونزل الدرجات مسرعًا إلى طابق سفلي وهو يصرخ من الهلع.
بحث عن أمه فوجدها في المطبخ.
أم قلقاسة، مثل أي سيدة بيت ريفية، أنجبت طفلًا أو أكثر، وركنت في بيتها، كان لها إليتان ضخمتان، وكرش متدلٍ، وثديان كبيران على شكل حبتي قرع، وكان جسدها ينضح عرقًا وسط الأبخرة المتصاعدة من القِدر.
سحبها قلقاسة من ثوبها وهو يرطن بكلام مبهم.
فأر في السطح يأكل الدجاجات…”
لمّا صعدا إلى السطح، أشار لها نحو خط الدم المرسوم على الأرض، والذي يكمل طريقه إلى الجدار صاعدًا عليه، مستعيدًا فظاعة ما رآه.
أحصت الدجاجات للتأكد فوجدت العدد ناقصًا.
قالت:
لابد أنها العرسة خنّاقة الكتاكيت الملعونة النجسة..”
عندما تعرف العرسة الطريق إلى بيتٍ يربّي الدجاج، فإنّها ستعود حتمًا لفرائس أخرى، ولن تدع البيت في حاله حتى تقضي على الدجاجات كلها، حتى ولو فاق عددها ما يكفي غذاءها. لذا كان يجب أن تجيء أم قلقاسة بأجَلها قبل أن تنقُص دجاجاتها واحدةً أخرى.
فيما بعد، بعثت أم قلقاسة بقلقاسة إلى دكان المقاولات في القرية المجاورة لشراء ربع كيلو من بودرة الجبس.
في صحن من البلاستيك، خلطت القليل من الماء بالجبس، محاذرةً أن تكون كثافة الخليط أقلّ من المطلوب أو أكثر. ثم وضعته في وسط السطح، حتى إذا أتت العرسة وشربت من الماء؛ تحجّر الجبس في جوفها وسدّت معدتها، وبذلك تموت جوعًا.
لكن الخطة لم تُجْدِ نفعًا. صحن الجبس ظلّ كما هو، وعادت العرسة في أوقات مختلفة. مراتٍ في عز النهار، أثناء طهو الغداء وتنظيف البيت وغسيل الهدوم، ومرات أخرى في عزّ الليل والناس نيام، حيث يحلو لها أن تحصد فرائسها بهدوء، فتستيقظ أم قلقاسة لتجد خط الدم المرسوم إياه بالإضافة إلى دجاجة ناقصة، حتى لم يتبقّ في السطح سوى أربع دجاجات، نزلت بها أم قلقاسة متحسرة ومغتاظة إلى الطابق السفلي، في الفناء الخلفي للبيت.
ومرّت الأيام دون أن تعاود العرسة اللئيمة ظهورها، حتى ظنوا أنها ذهبت دون رجعة، خصوصًا بعد أن قضت على معظم الدجاجات في السطح.
لكنها عادت.
في ليلة صيفية حارة ورطبة، تسللت إلى غرفة نوم قلقاسة وأمه.
الشباك تُرِكَ مفتوحًا كي تنساب منه نسمات الليل تلطيفًا لحرارة الجو، وقد دخلت العرسة من ذلك الشباك على أطراف أقدامها الدقيقة.
خطواتها مثل دبيب النمل، مهما أصاخ أحدهم السمع فلن يسمعها.
رفعت أنفها إلى الأعلى، وتشممت الهواء في عتمة الغرفة بحثًا عن الدجاجات، لكن كل ما وجدته هو رائحة بشرية قوية ملأت أنفها الصغير.
دارت في مساحة الغرفة بحثًا عن رائحة أيّ لحم طري. ذرعتها ذهابًا وإيابًا متخبطةً في الظلام.
اصطدمت بأقدام الكرسي الخشبي، صعدت فوق المنضدة ثم نزلت من عليها، سارت بمحاذاة السرير، وأخيرًا تسلقت اللحاف المتدلّي منه.
لما صعدت على السرير، ومشت بضع خطوات إلى مقدمته، صارت واقفة على صدر أم قلقاسة الضخم التي يشبه حبتي قرع.
ثم
صرخت كما لم تصرخ من قبل، حتى أنها لم تصرخ هكذا حين لفظت من بطنها بقايا الأجنة، وفزع قلقاسة من نومه.
نهضت ملسوعةً من السرير وأشعلت النور، فوجدت العرسة وفي فمها قطعة من لحم وجهها. استشاطت غضبًا وراحت تلحق بها، لكنها كانت سريعة وخفيفة. بوثبة رشيقة تمكنت من الوصول للنافذة، ومن ثَم الهروب إلى عتمة الريف في الخارج، حيث لا شيء سوى صوت صرصرة تنبعث من الحقول، وعربة شاردة تعبر من حين لآخر في الطريق الذي يوصل للمدينة.
ظلّت أم قلقاسة تئنّ طوال الليل وهي تضمد جرح وجهها، أمّا قلقاسة فقد طار النوم من عينيه بلا رجعة.
أصابه الأرق طوال تلك الليلة، والليلة التي بعدها، والتي بعدها. كان كلما همّ بإغماض عينيه سمع دبيبًا خافتًا من زاوية الغرفة يقترب نحوه، فإذا فتح عينيه لم يجد شيئًا.
لم يذق المسكين طعم النوم لليالٍ طويلة. ظلّ خوفه من أن تأتي العرسة لتأكل قطعة من لحم وجهه مسيطرًا عليه. وخلّفت عضّة العرسة ندبة قبيحة ومقرفة على خدّ أمه المكتنز، تذكره دومًا بما ينتظره في حال قرر أخذ غفوة سريعة.
حلّت الكآبة على المنزل، فلا الدجاجات تمرح في سطحه، ولا قلقاسة يملأه صخبًا بلعبه، فقط الوجوم والأرق والخوف.
يا أنا يا هيّ.”
قالتها أم قلقاسة بحنقٍ وهي تتأمل جرح خدها في مرآة الحمام تلك الليلة.
لاحقًا، سألت من تعرفهن من نساء القرية عن طريقة الإمساك بها، وهي تداري خدها بخمار سميكٍ تخفي به ما أمكنها من الجرح، فأخبروها بعدة حيل كانت تجدي معهم معظم المرات غير خليط الجبس.
نصبتْ في بيتها عدة فخاخ، تتنوع ما بين وضع الغراء اللاصق على حواف النافذة، ونثر الشوك وفتات الزجاج على مداخل الجحور التي تتسلل منها، وغير ذلك الكثير.
وظلت تحاول بجهدٍ يائسٍ حتى نَفَعَ معها فخٌ.
من سوق الجمعة اشترت كتكوتًا ومصيدة فئران. حبست الكتكوت في المصيدة ليكون طُعمًا، ووضعته في السطح، ثم لم يَطُل الانتظار حتى استيقظت ذات صباحٍ هي وقلقاسة على جلبة اصطدام العرسة في جدران المصيدة المعدنية، وهي تحاول الهروب.
ذلك الصباح، وهي تراقب قَرْقَفَة العرسة في القفص، فكرت أم قلقاسة في الطريقة الأفظع لقتلها. ومرّ في رأسها المملوء حنقًا وكراهيةً عمليات تعذيبٍ ولا كأنها في العصور القديمة، من سلخٍ وحرقٍ وصلبٍ، لكنها في النهاية أغرقتها في طِشْتِ ماء، وراقبتها بتشفٍّ مع قلقاسة وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة.
كانت العرسة تحاول أن تمد طرف أنفها الدقيق، والذي ساعدها كثيرًا خلال حياتها القصيرة على تقفي آثار روائح اللحوم الطرية الحية، من بين ثقوب المصيدة، لتعبّ قدر ما يمكنها من الهواء، إلا أنها سرعان ما استسلمت لموتها، وقذفوا بجثتها المبتلة في كيس أسود خارج البيت.
بعد أن شهد موت مصدر مخاوفه أمام عينيه، أخيرًا عاد قلقاسة للنوم بعد انقطاع دام أسابيع، حتى أن عينيه كانتا قد انكمشتا، وتفحّم جفناه بالهالات السوداء. أما عن أمه فقد تسامحت مع ندبتها، كأنها كانت مولودة بها منذ البداية.
وعادت الأيام لرتابتها وهدوئها.
IMG_5613

By Khaled Al Shoury

بضع سنوات أخرى انقضت، ثم تسللت الأمراض لجسد أم قلقاسة، ولم يكن يعلم الأطباء في القرى والمدن أن تلك الأمراض كانت بسبب عضة العرسة والجراثيم التي انتقلت مع أنيابها ولعابها، حتى تعبت وتسحبت روحها من جسدها تدريجيًا فأودعوها القبر.
إلا أن القصة لم تنته إلى هنا بالنسبة لـقلقاسة، فقد كبر، وترك بيته في الريف وراءه بعدما بيع البيت لأحد أعيان القرى القريبة، ومضى نحو المدينة يحمل شهادةً من المدرسة الثانوية، وبضع ذكريات عن حياته السابقة.
في أيام أمه الأخيرة، كان أبوه قد عاد من الخارج برأس مال لا بأس به، وبدأ مشروع مقاولات صغير في المدينة المجاورة. وجد له أبوه عملًا معه قبل أن يموت هو الآخر إثر دهسه بجرار طائش انفلتت مكابحه أثناء ظهيرة عمل شاق.
تعلّم الصنعة بالممارسة وصار معلمًا ذو سمعة لا بأس بها، من أُولَئِكَ الذين تنتشر أرقامهم وأسماؤهم على الحوائط. ومع الوقت وجد اسمه مكانًا له على حوائط المدينة جنب أسماء وأرقام المعلمين الآخرين.
المعلم قلقاسة لصبّ الخرسانات.”
أكثر ما عُرِفَ عنه هو حرصه، لدرجة أنه اعتاد أن يبيت في المواقع التي يصبّ خرساناتها ليلًا. كان يحرسها من سرقة شكائر الإسمنت، أو أي من خامات بناء باهظة الثمن، ويشرف على كل صغيرة وكبيرة فيها.
من هنا سلكت حياة قلقاسة مسارًا آخر.
ازدهر عمله، وكانت حياته تسير على ما يرام، إلا أن الأمر لم يدم للأبد.
فذات ليلة شتوية باردة، وبعد أن تناول قلقاسة وجبة عشاءٍ دسمة في مطعم شعبيٍّ مشهورٍ وسط المدينة، كان عائدًا إلى موقع عمله في حيّ أنشأته المدينة حديثًا ليبيت فيه كما هي عادته.
سار متخمًا جانب الحائط الممتد على طول ملعبٍ مهجور، والذي يُقال إنه كان ملك فريق محلي سطع نجمه وخمد سريعًا، حتى وصل في نهايته إلى بضع بنايات لم تُشطّب بعد.
عندما وصل للمبنى المقصود، وقد كانت عمارة سكنية مكونة من عدة طوابق، وجد البوّابة نصف مواربة، فذكّر نفسه بضرورة وضع أقفال عليها حتى ينتهي الحدّاد منها.
دخل الردهة المظلمة، وقبل أن يوصد الباب خلفه بالترباس سمع شخيرًا عميقًا يتصاعد من عمق الظلام مثل أوركسترا ملحمية.
تسارعت دقات قلبه، وكان على وشك أن يجزع حتى تذكّر أن هناك مشردًا يجوب الحي الجديد في الليل باحثًا عن أي عمارة لم ينته أصحابها من بنائها، أو قد تركوا بابها مفتوحًا، ليدخل وينام ليلته فيها اتقاء البرد.
نَخَسَ الجسد المتكور على الأرض بطرف قدمه، فاستيقظ منزعجًا وهو يرمقه بنظرة مشوشة ومنزعجة، مثل أي شخص يستيقظ من نوم مريح.
لم يبادل أي منهما الآخر كلمةً واحدةً.
فقط لملم المشرد نفسه وخرج في صمت، فأوصد قلقاسة الباب خلفه على الفور وصعد للطابق الثاني.
لحداثة المبنى، لم يكن قد تم توصيل  أي كهرباء فيه، لذا فقد أحضر كشافًا معه ينير به الطريق إلى المرتبة الإسفنجية واللحاف الثقيل اللذين وضعهما في إحدى الشقق لينام عليهما.
في الشقة، أشعل راكية صغيرة من الفحم ووضع فوقها براد الشاي، ثم شغّل المذياع الذي يحمله في جيبه إلى أي مكان على محطة ضعيفة الإشارة تبثُّ موسيقى كلاسيكيّة كي تخفف قليلًا من وطأة الصمت الثقيلة.
الحيّ الجديد في هذا الوقت يغرق في الظلام والصمت، خصوصًا وأن سكانه ما زالت أعدادهم قليلة، وعواميد الإنارة لم تعمل بعد.
التحف جيدًا،وأخذ يرتشف الشاي الدافئ ببطء منصتًا للمذياع، ثم لم تمر نصف ساعة على بعضها حتى سمع سيارة إسعاف وسيارة شرطة تعويان عواءً ملتاعًا كأنه عواء أم ثكلى.
أطلّ برأسه من الشباك، فوجد العربتين قد استقرتا أمام العمارة الأخيرة من الشارع، واللونين الأحمر والأزرق يتناوبان في الاتقاد والانطفاء بإيقاع ثابت.
نهض من رقدته ونزل مسرعًا بدافع الفضول ليعرف ما يحدث.
كانوا ينقلون الجثث على سرير متحرك، تغطيها أكياس سوداء.
لما وصل وجد واحدًا من الجيران، والذي لم يتبادل معه كلمة واحدة من قبل سوى تحيات الصباح، واقفًا أمام المشهد الكئيب، فوقف جواره وسأله عمّا حدث.
أجابه:
قاتل طليق في المدينة، يتسلل للبيوت ليسرق ما فيها، وأحيانًا يقتل السكان.”
كان قد سمع بالفعل في النشرات الإخبارية، التي تُبَثُّ على مذياعه المحمول، عن عدة عمليات سطوٍ وقتلٍ  وقعت في الأحياء شعبية على أطراف المدينة، ويبدو أنها توسعت وطالت الأحياء الأخرى أيضًا حتى وصلت إليه، في نفس الشارع الذي يعمل فيه هذه الأيام.
تابع المسعفين وهم يضعون الجثث في العربة حتى أغلقوا الباب عليها ورحلوا، عندها أخذ نفسه ورجع للعمارة.
حين ارتمى على فراشه الإسفنجيّ، كان في نيّته أن يأخذ غفوة سريعة ليكون بمقدوره مواصلة السهر بقيّة الليل، خصوصا بعد العشاء الثقيل الذي أصابه بالتخمة، لكن فور أن أغمض عينيه خُيّل له أنه يسمع صوت خطوات تتردد في الصالة والممرات.
انتفض من مكانه كأنما لدغتْه عقرب.
أشعل ضوء الكشاف، ونهض بخفة تُناقض تختمه ليتفقد الصالة والممرات وبقية الطوابق، ولمّا اطمأن إلى أنه لا يوجد أحد، عاد لمكانه في الطابق الثاني متشككًا ومرتابًا.
من جديد حاول أن يغمض عينيه، لكن مثل المرة السابقة شعر بخطرٍ مُحْدِقٍ في الجوار جعل شعر  جلده ينتصب، غير أن هذه المرة كان شعوره أقوى، وقلقه أثقل.
سرت رعدة في جسده، وارتبكت معدته من الخوف، فرفع صوت المذياع على آخره كي يلهي نفسه قدر الإمكان.
ليلتها لم يتمكن من النوم، ظلّ النعاس يداعبه حتى طلع النهار، والقلق كان يعبث به كلما صدر صوت من قريب أو بعيد، كصوت وشوشة الريح التي تدخل من النافذة، أو عبور قط شارد في الجوار، أو حتى أصوات متخيلة لا تصدر إلا في رأسه.
في النهار التالي لم يعمل بكامل تركيزه. نصفه كان غائبًا بسبب قلة النوم، فغيّر موضع كوم الحصى والرمال أكثر من مرة، وخلط كميات زائدة عن الحاجة من الإسمنت.
ارتبك العمال الذين يعملون تحت يده، فلم يروا المعلم قلقاسة تائهًا هكذا من قبل، لدرجة أنهم ظنّوا أنه مسطول أو تحت سطوة مخدرٍ ما.
ومع مغيب الشمس، انتهى اليوم على خير دون أضرار جسيمة.
غادر العمال كلهم واحدًا تلو آخر، ولم يتبق غير قلقاسة في المبنى، فذهب إلى موضعه في الطابق الثاني عازمًا على النوم.
لكنه مثل الليلة الماضية لم ينم.
ما المشكلة؟
يبدو أن  العرسة التي أقلقت نومه لأسابيع خلال طفولته كانت قد رجعت له من جديد، ولكن بصورة أخرى غير محددة الملامح:
قاتل متسلل، إنسان مثله مثل غيره، لم يقابله مسبقًا ولا يعرف شكله، لكنه في مكان ما في الجوار، يختبئ وراء الجدران، في عمق الظلام مترصدًا اللحظة التي ينام فيها لينسلّ من أي فرجة وينقضّ عليه كما تنقض العرسة على الدجاجة بخبثٍ وغدر.
لهذا عاودته مخاوف الطفولة، ولم يتمكن من النوم خلال الأيام التالية. وعلى إثر ذلك تدهورت حالته الذهنية كثيرًا، حتى أن المبنى الذي لا يأخذ منه أكثر من بضعة أيام تجاوز عدة أسابيع دون أي إنجاز جديد.
كل ليلة كان يلف ويدور في المبنى متتبعًا هلوساته وهو يحمل جاروفًا ثقيلًا بمثابة سلاح، حتى جاءت تلك الليلة التي انتهى معها كل شيء.
لا يتذكر تحديدًا في أي طابق كان حين سمع صرير البوابة، لكنه سمعه بوضوح شديد.
تناول الجاروف مُحكمًا قبضته عليه وهو يكتم أنفاسه، وظل منصتًا في الظلام إلى وقع أي خطوات.
أخيرًا تناهت خطوات خافتةً إلى سمعه، ومرت دقيقة صمت حتى أخذت تلك الخطوات في صعود السلالم والاقتراب من الطابق الذي يقف فيه.
لم يمر الكثير من الوقت حتى صارت أنفاس الذي تسلل للمبنى واضحةً تمامًا، وأخذ يقترب حتى لم يبق بينه وبين قلقاسة إلا بضع أمتار.
رفع قلقاسة الجاروف بكلتا يديه في الفراغ، ثم ثبت على تلك الوضعية لثوانٍ، وقبل أن يتردد هوى بها بأقصى ما يمكنه عليه.
بالكاد سمع صرخة قصيرة مكتومة.
كانت الصرخة قصيرة لأنها بُتِرَتْ بالضربات التالية، والتي انهال بها قلقاسة عليه حتى تناثر الدم الحار على وجهه في الظلام.
ضربات قلبه كانت تدق بعنف على جدار صدره.
انفلت الجاروف من يديه وسقط محدثًا قرقفةً حادة.
ثم انتهى كل شيء.
ارتخت قدما قلقاسة وهوى جسده على الأرض جانب الجثة، غارقًا في نومٍ عميق.
كان نومًا ناعمًا ومريحًا، حتى بالرغم من صلابة الأرض الإسمنتية من تحته.
لم تزره أي كوابيس، لكنه رأى لمحات سريعة من ذكرى غرق العرسة في طشت الماء.
عندما استيقظ، لم يكن يدري كم مر عليه وهو نائم، لكن من مدى تخثر الدماء، ونتانة رائحة الجثة، يمكن القول إن المدة تجاوزت اليومين.
بتثاقلٍ فتح قلقاسة عينيه على ضوء النهار.
دعك وجهه، حكّ عانته، ثم نهض وتمطى حتى سمع فرقعة فقرات ظهره.
لما نظر أسفل قدميه أخذ بضع ثوان حتى استوعب الأمر.
بالكاد تعرف على المشرد، فقد كانت نصف جمجمته محطمة، وجثته منتفخة مثل جيفة متروكة في العراء وسط الرطوبة والحر، تعتليها تشوهات حادة ومثيرة للغثيان من آثار الضرب.
تقريبًا وصل صراخه لسكان الحي الجديد فردًا فردًا.
أخذ يصرخ ويصرخ، حتى التمّ عليه سكان العمارات القريبة.
كان يمكن لـقلقاسة أن يحمل جثة المشرد ويرميها في أقرب سلة قمامة ولن يسأل عنها أحد. بالعكس، كان سيزفر سكان الحي الجديد الصعداء بعد موته، فلن يحملوا هَم نومه في ردهات بناياتهم بعد الآن، وهو ما أضمروه في صدورهم دون أن يعلنوه فيما بينهم صراحةً.
لكن قلقاسة فضح نفسه، فسلموه للشرطة.
ما دام قد فعلها مرة وقتل، فلن يردتع عن فعلها مجددًا، وهذا حي جديد يبنونه كمحاولة لتحسين مستوى المعيشة في المدينة، ويجب ألا يطوله مجرمو الأحياء الشعبية.
لم تستغرق القضية الكثير من الوقت، ولم تحظ بأي اهتمام. فلم توثق لا من جهات إعلامية ولا من موظفي المحكمة أنفسهم، كانت أتفه من ذلك.
نُطِقَ الحكم سريعًا في غرفة سيئة التهوية والإضاءة، كان أثناءها قلقاسة يكاد ينام على نفسه دون أي قيود.
لكن الحقيقة أنه الأمر ما كان ليشكل فارقًا، سواء قضى سنوات حياته الباقية في السجن أو في الخارج، ما دام بإمكانه النوم دون عرسة يخاف أن تنقض عليه.