أحشاء: هشام فهمي يترجم تشاك پولانِك

Bruno Barbey, Réunion, 1991. Source: magnumphotos.com

شهيق.
التقِط كلَّ ما تقدر عليه من الهواء.
لن تستغرق هذه القصَّة أكثر من المُدَّة التي تستطيع أن تحبس خلالها أنفاسك، ثم ما يزيد على هذا بقليل، لذا أرجوك أن تسمعها بأسرع ما يُمكنك.
صديق لي كان في الثالثة عشرة من عُمره عندما سمع بتكنيك غرس الوتد، أي عندما يدسُّ الرجل قضيبًا صناعيًّا في مؤخِّرته، ويحثُّ غُدَّة المثانة بالقوَّة الكافية، ليصل إلى ذُروةٍ متفجِّرة مرَّاتٍ ومرَّاتٍ دون أن يستخدم يده. هذا الصديق في تلك السِّن مهووس بالجنس، يبحث دائمًا عن سُبل أفضل للاستمناء. يخرج ليشتري جزرة وعلبة من الڤازلين ليُجري بحثًا خاصًّا صغيرًا، ثم يتخيَّل كيف سيبدو الأمر للواقفين في الطابور عندما يذهب لدفع الحساب ومعه الجزرة الوحيدة والڤازلين، والكلُّ ينظر إليه متخيِّلًا الليلة الكبيرة التي يُخطِّط لها. هكذا يبتاع صديقي القليل من الحليب والبيض والسُّكَّر مع الجزرة – وكلها مقادير لصُنع كعكة جزر لا بأس بها – والڤازلين بالطبع.
كأنه سيعود إلى المنزل ليضع كعكة جزر في مؤخِّرته.
في البيت ينحت الجزرة إلى أن تصبح أداةً غير حادَّة، ثم يدهنها بالڤازلين ويدسُّها في مؤخِّرته… ثم لا شيء، لا ذُروة، لا شيء هنالك إلَّا الألم.
ثم إن أم الفتى تُنادي من الطابق السُّفلي قائلةً إن العشاء جاهز، فلينزل الآن فورًا.
يُخرِج الجزرة من مؤخِّرته، ثم يُخفي الشيء اللزج القذر بين ملابسه المتَّسخة تحت الفِراش.
بعد العشاء يعود إلى الجزرة ليجدها اختفت. لا بُدَّ أن أمه أخذت ملابسه المتَّسخة كلها لتغسلها وهو يتناول العشاء، وليس من الممكن ألا تَعثُر عليها منحوتة مشذَّبة بسكِّينٍ من مطبخها، لا يزال الڤازلين حولها يلمع ولا تزال رائحتها نتنة.
ينتظر صديقي هذا شهورًا طويلة وسحابة سوداء تُظلِّل حياته منتظرًا أن يُواجِهه والداه، لكنهما لا يفعلانها أبدًا. حتى يومنا هذا، وقد أصبح رجلًا بالغًا، ما زال يرى الجزرة الخفيَّة مُعلَّقة فوق كلِّ عشاءٍ تُقيمه العائلة في الكريسماس، فوق كلِّ حفلة عيد ميلاد، في كلِّ حفلةٍ لصيد بيض عيد الفصح مع أطفاله، مع أحفاد والديه… وشبح الجزرة ما زال يحوم حولهم جميعًا. إن هذا لَشيء ألعن من أن يكون له اسم.
في فرنسا لديهم تعبير اسمه ”فِطنة السلالم“، ويعني تلك اللحظة التي تجد فيها الإجابة على شيءٍ ما، وإنما بعد فوات الأوان. لنفترض أنك في حفلةٍ ما ويهينك أحدهم على مرأى ومسمعٍ من الجميع. حينها لا بُدَّ أن تقول شيئًا، أن تردَّ الإهانة، لكنك تحت ضغطٍ والكلُّ ينظر إليك، وهكذا تردُّ بشيءٍ سخيف.
لكن لحظة أن تغادر الحفلة…
ما إن تضع قدمك على الدرجة الأولى من السُّلَّم يبدأ السِّحر!
فورًا يَخطُر لك القول المثالي الذي كان حريًّا بك أن تردَّ به، الرَّد الذي كان من شأنه أن يُخرِس مهينك تمامًا.
تلك هي روح السلالم.
المشكلة أن حتى الفرنسيين لا يملكون تعبيرًا للأشياء الغبيَّة التي تقولها تحت ضغط، تلك الأشياء الحمقاء اليائسة التي تقولها أو تفعلها.
مِن الأفعال ما هو أوضع من أن يكون له اسم، أوضع من أن يتكلَّم الناس عنه.
يقول خبراء نفسيَّة الأطفال والاختصاصيُّون الاجتماعيُّون الآن إن أغلب حالات انتحار المراهقين المسجَّلة مؤخَّرًا كانت من صِبيةٍ يُجرِّبون الاختناق في أثناء الاستمناء. هؤلاء يَعثُر عليهم أهلهم بمنشفةٍ ملفوفةٍ حول العُنق ومعلَّقة بمشجب خزانة غرفة النوم، والصبي نفسه ميت. السائل المنوي الميت في كلِّ مكان. طبعًا يُنظِّف الأهل المكان، وطبعًا يُلبِسون الصبي سروالًا، يجعلون المشهد يبدو… أفضل، أو مقصودًا على الأقل؛ النوع المعتاد من انتحار المراهقين التعساء.
صديق آخَر لي في المدرسة روى له أخوه الأكبر جندي البحريَّة أن الذكور في الشرق الأوسط يستمنون بطريقةٍ مختلفةٍ عنا هنا. هذا الأخ كان متمركزًا في واحدةٍ من الدول ذات الجِمال، حيث تبيع الأسواق العامَّة ما يمكن أن يكون فتَّاحات خطاباتٍ أنيقة. كلُّ واحدةٍ من هذه عبارة عن عصا رفيعة من النحاس الأصفر أو الفضَّة المصقولة بطول يدك تقريبًا، في أحد طرفيها كرة معدنيَّة كبيرة أو شيء ما يُشبِه المقابض المنحوتة الأنيقة التي تراها في السيوف.
يحكي ذلك الأخ جندي البحريَّة كيف ينصب الذَّكر العربي قضيبه، ثم يُدخِل تلك العصا من فتحة القضيب بطوله، ويستمني والعصا بالداخل، وهو ما يزيد اللَّذَّة ويجعلها أشد.
إنه الأخ الأكبر الذي يسافر حول العالم ويُرسل العبارات الفرنسيَّة والروسيَّة ونصائح الاستمناء.
بعد ذلك يأتي يومٌ لا يذهب فيه الأخ الأصغر إلى المدرسة، وفي تلك الليلة يتَّصل بي طالبًا أن أساعده في واجبه المنزلي طوال الأسبوعين التاليين لأنه في المستشفى.
يتقاسم هذا الصديق الغُرفة مع مجموعةٍ من المُسنِّين الخاضعين لعمليَّات في أحشائهم، ويحكي كيف أنه يضطرُّ إلى مُشاهدة برامج التليفزيون نفسها معهم، وأن كلَّ ما يُوَفِّر له شيئًا من الخصوصيَّة هو ستارة وحيدة. أهله لا يأتون لزيارته، وعلى الهاتف يقول لي إن والديه على وشك قتل أخيه الكبير جندي البحريَّة.
على الهاتف يقول لي كيف كان مسطولًا بعض الشيء، وفي المنزل في غرفة نومه كان نائمًا على بطنه مُشعِلًا شمعةً ويتصفَّح بعض مجلات الپورنو القديمة استعدادًا للاستمناء. كان هذا بعد أن سمع ما لدى أخيه جندي البحريَّة بالطبع عن تلك المعلومة المفيدة عن كيفيَّة استمناء العرب. ينظر الفتى حوله باحثًا عن شيءٍ ما يصلح لأداء الغرض. قلم الحبر الجاف أكبر من اللازم، والقلم الرصاص كبير وخشن، لكن على جانب الشمعة يسيل خيط ناعم رفيع من الشمع قد يكون مناسبًا. هكذا بطرف إصبعٍ واحد يخلع خيط الشمع الطويل من الشمعة، ويلفه بنعومة بين راحتيه ليصبح أطول وأنعم وأرفع.
الفتى، مسطولًا هائجًا، يُدخِل العود الشمعي عميقًا في فتحة البول في قضيبه، ويترك طولًا لا بأس به منها بالخارج، ثم يبدأ.
حتى الآن يقول إن هؤلاء الذُّكور العرب في غاية الذكاء. لقد أعادوا اختراع الاستمناء بالكامل.
هكذا يتمدَّد على ظهره في الفراش. هكذا تبدأ أشياءَ رائعة في الحدوث ولا ينتبه هو إلى عود الشمع. إنه على بُعد ضغطةٍ واحدةٍ أخيرة من خروج المَنِي، عندما يُدرِك أن لا شيء من الشمع تبقى خارج قضيبه.
عود الشمع الرفيع انزلق كله إلى الداخل على عُمقٍ يجعله لا يشعر به في أنبوب البول الآن.
من الطابق السفلي تُنادي أمه قائلةً إن العشاء جاهز، فلينزل الآن فورًا. فتى الشمع وفتى الجزرة شخصان مختلفان تمامًا، لكننا نعيش الحياة نفسها على كلِّ حال.
بعد العشاء تبدأ أحشاؤه في أن تؤلمه. إنه شمع، ومن ثم فقد خمَّن أنه سيذوب في داخله ويخرج مع فضلاته. الآن يؤلمه ظهره وتؤلمه كليتاه ولا يستطيع الوقوف باستقامة.
يتكلَّم الفتى على الهاتف في المستشفى، وفي الخلفيَّة يُمكِنك سماع صوت أجراسٍ وصياح. البرامج الرياضيَّة تلك!
تُبيِّن الأشعة السينيَّة الحقيقة: شيء ما طويل ورفيع ملوي داخل مثانته، ذلك الشيء يجمع كلَّ المعادن في بوله ويزداد حجمه وخشونته مع الوقت وتغطيه بلورات الكالسيوم، يتحرَّك هنا وهناك ممزِّقًا بطانة المثانة ومانعًا أيَّ بولٍ من الخروج. الآن كليتاه مسدودتان تمامًا، والقليل الذي يتسرَّب من فتحة البول مصطبِغ بالأحمر القاني.
ذلك الفتى وأهله كلهم ينظرون إلى صورة الأشعَّة ومعهم الطبيب والممرِّضات، وقطعة الشمع تتألَّق بالأبيض ليراها الجميع. عليه أن يقول الحقيقة، عليه أن يُخبِرهم كيف يستمني العرب كما كتب له أخوه جندي البحريَّة.
الآن على الهاتف يبدأ الفتى في البكاء.
دفع أهله تكلفة جراحة المثانة من المبلغ المدَّخر لتعليمه الجامعي. لقد ارتكب خطأ واحدًا غبيًّا، والآن لن يصبح محاميًّا أبدًا.
أن تدسَّ أشياءَ في نفسك، أن تدسَّ نفسك في أشياءَ، شمعة في قضيبك أو رأسك في أنشوطة، كلنا يعرف أن هذا سيتسبَّب في مشكلةٍ كبيرة.
الشيء الذي أوقعني أنا في مشكلة أحبُّ أن أسمِّيه ”لآلئ الغوص“، أي الاستمناء تحت الماء في أثناء الجلوس في قاع الركن الأقصى من حوض سباحة أبوَي. بنَفَسٍ واحدٍ عميق أغوصُ إلى القاع وأخلعُ ثوب السباحة، وهناك أجلسُ دقيقتين، ثلاث دقائق، أربع دقائق.
فقط من ممارسة هذا تحت الماء أصبحت لديَّ سعة رئويَّة عالية، وكنتُ لأفعل هذا طوال الظهيرة لو كان المنزل خاليًا. بعد أن أنتهي، أرى القذف طافيًا في كُتَلٍ لبنيَّة كبيرة، وهكذا أعاودُ الغوص لأجمعه كله وأمسحه في منشفة. لهذا أفضِّلُ اسم لآلئ الغوص. حتى مع الكلور الذي يُنظِّف الحوض ما زالت هناك نسبة من القلق على أختي… أو على أمي!
كان ذلك أسوأ مخاوفي في العالم: أختي المراهقة العذراء تحسب أنها أصبحت بدينة فقط، ثم إذا بها تلد طفلًا معاقًا ذا رأسين كلاهما يُشبهني أنا، الأب والخال.
لكن المشكلة أن ما يُقلِقك ليس ما ينال منك في النهاية.
أفضل ما في تكنيك لآليء الغوص هو تلك الفتحة التي تُفضي إلى مصفاة الحوض ومضخَّة تدوير المياه، أفضل جزء هو التعرِّي والجلوس عليها.
كما يقول الفرنسيون: “من الذي لا يحب أن تُمتَص مؤخرته؟” ومع ذلك، ففي لحظةٍ أنت مجرَّد مراهق هائج، وفي اللحظة التالية لن تصبح محاميًّا أبدًا.
الآن أجلسُ في قاع حوض السباحة، السماء تبدو زرقاء مائجة عبر ثمانية أقدامٍ من الماء فوق رأسي، والعالم صامت تمامًا باستثناء ضربات قلبي التي أسمعها في أذنَي. ثوب السباحة المخطَّط بالأصفر معقود حول عُنقي تحسبًا لظهور صديقٍ أو جارٍ أو أيِّ أحدٍ جاء يستفسر عن تغيُّبي عن تدريب كرة القدم. الامتصاص الثابت من مصفاة حوض السباحة يلعقني، فأكبسُ مؤخِّرتي البيضاء الصغيرة حول ذلك الإحساس.
الآن هناك ما يكفيني من الهواء وقضيبي في يدي، والداي في عملهما وأختي في تدريب الباليه، ولن يعود أيهم قبل ساعات.
تقودني يدي إلى شفا الذُّروة، وعندها أتوقَّف. أسبحُ إلى أعلى لألتقط نفسًا كبيرًا آخَر، ثم أغوصُ لأستقرَّ في القاع ثانيةً.
أفعلُ هذا مرَّةً تلو الأخرى.
لا بُدَّ أن هذا هو سبب رغبة الفتيات في الجلوس على وجهك. هذا الامتصاص يشبه عمليَّة تبرُّز لا تنتهي. إنني منتصب، والمضخَّة تلتهم مؤخِّرتي، ولست في حاجةٍ إلى هواء. نبضات قلبي في أذنَي، وأبقى تحت الماء إلى أن تبدأ النجوم في الاحتشاد أمام عينَي. ساقاي مفرودتان تمامًا، وباطنا ركبتَي يُوازيان القاع الإسمنتي مباشرةً. أصابع قدمَي يستحيل لونها إلى الأزرق، ويتجعَّد جلدها كجلد أصابع يدَي من بقائي الطويل تحت الماء.
ثم أتركُ الكُتَل البيضاء الكبيرة، اللآلئ، تتدفَّق. عندها فقط أحتاجُ إلى الهواء، لكن عندما أحاولُ رَكْل القاع لأدفع نفسي إلى أعلى أجدني لا أستطيع، لا أستطيعُ أن أثني ساقَي تحتي. إن مؤخِّرتي عالقة.
سيقول لك مسعفو الطوارئ إن نحو مئة وخمسين شخصًا يعلقون هكذا كلَّ عام، تجتذبهم مضخَّة التدوير وتعلق بالشَّعر الطويل أو المؤخِّرة، وعندها ستغرق. كل عامٍ يفعل الآلاف هذا، ومعظمهم في فلوريدا.
فقط لا تجد الناس يتكلَّمون عن هذا. حتى الفرنسيون لا يتكلَّمون عن كلِّ شيء. أستطيعُ أن أرفع ركبة واحدة وأثني ساقي تحتي، أقفُ نصف وقفةٍ لأشعر بالجذب الشديد في مؤخِّرتي. أثني ساقي الأخرى تحتي وأركلُ القاع، أركلُ بحُرِّيَّة ولستُ ألمسُ القاع الإسمنتي، لكني لا أتحرَّكُ صوب الهواء كذلك.
ما زلتُ أركلُ في الماء وأضربُ بذراعَي. لعلي الآن في منتصف الطريق إلى السطح، لكني لا أرتفع. ضربات قلبي في أذنيَّ تعلو وتتزايد.
شرارات الضوء تعبر أمام عينَي وتتشابك. أستديرُ وألقي نظرة… لكن ما أراه غير معقول. هذا الحبل السميك، ثعبان ما لونه أبيض مزرق مليء بالأوردة خرج من بالوعة الحوض ومتمسِّك بمؤخِّرتي. بعض تلك الأوردة يتسرَّب منه الدم الأحمر الذي يبدو أسود تحت الماء ويبتعد عن جلد الثعبان الشاحب. يبتعد الدم ويختفي في الماء، وداخل جلد الثعبان الأبيض المزرق الشاحب ترى كُتَلًا من بقايا وجبةٍ نصف مهضومة.
هذه هي الطريقة الوحيدة التي يُمكنني أن أعقل بها هذا. هو وحش بحري بشع، أفعى بحريَّة لم ترَ ضوء النهار من قبل قَطُّ ظلَّت كامنة في قاع البالوعة المُظلِم وتنتظر أن تلتهمني.
هكذا أركله، أركل الحبل المطَّاطي الزَّلِق ذا الأوردة، لكن المزيد منه يخرج من البالوعة. طوله يكاد يبلغ طول ساقي الآن، لكنه ما زال متمسِّكًا بفتحة الشرج. بركلةٍ أخرى أقتربُ بوصة أخرى من الهواء. ما زال الثعبان متشبِّثًا بمؤخِّرتي، وأنا على وشك الهروب.
في داخل الثعبان يُمكنك أن ترى ذُرَةً وفولًا سودانيًّا، يُمكنك أن ترى كرة برتقاليَّة طويلة لامعة تُشبِه حبوب الڤيتامينات التي يجعلني أبي آخذها كي أكتسب المزيد من الوزن لأحصل على منحةٍ دراسيَّةٍ رياضيَّة. حبوب مليئة بالحديد وأحماض أوميجا ٣.
رؤية حبة الڤيتامينات هذه هي ما أنقذ حياتي.
إنه ليس ثعبانًا. إنها أمعائي الغليظة. قَولوني كله خارج جسدي.
هذا ما يُطلِق عليه الأطباء اسم التدلِّي. إنها أحشائي وقد امتصَّتها البالوعة.
سيقول لك مسعفو الطوارئ إن مضخَّة حوض السباحة تسحب نحو ثمانين جالونًا من الماء في الدقيقة، أي ما يعادل أربعمئة رطل من الضغط. المشكلة الكبيرة أن كلَّ شيءٍ في داخلنا مرتبطٌ ببعضه البعض: مؤخِّرتك ليست إلا الطرف الأقصى لفمك. إذا تركتها فسوف تستمرُّ المضخَّة في سَحْبِ أحشائي من الداخل إلى أن تبلغ لساني.
ما يُمكنني أن أقوله لك الآن إن أحشاءك لا تشعر بالكثير من الألم، ليس كالألم الذي يشعر به جلدك. الأشياء التي تهضمها يُطلِق عليها الأطباء اسم المادَّة البرازيَّة. في الأعلى هناك كُتل سميكة من الذُّرَة والفول السوداني والبازلاء الخضراء.
هذا إذن ما يحيط بي من دمٍ وذُرَةٍ وبرازٍ ومَنِيٍّ وفولٍ سوداني. حتى وأحشائي تنحلُّ خارج مؤخِّرتي وأحاولُ التمسُّك بما تبقَّى منها، فالخاطر الأول في ذهني هو أن أرتدي ثوب السباحة.
حاشا لله أن يرى أهلي قضيبي!
بيدٍ أقبضُ على أحشائي وباليد الأخرى أجذب ثوب السباحة المخطَّط بالأصفر من حول عُنقي، لكن ارتداءه ما زال مستحيلًا.
هل تريد أن تعرف ملمس أحشائك؟ اذهب واشترِ عُلبةً من الواقي الذَّكري المصنوع من جلد الحملان. أخرِج واحدًا واحشه بزبدة الفول السوداني، ثم ادهنه بالڤازلين وامسكه تحت الماء… ثم حاول أن تُمَزِّقه، حاول أن تقطعه نصفين. ستجده صُلبًا مطَّاطيًّا بشدَّة، ستجده لزجًا لا تستطيع القبض عليه.
واقٍ ذَكري من جلد الحملان، تمامًا كالأحشاء.
يُمكنك أن ترى الموقف الذي أنا فيه إذن.
تَترُك أحشاءك لثانيةٍ واحدةٍ وستَخرُج منك كلها…
تحاول السباحة نحو السطح لتلتقط أنفاسك وستخرج كلها منك…
لا تحاول السباحة وستغرق…
إنه خيار بين الموت الآن والموت بعد دقيقةٍ من الآن.
ما سيَعثُر عليه والداي بعد عودتهما من العمل هو جنين كبير عارٍ متكوِّم على نفسه، طافٍ في المياه المتَّسخة في حوض السباحة، مُقَّيد إلى القاع بحبلٍ سميك من الأوردة والأحشاء الملتوية. هذا عكس ما يفعله من يشنق نفسه حتى الموت وهو يستمني. هذا هو الطفل الذي جاءا به إلى المنزل من المستشفى منذ ثلاثة عشر عامًا، الطفل الذي أملا أن يحصل على منحةٍ دراسيَّةٍ رياضيَّة وينال الماچستير في إدارة الأعمال، الذي سيعتني بهما عندما تتقدَّم بهما السِّن.
ها هي كلُّ أحلامهما وأمانيهما. ها هو ذا، طافٍ، عارٍ، ميت وحوله لآلئ من القذف.
إما ذلك وإما أنهما سيجدانني ملفوفًا بمنشفةٍ داميةٍ في منتصف المسافة بين حوض السباحة وهاتف المطبخ، وبقايا أحشائي لا تزال متدلية من ساق ثوب السباحة المخطَّط بالأصفر.
حتى الفرنسيون لن يتكلَّموا عن ذلك.
ذلك الأخ الأكبر جندي البحريَّة علَّمنا عبارة مفيدة أخرى، عبارة روسيَّة. نقول نحن: “أحتاجُ إلى هذا كما أحتاجُ إلى ثُقب في رأسي”، والروس يقولون: “أحتاجُ إلى هذا كما أحتاجُ إلى أسنان في مؤخِّرتي”.
تلك القصص التي تسمعها عن الحيوانات التي تسقط في أفخاخ فتقضم ساقها لتتحرَّر. أي ذئب سيقول لك إن قضمتين لأفضل كثيرًا من الموت.
حتى إذا كنت روسيًّا، فقد تحتاج إلى تلك الأسنان ذات يوم.
ما تفعله الآن أنك تلوي نفسك وتُثبِّت أحد مِرفقيك وراء ركبتك وتجذب تلك الساق إلى وجهك وتعض وتقضم مؤخِّرتك. عندما ينفد منك الهواء ستقضم أيَّ شيءٍ في سبيل أن تأخذ نَفَسًا آخَر.
ليس هذا شيئًا تريد أن تحكيه لفتاةٍ في لقائكما الأول، ليس إذا كنت تنتظر أن تظفر منها بقُبلةٍ في نهاية اللقاء.
أحشائي… إذا قلت لك كيف كان مذاقها فلن تمس الكالاماري مرَّةً أخرى أبدًا.
من الصعب أن أحدِّد أكثر ما أثار اشمئزاز والدَي: كيف أوقعتُ نفسي في تلك الورطة، أم كيف أنقذتُ نفسي منها. في المستشفى قالت لي أمي: “لم تكن تعرف ما تفعله يا صغيري، كنت مصدومًا”، ثم إنها تعلَّمت كيف تطهو البيض المسلوق.
كلُّ هؤلاء الذين يشعرون بالاشمئزاز مني أو الشفقة عليَّ…
أحتاجُ إلى هذا كما أحتاجُ إلى أسنان في مؤخِّرتي.
في الوقت الحالي دائمًا يقول لي الناس إنني أبدو شديد النحول. في حفلات العشاء يغتاظ الناس مني لأني لا آكلُ لحمهم المطبوخ. اللحم المطبوخ يقتلني، واللحم المقدَّد كذلك. أي شيء يبقى في أحشائي أكثر من ساعتين يخرج كما هو طعامًا. الفول أو قِطَع التونة، ما زلت أجدها كما هي في المرحاض.
بعد أن تجري جراحة كبرى لاستئصال الأمعاء لا يُمكنك هضم اللحوم. معظم الناس لديهم أمعاء طولها خمسة أقدام، أما أنا فمحظوظ بأمعائي التي يبلغ طولها ست بوصات. هكذا لم أحصل قَطُّ على منحةٍ دراسيَّة رياضيَّة، ولم أنل الماچستير في إدارة الأعمال. صديقاي، فتى الجزرة وفتى الشمع، كبرا ونضجا، أما أنا فلم يزد وزني رطلًا واحدًا عما كان وأنا في الثالثة عشرة.
المشكلة الأخرى كانت حوض السباحة نفسه. في النهاية قال أبي للعامل إنه كان كلبًا؛ كلب العائلة سقط في الحوض وغرق وسحبته المضخَّة. حتى عندما أفرغ العامل البالوعة وأخرج أنبوبًا طويلًا من الأمعاء به حبة الڤيتامينات البرتقاليَّة، هزَّ أبي رأسه بأسي قائلًا: “ذلك الكلب كان مجنونًا”.
حتى من النافذة العلويَّة يُمكنك أن تسمع أبي يقول: “لم نكن نثق بوجود ذلك الكلب وحده ثانية واحدة”.
ثم توقَّفت الدورة الشَّهريَّة عند أختي.
حتى بعد أن غيَّروا مياه حوض السباحة، بعد أن باعوا المنزل وانتقلنا إلى ولايةٍ أخرى، بعد إجهاض أختي، لا يذكر أهلي ما حدث مرَّة أخرى أبدًا.
أبدًا.
هذه هي جزرة أُسرتنا الخفيَّة.
أما أنت فيُمكنك أن تتنفَّس مِلء رئتيك الآن، فأنا ما زلتُ لا أقدرُ.