أنثى: قصة ريونوسكيه أكوتاغاوا ترجمة ميسرة عفيفي

7523b531bc7e9915bc6e78d3cd81d1d9

Hiroshige Utagawa, Titmouse and Camellias (right), Sparrow and Wild Roses (center), and Black-naped Oriole and Cherry Blossoms (left), 1833. Source: ukiyo-e.org

تنصب أشعة شمس ذروة الصيف على أنثى عنكبوت تفكر طويلا في قاع وردة صينية حمراء.
وعندها سُمِع صوت رفرفة أجنحة في الهواء، وعلى الفور هبطت نحلة عسل فوق الوردة جاعلة إياها تهتز. فرفعت أنثى العنكبوت عينها على الفور. وبقيت تموجات طفيفة من بقايا صوت رفرفة جناحي نحلة العسل، في هواء ذروة الظهيرة الهادئة تماما.
ثم بدأت أنثى العنكبوت تتحرك في الوقت المناسب في قاع الوردة دون أن تُصْدر صوتا. ووقتها كانت النحلة الملطخة تماما بغبار الطَلْع، تغرز خرطومها في رحيق الزهرة المختبئ تحت ميسمها.
مرت ثوانٍ من الصمت القاسي.
وأخيرا أطلقت بتلاتُ الوردة الصينية الحمراء، أثنىَ العنكبوت ببطء شديد خلف النحلة التي سكرت من امتصاص الرحيق. وفي ذات اللحظة قفزت أنثى العنكبوت لتقبض بشراسة على عنق النحلة. استماتت النحلة وهي تقعقع بجناحيها في محاولة للتركيز في لدغ عدوتها. أثار الجناحان زوبعة من غبار الطلع فتراقص الغبار عاليا تحت أشعة الشمس. ولكن مهما فعلت النحلة، لم تستطع إبعاد أثنى العنكبوت التي قبضت بفمها على عنقها.
لم يدم الصراع طويلا.
وبعد لحظة لم يعد جناحا النحلة لهما تأثير. انتشر الشلل في أرجلها ثم في النهاية ضرب خرطومها الطويل عدة ضربات مرتعشة في الهواء. وكانت تلك النهاية مأسوية. نهاية مأسوية قاسية لا تختلف كثيرا عن موت إنسان. … بعد لحظة أخرى، كانت جثة النحلة ملقاة على جنبها في قاع الوردة الصينية الحمراء وهي تمد خرطومها للأمام. ويغطي غبار الطلع برائحته الفواحة جناحيها وأرجلها …
بدأت أنثى العنكبوت تمتص دماء النحلة في هدوء دون أن تُحرّك ساكنا.
وأنارت أشعة الشمس التي لا تعرف الخجل منظر تلك العنكبوت التي تفتخر بانتصارها في تلك المذبحة واستيلائها على الغير، لتخرق كآبة ذروة الظهيرة التي عادت مرة ثانية إلى الوردة. بطنها رمادية اللون التي تشبه تماما قماش ساتان، وعينها السوداء التي تُذكّر بخرز نانكين، ثم أرجلها المتصلبة بمفاصلها القميئة التي تبدو وكأنها مصابة بمرض الجذام. كانت العنكبوت وكأنها تمثل تقريبا “الشر” ذاته، وهي قابعة فوق النحلة الميتة تلتهمها بلا نهاية في مظهر يمثل قاع المشاعر المقززة. تكررت تلك المأساة المتناهية البشاعة بعد ذلك عدة مرات. ولكن كانت زهرة الوردة الصينية الحمراء وسط الأشعة الخانقة والحرارة تتفتح كل يوم في جمال يخلب الألباب.
وأثناء ذلك، وفي ذروة ظهيرة أحد الأيام، وكأن أنثى العنكبوت فكرت فجأة، دخلت في الفراغ بين زهرة الوردة وأوراقها، وزحفت عاليا فوق طرف أحد الأغصان. تشع عند ذلك الطرف حرارة من التربة التي انصبت عليها أشعة الشمس، وتفوح من برعم زهرة ذابلة رائحة معسولة خافتة وهي تلتوى قليلا بسبب ثقل بتلات الزهرة. وعندما صعدت أنثى العنكبوت إلى ذلك الحد، بدأت هذه المرة تتحرك حركة مستمرة ذهابا وإيابا بلا راحة بين ذلك البرعم وغصن الوردة. في الوقت ذاته، بدأت أعداد لا حصر لها من الخيوط اللامعة ناصعة البياض تدور حول طرف الغصن تدريجيا وهي تلتف حول ذلك البرعم الذابل تقريبا.
وبعد فترة من الوقت، نشأت حوصلة مخروطية الشكل كأنها مشدودة من الحرير في ذلك المكان تعكس إضاءة أشعة شمس ذروة الظهيرة في بياض ناصع لدرجة تعمي العيون.
وعندما أكملت أثنى العنكبوت بيتها، باضت في قاع تلك الحوصلة الهزيلة، أعدادا لا نهائية من البيض. ثم نسجت بعد ذلك بساطا من الخيوط السميكة عند باب الحوصلة، ومع احتلالها هي نفسها المقعد فوقه، صنعت سقفا آخر بأن شدت غشاءً يشبه الشاش. كان الغشاء يحجب تلك العنكبوت الرمادية المتوحشة عن سماء ذروة الظهيرة الزرقاء تاركا نافذة واحدة فقط وكأنها قبة دائرية. ولكن بدت العنكبوت – أثنى العنكبوت بعد أن أفرخ البيض – وكأنها تفكر تفكيرا عميقا في سكون راسخ لا تتحرك مطلقا، وهي ترقد على جنبها بجسمها النحيف الضعيف في المنتصف تماما من مساحة ناصعة البياض، وكأنها قد نسيت زهرة الوردة الصينية ونسيت الشمس، ونسيت صوت رفرفة جناحي النحلة.
ثم مرت عدة أسابيع.
وفي تلك الفترة، فتحت كائنات حية جديدة كانت تنام داخل أعداد لا نهائية من البيض أعينها داخل حوصلة العنكبوت. وكانت أنثى العنكبوت الأم هي أول من انتبه إلى ذلك قبل غيرها، وقد توقفت حتى عن الطعام وبلغت اليوم غاية مبلغها من الهِرم والعجز وهي ترقد على جنبها في منتصف ذلك الفراغ الأبيض تماما. حركت أثنى العنكبوت التي أحست أن الكائنات الحية الجديدة بدأت تتلوى في غفلة من الزمن تحت بساط الخيوط، أرجلها الواهنة ببطء شديد، وقضمت سقف الحوصلة الذي يفصل بين الأم وأبنائها فقطعته. فبدأ ينهمر طوفان من صغار العناكب بأعداد لا نهائية فوق ذلك الفراغ. بل لدرجة أنه يجب القول بديلا عن ذلك إن البساط ذاته بدأ يتحرك وقد تحول إلى مئات من الحبيبات الضئيلة.
تخطى صغار العناكب نافذة القبة على الفور، وبدأوا في الطوفان فوق غصن زهرة الوردة الصينية التي يتردد عليها الهواء وأشعة الشمس. فهاجت جماعة منهم فوق بتلات الورد التي تسند بثقل لهب القيظ. وزحفت تلك الجماعة داخل الوردة الممتلئة بالرحيق طبقات بعضها فوق بعض والدهشة بادية عليهم. ثم بدأت جماعة أخرى تشد خيوط رفيعة بسرعة لدرجة لا يمكن رؤيتها في المسافة التي بين غصن وغصن آخر من أغصان الورد التي تشق السماء الزرقاء بالعرض. لو كان لتلك العناكب الصغيرة صوت، لصرخت تلك الوردة الصينية في وضح النهار بلا شك صراخا مزعجا وكأنها آلة كمان عُلقت على الأغصان لتعزف من تلقاء نفسها.
ولكن كانت العنكبوت الأم التي أصبح ظلها هزيلا هزالا شديدا، تربض بمفردها أمام نافذة تلك القبة في إحساس بالوحدة والكآبة. ليس هذا فقط، بل لم يبدُ عليها أية حركة من أرجلها مهما مر من وقت. ثم في نهاية الأمر ماتت تلك العنكبوت الأم وسط رائحة براعم الورود الذابلة وذلك الفراغ الأبيض الموحش، ماتت وهي تشعر بسعادة لا حدود لها لأنها أم حققت وظيفتها السماوية، ماتت تحت سقف الستارة التي تشبه الشاش في ذلك المكان الذي جمع بين كونه مفرخا ومقبرة في آن، ماتت أثنى العنكبوت التي أفرخت تلك الأعداد اللا نهائية من صغار العناكب. تلك الأنثى التي تعيش في الطبيعة في عز الصيف والتي كانت تمثل “الشر” ذاته وقد قتلت النحلة وتلتهمها …
(أبريل ١٩٢٠)