هشام البستاني: تلك النقاط التي تشتعلُ وتخبو

Ottoman image of the building of the Hejaz Railway from the Turkish State Archives. Source: aliwaa.com.lb

أنتَ؟
أنتِ؟
هل.. أعرفكَ من قبل؟ كأنني.. شاهدتكَ في مكانٍ ما..
كأنني.. أعرفكِ. أعرفكِ. ربما لا. لا. لا أذكر فعلاً إن كنتُ رأيتكِ قبل اليوم. لكن يُخيّلُ لي أننا تحدّثنا والتقينا.
لكنني هنا في المحطّة منذ الصّباح. لم أرَكَ. كنتُ أنتظر صافرة وصول القطار وأمسكتُ بحقائبي فجاء صوتكَ. لعلّكَ كنتَ قِطاراً في ما مضى. ألن تصيرَ قِطاراً؟ لا بدّ أن يحملني القطار من هنا وأبتعد إلى حيث لا غبار في الأنف ولا ضجيجَ يلفُّ الرأس ويضغطه كسدّادةٍ من الفلّين. احملني يا هذا. ألستَ قِطاراً؟ ألم تطلق صافرةً من توّ؟
حملتُكِ، ألا تذكرين؟ كنتِ طفلةً كَبُرَتْ فجأةً بين يديّ وصغرتُ أنا. Ma petite fille، كنتُ أقول لكِ، وألمسُ وجهكِ بأطراف أصابعي، لكأني لا أريدُ أن ألوّثكِ بما علق من هذا العالم على أصابعي. لكنّك تركتني حُطاماً مُكتمل الخراب. وما زلتُ أتألّم. ما زال لاعب السيرك ذو السكاكين يقف أمامي ويرمي سكاكينه. يقذفها فتخترق لحمي واحدةً بعدَ واحدةٍ لكنّي لا أموت، بل أظلّ أدور على ذلك اللوح حيث ثبّتني بإحكامِ حِبالٍ غليظة. وعندما جاءت زوجتي وأَطلقتْ عليّ النار من بندقيّة الصيد، كنتُ ممتنّاً لها حقّاً. كنتُ ممتنّاً. كانت حنونةً، أمّا أنت، فلئيمة. لماذا كنتِ لئيمةً؟ لماذا؟
الآن أتذكّر. خلف الخزّان على سطح العمارة. الآن أتذكر. خلعتَ بنطالكَ وملابسكَ الدّاخليّة وأريتني إيّاه. كانَ دوري حينَ شهقتَ صارخاً: ليس لديكِ شيء! ظللتُ بعدها أُفكر مع نفسي: ليسَ لديّ شيء. أملسُ بالكامل، قلتَ، وتحسّستَهُ بأصابعك. أملسُ، وظللتُ أُفكّر مع نفسي. أَنَسِيَ أحدٌ تثبيت قطعةٍ ما في جسدي؟ أسقطتْ قطعةٌ في غفلةٍ ما منّي؟ وبحثتُ عنها البيتَ كلّه، في خزانات الثياب، في الثلاجة، وتحت السرير. وتحت السرير كنتُ حين قرّرتُ التلصّص على أبي، وإخوتي. لا شيء ناقصاً لديهم. أما أمي فرأيتُ، وهي تتنشّفُ من ماء الاستحمام، أن لديها شيئاً مصنوعاً من الشّعر. أنا الوحيدة التي لا تمتلك شيئاً، وتألّمت.
أووووه… يا للذاكرة اللعينة تروحُ وتجيءُ كبثٍّ تلفزيونيٍّ رديء؛ كمسلسلٍ تركيٍّ حلقاتُهُ متشابهةٌ إلى الدرجة التي تقولُ فيها عن الحلقةِ الجديدة: لقد شاهدتها من قبل! هاه؟ لقد شاهدتُها من قبل. هكذا حياتي سلسلةٌ لا نهائيّةٌ من الدوائر والحلقات. أحياناً تأتي على شكل مُتتالية، وأحياناً تتوضّعُ بعضها داخل بعضٍ كأنها تُحاول أن تصير نقطة، أن تتكثّف في نُقطة، أو تتحرّرَ من النُّقطة، لكن دون فائدة، فداخل كلّ نقطةٍ هناك متّسع لنقطةٍ أُخرى، وحول كل نقطة هناكَ مُتّسعٌ لما لانهاية من الدوائر. يا للذاكرة المتعبة. هرم رأسي وانضغطت عُصارته لكنّي أَلمحكِ. كنا معاً في الجامعة، صح، في الجامعة. كنتِ تلعبين مع فريق كرة السلة، تركضين وتنطّطين الكرة لكن عينيَّ معلّقتان بكُرَتين أُخرَيين تتنطَّطان. وترافقني تلك الكرات النطّاطة إلى أحلامي اللزجةِ الدّبقة.. يا للأوصاف المستهلكة! لكنّها هي هكذا، حقيقيّةٌ، وتأكُلني فأذهبُ بعدها إلى المحاضرة بعينين حمراوين وانقباضٍ في القلب. كنتُ أخلصَ مشجّعيكِ لكنّك لم تتحدثي معي ولو مرّةً واحدة. لم تنظري إليّ ولو بالخطأ. وحفظتكِ عن ظهر قلب. كل انبعاجات عضلاتكِ. كل اهتزازات مناطقكِ الرّخوة. كلّها كانت مُلكي في ليالي أرقي الطويلة. مرّةً انتظرتكِ عند باب الملعب بعد المباراة، تظاهرتُ بالتّكبيسِ على هاتفي الصامت والردّ على رسائل لم تصلني. حين ظهرتِ مع رفيقاتكِ بشعوركنّ المبللة، تَبلّل وجهي بالعرق، وركضت. ركضتُ هارباً من خجلي، لكنّه ظلّ يُلاحقني إبنُ الكلب. يُلاحقني ثم يُمسكني ويُحكمُ قبضته الخانقة على عُنقي. إبنُ الكلب.
بلى، بلى! أذكركَ جيّداً. أم إنني لا أتذكر؟ الصورة ذات غبشٍ كثير. زجاجٌ عليه بُخارٌ مُتكثّف، وأنا أَمسَحُهُ بيدي فأراكَ جالساً على السّور بجانب الدّكان المقابل. كانت حركةُ يدي تلك محاولةً للسّلام عليك، للتلويح لك، ففهمت. وعندما نزلتُ لحقتَ بي وتجاوزتَني ففهمت. انعطفتَ فلحقتُ بك، وانعطفتَ ثانيةً وثالثةً ورابعةً فلحقتُ بك، صرنا في حارةٍ لا يعرفنا فيها أحد. دخلتَ بنايةً فتبعتُكَ، وتحت درجها ألقيتُ نفسي في حضنكَ والتقطتُ شفتيكَ بفمي قبل أن أعرف اسمكَ. عطشى كنتُ لذلك الخدر اللذيذ الممنوع. ممنوع. ممنوع. ممنوع الاقتراب من الشبّاك. ممنوع الحديث مع أولاد الجيران. ممنوع اللعب في الشارع. ممنوع الخروج دون تغطية شَعري. ممنوع السلام باليد إلا على أبي وإخوتي والنساء. ممنوع الجلوس بفخذين مفتوحين! ممنوع الجلوس بفخذين مفتوحين. شرفي بين هذين الفخذين، قالوا، وحين أجلس، عليّ أن أضمّ فخذيّ بقوّةٍ حتى لا يطير. ممنوع، ممنوع، وأسفل الدّرج في تلك العمارة التي صارت لنا فالتهمتكَ والتهمتني، حكّني شرفي، حكّني إلى أن طارَ وطرتُ معه. طرتُ معه فلم أسمع صوت ذاك الذي أمسكَ بنا مُتلبّسين في اللذة. استيقظت على صوتِ صفعةٍ حاميةٍ لأرى آثار أصابع حمراء حارّة مطبوعة على خدّك. ثم سمعتكَ تهمس لي: أُهربي، ففعلت. يا لجبني. يا لهلعي وأنا أسمع صراخ الرّجل إذ قفزتُ من باب العمارة إلى الممرّ المؤدي إلى الشارع: اطلبوا الشرطة.. اطلبوا الشرطة.. وبقيت أنتظركَ خلف الشبّاك ذي البخار المتكثّف، وبقيَتْ يدي –كلّما تذكّرتُ القبلة النهمة أسفل الدّرج- تتسلّل وحدها إلى مكان الحكّة. ثمّة رؤوسٌ تخرجُ لي من الظلام ما إن ألامسه: رأس أبي، رأس أمي، رأس مربية الصف، رأس مديرة المدرسة صاحبة العصا الرّفيعة التي تسلخ، رأس رجل العمارة.. كلّهم يتطلّعون إلي بحنق، لكني أدير وجهي وأستعجل الطيران فأستحضر وجهاً لا أعرفه، شخصاً غريباً لا تحملُ نظراته قسوةً مثلهم، بل فيها شراراتٌ، وبعض بلاهة. كأنني رأيته من قبل. آه، إنه يُشبهكَ. أتكونُ أنت؟ لكني لم أركَ من قبل، ونحن في محطّة قطارٍ حيث لا طيران. لا شيء يطير هنا. لا شيء.
ربما.. آه، يا للذاكرة، يا لهذه النقاط التي تشتعل وتخبو. أذكرُ. أذكرُ أنّني كنتُ قاصّاً. كتبتُ قصّةً عن رجلٍ وامرأةٍ يلتقيانِ في محطّةٍ قطار. يشكُّ في أنّه شاهدها من قبل، وتظنُّ أنها تعرفه، لكن أين؟ أين؟ أتكونينَ أنتِ بطلةَ تلك القصّة، وأنا، مؤلفها، بطلها الآخر؟ أذكر تَجَعْلُكَ وجه الرّقيب حين قرأها. هذه دعارةٌ وليست أدباً، صاح بي، فهربتِ من رأسي. كنتِ تحتجّين دائماً عليَّ لأنني لا أجعلكِ تقولين ما تريدين. أنا بذيئةٌ، قلتِ لي، لا أُواربُ حتى في أسماء الأعضاء الجنسيّة، الأدبُ والفنُّ حريّةٌ يا أخي، فأطلقني على الورق كما أريد. ترجّيتكِ. قلتُ لكِ عن هذا الرّقيب. يجلسُ في المكتب، يجلسُ في الجامع، يجلسُ في المخفر، يجلسُ في الشارع. إبن الكلب. يغطس ورائي حين أحاول الغوص أعمق ويشدّني من شَعري. وحين فعلتُها لمرّةٍ وسمعتُ كلامكِ، هجموا عليَّ جميعاً، وقالوا إنني داعر، وهربتِ أنتِ من رأسي. حاولت البحثَ عنكِ مراراً: قلمي سحابةٌ لا تُمطِر، أوراقي تكرمشت وطقطقت مثل أرضٍ بور، واللوحات التي كنتِ تسبحين فيها جفّت ألوانها وتجلّطت. ليس لي إلا محطّة القطار. لكن.. لكن.. ليس في هذه المدينة محطات قطار.. ليس ثمّة قطارٌ أصلاً.. فكتبتُ واحدةً علّني أجدكِ فيها.. تقليديّةً تماماً مثل تلك التي نشاهدها في الأفلام، تقع في خلاءٍ تام. كنتُ أظنُّ أننا في مدينة، لكن محطّتي في خلاء، هكذا يجب أن تكون. وذهبتُ إليها، وها أنا أجدكِ. عودي. عودي معي. سنجدُ صيغةً ما. ستشتمينَ في رأسي، وسأشتمهم في رأسي. سننشر هناك مئات القصص ثم نجمعها ونحشرها في قنّينةٍ عملاقةٍ نُلقيها في البحر. ستجدينها –لا بدّ- يوماً ما على شاطئ ذلك البلد الذي سيأخذكِ القطار إليه. ستقرئينها وتقهقهين. عودي معي. أرجوكِ.
صحيح، يا للذاكرة. يا لهذه النقاط التي تشتعل وتخبو. أذكرُ. أذكرُ أنّني كنتُ ممثلةً في مسرحيّةٍ عن قصّةٍ تتحدّثُ عن امرأةٍ ورجلٍ يلتقيان في محطّة قطار. تظنُّ أنها تعرفه، ويشكُّ في أنّه شاهدها من قبل، لكن أين؟ أين؟ المشكلةُ أن الممثّل اعتُقلَ قبل البروفة الأولى. كان يُشاركُ في مُظاهراتٍ من ذلك النوع. إسقاط النظام. لا تقل لأحدٍ أرجوك. كان عليّ أن أتحدّث إلى شخصٍ في رأسي بدلاً من الممثل. في البداية حاول المخرج السؤال عنه. لديه علاقاتٌ من ذلك النوع. لا تقل لأحدٍ أرجوك. لكنّه عاد كأنْ ليس لدينا ممثّل مفقود. لم يكن لدينا ممثّل أصلاً، قال، هذه مونودراما، وعليكِ أن تتحدّثي طوال المسرحيّة مع شخصٍ في رأسِكِ. أتكونُ أنت هو ذلك الشخص؟ عُد معي، أرجوك. سأتحدّث إلى المخرج، وسيتحدّث هو إلى أولئك الآخرين الذين يَشُدّون الخيوط ويُرخونها. ستخلقُ من جديد باسمٍ جديد، ويصير لدينا ممثلٌ وممثلةٌ وتكتمل المسرحيّة. عُد معي. أرجوك.
أعودُ معكِ؟ هل.. أعرفكِ من قبل؟ كأنني.. شاهدتكِ في مكانٍ ما..
كأنني أعرفكَ أيضاً. ربما لا. لا. لا أذكر فعلاً إن كنتُ رأيتكَ قبل اليوم. لكن يُخيّلُ لي أننا تحدّثنا والتقينا.

Ma petite fille (يا طفلتي الصغيرة)، والزوجة صاحبة بندقية الصيد، من فيلم “الجلد الناعم” لفرانسوا تروفو (1964).
القصّة من كتاب “مقدّماتٌ لا بدّ منها لفناءٍ مؤجّل”، وتُنشر إلكترونيًّا بالعربيّة للمرّة الأولى. نُشرت الترجمة الإنجليزيّة التي أنجزتها ثريّا الريّس لهذه القصة في مجلة “ذي كينيون ريفيو – The Kenyon Review” تحت عنوان: Flash. Fade.، ويمكن الوصول إليها بالضغط هنا.