صلاح باديس: كيف تُسجّل صوت البحر؟

Todd Hido, #6097-4. Source: toddhido.com

الجدارمية خنقوا الطريق، الناس عادوا يخافوا يخرجوا من ديارهم. هذا ما تقوله لي سامية كل مساء عندما تعود من العمل. مُنهكة تسبُّ وتشتم الحواجز الأمنية التي تُغلقُ الطريق. تجلس إلى طاولة المطبخ وتقول:
– الجدرامية خنقوا الطريق، الناس عادوا يخافوا يخرجوا من ديارهم.
كل ستة أشهر هنالك حاجز أمني جديد في الطريق الرابط بين رغاية ووسط الجزائر. سامية تعتقدُ أن الجدارمية والشرطة يريدون فَصْلَ الضاحية الشرقية للعاصمة عن وسطها، أقول لها بأنها مفصولة جغرافيًا، وكل أطراف العاصمة اليوم – رغاية ورويبة – لم تكن تتبعها قبل عشرين عامًا. تتركني أكمل كلامي، غالبًا ما أكون أطبخ أو أحضّر شيئًا للعشاء، تتقدّم من القدر على النار، تشمّ الرائحة وتقول:
– مشّي كيف كيف… نهار عرفتك، كانت الطريق مغلوقة الصباح برك… كي تزوجنا كانت تتغلق الصباح وساعة يجو الجدارمية وساعة ما يجوش… ضُرك راهم ف الطريق كل يوم والطريق صباح وعشية مغلوقة.
أنا لم أكن مَعنِيًا بالطريق والحواجز الأمنية في المدة الأخيرة، كنت أبقى في رغاية، في الدار غالبًا، وعندما أخرج لأجل موعدٍ أو عمل، آخذ القطار. نملك سيارة واحدة، ماروتي حمراء قديمة، وكانت سامية هي من تقودها.

سكة الحديد – أو الرَايَة كما نُسمّيها (انطقوا الرّاء على طرفِ لسانكم) – تقسِمُ رغاية نصفين. الشمال والجنوب، الشمال يمتد حتى البحر والجنوب يلتصق بالمنطقة الصناعية ويفتح على الطريق السريع المؤدي إلى وسط العاصمة. عشتُ حياتي كلها في الجهة الشمالية، في حي الونشريس أو ما يُعرف بالـ DNC وهو اسم شركة البناء الوطنية التي بنَت مئات الأحياء عبر البلاد. عشتُ ودرست وتسكّعتُ هناك.
لم أعِش في الجهة الجنوبية سوى في الأشهر الأخيرة، عندما تركنا سامية وأنا حسين داي وانتقلنا إلى رغاية، إلى شقة مدام بلعمري – صديقة والدتي وأستاذتي للغة الفرنسية سابقا في اللّيسي. شقة صغيرة، الباب يُفتحُ على صالون ٩ م٢ والذي بدوره يفتح على مطبخ أصغر وحمام أصغر من المطبخ وغرفة ٨ م٢. كل الحي هكذا، بُنِي في الخمسينات، مثل جحور أرانب. لم يُزعجنا الأمر، المكان يكفيني مع سامية، عكس العائلات التي تعيش في الحي منذ سنوات، لا أعرف كيف يتحرك ويعيش خمسة أو أربعة أشخاص داخل هذه الشقق. الإيجار كان رخيصًا ومدام بلعمري مسافرة طيلة الوقت عند ولدها وابنتها في فرنسا. وفي الليل عند هدوء الشوارع وحركة النّاس، يصلني صوتُ السيارات القليلة، التي تقطع الطريق السريع غير البعيد، مثل صوتِ جريان نهر لا يتوقّف.
رغاية بعيدة، في الحقيقة ٣٣ كلم ليست بالمسافة البعيدة، لكن اختناق الطرق المؤدية إلى وسط العاصمة في النهار يجعل الطريق عذابًا. سامية واصَلَتْ استعمال الماروتي، هي من تعمل كل يوم وبجدول توقيت ثابت، أما أنا فعدتُ لاستعمال القطار. رغاية آخر محطة قطار في العاصمة من جهة الشرق، وأكبرها من حيث عدد المسافرين، الناس هنا يردّدون نفس المثل منذ الثمانينات: تبّع الرَاية توصل لرغاية.

لم أقُم بعملٍ كثير في الأشهر الأخيرة. عشتُ على مُدّخرات السنة الماضية، ولهذا السبب أيضًا تراجعنا إلى رغاية. آخر شيء قُمتُ به كان العمل في الأستوديو لتسجيل فرقة راب من الحرّاش اسمها “بوروباز”. كُنت أركَبُ القطار بحقيبة مُعدّات صغيرة. كُنّا ننتنهي كل ليلة من التسجيل في وقتٍ مُتأخر، ورغم كل السيارات التي كانوا يستعملونها في تصوير الكليب، إلاّ أنهم لم يوصلوني ولا مرّة، كنت أطلبُ طاكسي وأعود. حتى المبلغ الذي جاء من الإنتاج لم يكُن مُهمًا.
خلال كل هذا الوقت، كُنت أحاول تأجير المُعدّات، هكذا يفعل الجميع، عندما لا تُحارب أكْرِي سلاحك. بقية الوقت كنت أخرج ومعي السلاح الوحيد الذي لا أؤجّره، مُسجّل الصوت ZOOM h4، أمشي نحو محطة القطار وأحاول التقاط الأصوات هناك. صافرات القطارات. احتكاك العجلات على الرّاية. صوت الإنذار قبل إغلاق الأبواب. كنتُ أحمل الـ ZOOM في كل مكان. في السوق أيضًا، وأسجل أصوات الباعة وأحاديثهم. الفكرة في رأسي غير واضحة، لكن يُمكن أن أختصرها في كوني أريد تسجيل أصوات البلدة التي أعرفها، مثلًا يُمكنني أن أبدأ من المنطقة الصناعية ثم أقطع البلدة كلها، من المحطة للسوق للمقاهي ومحطة البنزين الصغيرة ثم أصوات تلاميذ اللّيسي والابتدائي حتى أصل إلى البحيرة البعيدة وخلفها البحر. وستكون كل هذه الأصوات مادةً للعمل على شريط صوتي يأخذُ المستمع في رحلة عبر رغاية.
أخرج وأمشي نحو وسط رغاية. الطريق إلى وسط البلدة شبه خالٍ إلاّ من تلاميذ اللّيسي. على اليمين توجد الأحياء والعمارات، وعلى اليسار توجد المصانع، وفي منتصف الطريق – على اليسار- تتفرّع طريق الزوافرة، طريق ضيّقة تمتدّ بين البوابات الخلفية لعدد من المصانع وتنتهي بسور حديدي للرّايَة، لو تصعد فوق الجسر الصغير الضيّق ستخرج في الجهة الأخرى من البلدة. يذهب إليها الناس كي يختصروا الطريق، أو كي يزطلوا، أو كي يغدروا بأحدٍ… أو – وفي الأمر مُخاطرة- حتى ينيكوا خلف خرابةٍ ما.

في الصباح خرجتُ للقيام ببعض المشتريات اللازمة للمطبخ والدار. رغاية عندها سوق مليح. ليست عندي رغبة في تسجيل أي شيء. بعد دورة خفيفة في السوق، اشتريتُ فيها زوج كيلو مندرين وربع كيلو زيتون أسود وعُلبة جُبن كاممبير تاسيلي، وقفتُ أنتظر مع النّاس الحافلة الصغيرة التي ستعيدني من حيث أتيت، وقبل أن تأتي الحافلة أتلّقى اتصالًا من زكي، الذي لم أرَه منذ عام، بعد أن ترك الجزائر وصار يعيش في وهران.
– صحّة مولاي. دائمًا ما يبدأ جُمله بكلمة مولاي، لا أدري من أين جاء بها، ربما من بلاتو تصوير مسلسل تاريخي ما.
– صحّة عمّو، واش راك؟
– لاباس، لاباس، هذي غيبة، وينك؟
– رغاية!
– وين ف رغاية؟
– علاش؟ رغاية رغاية!
– راني ف رغاية أنا تان!
لم أكن أنتظر إجابة مماثلة. قلت:
– رغاية؟ علاش؟ كيفاش؟
– أرواح من بعد ساهل. راني كيما القهوة اللّي كنّا نقعدو فيها. تصيبني في كليو زرقا.
أنظرُ إلى ساعة يدي: ١٠:٣٠. أتعجّبُ من الاتصال المفاجئ. أنظرُ إلى الأكياس الخفيفة في يدي، ثم أتحرّك. عندما أصل إلى القهوة، التي تقعُ في ساحة البلدة، أجد سيارة كليو قديمة زرقاء، سنة ٩٧، مركونة على حافة الساحة. يخرج زكي عندما يراني في المرآة العاكسة. شعره طويل وهائش، وجهه غزَتهُ لحية غير كثيفة، يضعُ نظّارات شمسٍ مُستديرة كالعادة. كتلة شعر كبيرة ضاحكة. يلبسُ تي شيرت أزرق عليه غرافيتي أبيض لصورة بروس لي. قامته متوسطة وكتفاه عريضان. نتعانقُ بودٍ كبير، ثم أنتبه أنّ هنالك أشخاصًا في السيارة.
امرأتان. وَحدَة راكبة من قُدّام والثانية من الخلف.
– ليلى… آن… يقول لي.
ليلى من الأمام وآن من الخلف. ليلى سمراء بشعر أسود، لا أتبّينُ وجهها الذي اختفى خلف نظاراتٍ شمسية سوداء كبيرة. أمّا آن فتملكُ وجهًا صغيرًا، بفمٍ صغير وأنف صغير وعيون مُلوّنة صغيرة، وجهٌ يُشبه وجوه القطط. لاحقُا سأرى نقاط نمشٍ عديدة تتناثرُ تحت جفنَيها وفوق أنفها.
– مون آمي يحيى ! يقول زكي وهو يدعوني لركوب السيارة.
أمدُّ يدي وأصافحهما عبر الباب والنافذة، ثم أركب جنب آن. نتبادلُ السلامات والأسئلة الاعتيادية، ثم يقول زكي أنَّ آن فرنسية، ويسألني ماذا أفعل اليوم، أجيبه بأني لا أملك برنامجًا، ما عدا الطبخ ومشاهدة فيلم. تُراقبني آن مبتسمةً. تلبسُ قميصًا أزرقَ واسعًا وسروال جينز قديم. أكمام القميص مثنِية وتكشفُ عن بياضِ ذراعيها الطويلتين، وعليهما زغبٌ أشقر خفيف. ألاحظُ معصمها، رقيقٌ جدًا، ثم أصابع يدها، رقيقةٌ أيضًا وطويلة. أظافرها نظيفةٌ ومقصوصة.
لا أفهم سبب مجيئي، أُخمِّنُ أن زكي يعمل مع الفتاتين على مشروعٍ ما. لكن لا أثرَ لمُعدّات الصوت في السيارة، أقول ربما وضعها داخل الصندوق في الخلف. يتفقّدُ زكي تلفونه ثم يخبرني بسبب اتّصاله بي. يستدير وقد نزَعَ نظّاراته وبدَتْ عيناه المرهقتان دائمًا. آن مُصوّرة فرنسية، زارت الجزائر قبل عشر سنوات، خلال ربيع ٢٠٠٣، وعاشت زلزال بومرداس وصوّرته. تنقّلت مع أصدقاء لها بين رغاية وبومرداس وصوّرت كل البنايات التي تصدّعت وانهارت. الأطلال وأهرامات الرُكام، كل هذه الأشياء. وعادت في بداية السنة الجارية، كي تُصوّر نفس الأماكن بعد عشر سنوات. أسأل عن سبب اهتمامها بهذا، تقول أنّها تعلّقت بقصص أصدقائها في الجزائر، أسألُ أكثر وألحُّ في السؤال فتقول أن أصدقاء آخرين في المركز الثقافي الفرنسي – ومن بينهم ليلى – عرضوا عليها فكرة معرض صورٍ عن الزلزال.
– آها… أجيبها، فيما تُحافظُ هي على ابتسامتها الهادئة.
يقول زكي أنّه يريدني في عملٍ صغير، هو يعمل فيكسور مع آن وليلى منذ أسبوع، على زيارة بعض الناس وتسجيل قصصهم حول الزلزال، لأنّ آن تريد إنتاج شريطٍ صوتي حول الرحلة وفترة التصوير. يُخبرني أنهم زاروا أماكن في بومرداس أعادت الدولة إعمارها. ولكنّهم يريدونني أن أدلّهم للوصول إلى شاطئ كنت قد أخبرتُ زكي عنه منذ سنوات، رمَت فيه ولاية بومرداس كل رُكام وأطلال البنايات التي تهدّمت.
– Tu te souviens? 1
يسألني زكي، ثم يُضيف مولاي. فأهزُّ رأسي.
– super!
تُطلقُ ليلى مثل طفلة صغيرة فَرِحةً بجلوسها على المقعد الأمامي. أفكّر قليلًا قبل أن تُقاطع ليلى تفكيري مُردّدة أنّهم سيدفعون يومي ولن يُضيّعوا وقتي. أبتسمُ لها، ثم أقول لآن أنّها يُمكن أن تُصوّرَ هنا إذا أرادت، تقول أنّها لم تفهم.
– cette placette devant nous, elle a été construite sur le terrain de deux grands immeubles effondrés dans le dernier séisme. 2
أقول لها.
تعمُّ حالةٌ من الدهشة في السيارة، أشعرُ بسخافة الموقف، يقول زكي أنّ هذا غاب عن باله فعلًا. وفي لمحِ البصر تحملُ آن كاميرتها وتهمُّ بالخروج من السيارة، لكن زكي يطلبُ منّها الانتظار قائلًا أنّ هنالك مركز شرطة على بُعد خمسين مترًا.
– je vais faire un tour, et essaie de prendre des photos avec la fenêtre mi ouverte. 3
يقول لها وهو يُشغّل المحرك ويراقب الطريق عبر المرآة العاكسة. تفتحُ آن نافذتها حتى النصف، ثم تنظر نحوي بامتنان. أريد أن أخبرهم أني أرغبُ في الذهاب إلى الدار كي أطبخ وأشاهد فيلمًا وأنام. يدخل صوت الشارع من النافذة، الأشجار التي تُحرّكها الريح وأصوات المحلّات القريبة. ينطلقُ زكي مُنسابًا بين سيارتين ويبدأُ دورته البطيئة حول الساحة.

قبل عشر سنوات، لم تكن هنالك حركة سيارات تُذكر في المنطقة كلها. ورغم هذا إلا أنّ الحواجز الأمنية كانت قد تركّزت في مخارج البلدة. قبل أن يسافر كريم إلى فرنسا ويتباعد طريقي مع مراد. كُنا نلتقي في الشارع الأول على اليسار عندما تنزل من محطة القطار، قبل البوسطة. كنا نُسمّيه طريق التِنِسْ، لأن ملعب تنس صغير يقع في منتصفه. لا يُمكنك أن توقف سيارتك هناك خلال النهار. ستُعطِّل السير وتجلب انتباه العشرات الذين ينتظرون دورهم لدخول البوسطة، ثم تأتي الشرطة وتأخذ سيارتك. لكن في الليل، بدءًا من صلاة العشاء، لا أحد يمرّ من هناك.
كنّا في سنتنا الجامعية الأولى وقتها. ينتظرنا مراد في سيارته. ونذهب إلى حسين داي حيث كُنا نشتري الزطلة ونعود بها، كل ليلة، عابرين الحواجز.
الثامنة مساءً بتوقيت الشتاء، أركب من الأمام في الماتيز الصفراء، وكالعادة عند نهاية الشارع، حيث ينتهي ملعب التِنس ويبدأ مقر شركات طحكوت، أقرأ اللافتة البيضاء التي تُشير إلى اليمين:
الجزائر ٣٣ كلم
كنتُ أشعر بفرحة خفيّة تجعلني أبتسم.
لم يدُم الأمر طويلًا، تفرّقنا بعد السنوات الثلاث الأولى. هاجر كريم وسحبتنا الحياة – مراد وأنا – كل في طريق مختلف، وبقيتُ وحدي أركب القطار وأتسكّع هنا وهناك، باحثًا عن شيءٍ أشغفُ به. حتى اصطدمتُ في زكي ذات يوم. كنتُ أجلسُ في مقهى لا يحمل اسمًا بالقرب من شارع فيكتور هيغو، عندما جلس إلى طاولتي وفتح معي حديثًا حول الموسيقى، ثم طلب بِلُطف إذا كنت أقبل تسجيل صوتي، وأخرجَ عندها آلة الـ ZOOM، كنت أول مرّة أرى شيئًا مماثلًا.
– واش تدير بصوتي؟ سألته متردّدًا بين الشك والاهتمام.
– والو… نحب نسجّل الصوت تاع النّاس. قال بصدق.
كان ذلك أول درس، لا تخدع أحدًا، لا تُسجله خِفيةً ولا تصورّه وهو غافل. واجه النّاس واحكي معاهم وابني معاهم كونتاكت، من بعد اطلب الإذن أو تصرّف وحدك إذا ارتاحوا لك. تمامًا مثلما تُقبِّلُ امرأة، لا تسرق القُبلة، اخلق الكونتاكت ثم تصرّف بتلقائية.
ومن يومها انتقلتُ إلى الجهة الثانية، صرتُ الرجل الذي يضغط على زر التسجيل ويحرص على ألّا يُصدر أدنى صوت حتى لا يُشوّش على الذي يتكلّم. علّمني في يومين كيف أستعمل المُسجّل، وكيف أحمل الميكروفون وأساعده في بلاطُوّات التصوير على التِقاط الصوت. قال أنّي طويل، عريض الكتفين، وأصلحُ للعمل. استعملَ كلمة carrure  والتي بدَت لي قريبة من كلمة carrière وشعرت أنّ الـ carrure يُمكن أن تقود للـ carrière. صِرنا لا نفترق من يومها، أسيرُ أنا حاملًا الميكروفونات وهو يتبعني ويُوجّه حركتي:
– يمينك… شَمَالك… قُدّامك… وْرَاك… عندك! احبس! روح!
ومع الأيام تعلّمتُ كيف أساعده في المونتاج، ثم صار يُرسلني وحدي لأعمل على التقاط الصوت في بلاتو تصوير إشهار أو فيلم قصير. نسيتُ ما درسته في الجامعة، والتحقتُ بدوراتٍ تكوينية في الصوت. صرتُ أعمل وحدي أغلب الوقت، زكي لم يعُد حاضرًا في المجال كما في السابق، ثم انتقلَ للعيش في وهران قائلًا إن العيش في العاصمة صار مُمّلًا وثقيلًا بالنسبة له. لكننا حافظنا على علاقة متينة رغم المسافة.
بعد سنَتَين من أول لقاء بزكي اصطدمتُ بسامية. سمراء طويلة، وجهها صغير، كل شيء في ملامحها صغير، الأنف أيضًا، صغيرٌ يمتدُّ نحو الأعلى، النّيف في رياض الوجنة عسّاس، كما تقول قصيدةٌ قديمة. تُدرّسُ الإنجليزية في مدارس خاصة وتُحاول التسجيل في قسم الدكتوراه ولا تُريد العودة لتيارت، مدينتها التي تركتها بعد الباك. خرجنا ودخلنا مع بعض. ذهبنا إلى وهران كي نحضر حفلة أقامها زكي، وفي آخر السهرة كانت ترقص على ريميكس أغنية راي قديمة تقول:
وأنا بحر عليّا وأنتِ لا… زيد يا الكاويني زيد
التفاح طايب وأنا قالوا لي خضر… زيد يا الحارقني زيد
بَحَثَتْ عنّي بعينيها، وعندما التقتْ نظرتانا وضحِكت لي، عرفت أنّها هي. تزوّجنا بعد مدّة قصيرة.
جرّبنا حظنا في العيش قريبًا من وسط الجزائر، حيث تعملُ هي وحيث أرى أنا أصحابي وأسترجع مالي من شركات الإنتاج المُستقرّة هناك. صمدنا عامًا، ثم تراجعنا. وجدنا شقة أرخص سعرًا. عُدت إلى الضاحية، التي تُشبهني. تراجعنا إلى حدود العاصمة. إلى رغاية، آخر حصن شرقي للمدينة.
عشرُ سنوات كاملة مرّت منذ الزلزال، منذ أن كانت الطرقات نحو وسط العاصمة خالية ومنذ تحرّكتْ حياتي خارج رغاية ثم عادت إليها، وبين التاريخين لم يتغيّر شيءٌ سوى أنّي خرجت وحيدًا وعُدت أحملُ مسجّل ZOOM وعندي امرأة.
حتى مراد وكريم صارا من الماضي البعيد، كريم لم أره منذ أن سافر وآخر مرّة التقيتُ فيها مراد، كانت عندما زُرته في السيبار كافي الذي يُديره برويبة. قال لي إنّه يعمل هناك منذ سنوات، تزوّج واشترى سيارة وتخلّص من أوهام تغيير المهنة والعيش في مكان وظروف أفضل. مراد أسمرٌ بجسدِ عدّاء، وضحكتُه جميلة، لا يتكلّم كثيرًا ولكنّه يلاحظ كل شيء من تحت الكاسكيت الذي لا يُفارق رأسه. كان السيبار كافي خاليًا في الصباح إلا من ثلاثة أو أربعة زبائن. البشرُ لا يملكون سُلطة على صباحاتهم، المدرسة والعمل يقتلان كل شيء. تحدّثنا قليلًا عن كريم، قال إنّه فقد أثره أيضًا. ثم قال لي، كأنّه يُكملُ حديثًا قديمًا بيننا:
– راك تشوف الطفُل هذاك… قال وأشار بيده إلى شابٍ يلبس سترة حمراء ويجلس في آخر المحل.
– إيه… واش بيه؟
– كي يجي خارج نقولك واش بيه…
كان الشاب يُشاهد شيئًا على شاشة حاسوبه، ويسنِدُ رأسه على يده، كان يجلسُ في آخر كومبيوتر، تقريبًا في الجزء المظلم من المحل، وقال لي مراد إنه يأتي كل يوم. حاولت تخيّل ما تعرضه شاشة الكومبيوتر، بورنو؟ مواقع جهادية؟ عندما قام الشاب، طلب مني مراد أن ألاحظ عينيه. كانت حمراء قليلًا. لم ينطق حرفًا، وضع المال على الكونتوار وخرج.
– ها؟ قلت لمراد.
– يجي كل يوم، يقعد ساعة وهو يبكي وراسه هابط، تعرف واش يشوف؟ الماتش تاع دزاير مع مصر في ٢٠٠٩. ثم أضاف ساخرًا: ملحمة أم درمان بالتعليق تاع حفيظ دراجي.
عندما عُدت إلى الشقة يومها، فتحت يوتيوب وشغَّلتُ نفس المباراة. أتذكّر عندما شاهدتها على المباشر. شاهدتُ خمس دقائق لكني لم أشعر بشيء، أردتُ أن أبكي بسهولة مثل ذلك الشاب. كنت وحدي في الشقة. لكن لم يحدث شيء.

لم أكن جيّدًا في الرياضيات عمومًا، لكنّ أمي حرِصت على أن أحفظ جدول الضرب، ومنذ ذلك اليوم لم أنسه. لذلك عندما عجزَ زكي وليلى عن حساب بعض النفقات وتحويلها من الدينار إلى الأورو، ونحن على الطريق إلى بومرداس، أعطيتهما الحاصِلَ قبل أن تفتح ليلى الآلة الحاسبة في تلفونها.
الخروج من رغاية والذهاب إلى بومرداس هو سباحةٌ ضدّ التيار، فالطريق سالك ولا حواجز فيه قبل مدخل بومرداس، وهو حاجز لا يُعطّل للجدارمية. بقيّةُ الطريق مفتوح عكس نقيضه الذاهب إلى وسط العاصمة، حيثُ يصل الواحدُ إلى حدود العاصمة الشرقية – رغاية – ليجدَ حاجزًا ضخمًا.
اليوم جميل، واتّفقتُ مع ليلى وزكي على أجرة يومي. سأعمل فيكسور أيضًا وأقودهم إلى شاطئ روشي بوري 4. لم أعمل مع زكي منذ مدة، خمس أو أربع سنوات. وها أنا أتبعهُ ببساطة، كما فعلتُ منذ أول يوم. شعورٌ جميل أن تسير السيارة دون أن تتوقّف أو تنتظر في سلسلة طويلة للمرور أمام عساكر وجدارمية حذرين. وصلنا بومرداس مع منتصف النهار.
تنظر آن عبر النافذة، الكاميرا مرتاحةٌ فوق حجرها، زكي صامت يركّز في السياقة وليلى تقوم بشيء على تلفونها. بومرداس مدينةٌ مفتوحة، طرقاتها وأرصفتها واسعة، وكل شوارعها تنحدرُ نحو البحر. سرنا عبر حواجز الشرطة الصغيرة. اجتزنا المقاهي الجميلة التي تملك حدائق صغيرة يحتلّها الطلبة، بنات وأولاد. عبرنا بجانب محطة القطار ووسط الأحياء التي شهِدت الزلزال وصمدت أمامه. علّقتْ آن على بعض الأماكن عند مرورنا بها، كانت قد جاءت وصوّرت من السيارة، بسبب عدم قبول طلب التصوير من قبل الولاية. اقترحَ زكي أن نتوقّف ونشتري ماءً وشيئًا نأكله.
اخترنا محلًا سوريًا، لأنّ آن نباتية واقترحَ زكي المكان كي نشتري لها سندويتشات فلافل. بعد التفكير في الأمر لثوانٍ اشتريتُ فلافل أنا أيضًا. نزلتُ مع زكي، تحدّثنا قليلًا، شرحَ لي الفكرة والمشروع من وجهة نظره. وجدتُ أنّها نفس الحكاية كل مرّة مع المركز الثقافي الفرنسي، قادرين يجيبوا أي شخص أبيض يعمل أي شيء عن الجزائر، يضع زوج كلمات أو زوج صُوَر ويَصنع معرضا فنّيا. قال لي زكي أنّ آن ناس مْلاح، وكذلك ليلى – وعيبها الوحيد وهو أنّها تقدّم نفسها كخبيرة في كل ما يخص الجزائر رغم أنّها لم تبدأ بزيارة الجزائر سوى منذ أربع سنوات.
يعجبني زكي كيف يعطي رأيه في النّاس، دون نميمة أو تهاون، بحيادِية ودِقّة المِشرَط، يقول لك إنّ الشخص الفلاني ناس ملاح وإنه يخدم معاه ويكري له جزء من جُهده العضلي والتقنية التي يُحسن استعمالها، لكنّه يختلف مع طرحه لموضوع أو فكرة مُعيّنة. باختصار، زكي يكري يدّيه ما يكريش مُخّه.
عُدنا بالأكل والماء إلى السيارة، وانطلقنا شرقًا نحو شاطئ روشي بوري.

بقيتُ صامتًا طيلة الطريق إلى الشاطئ. كان يومًا ربيعيًا في ديسمبر. النافذة مفتوحة، تدخلُ أشعةُ شمسٍ دافئة، وهواءٌ مُنعِشٌ يُلامِسُ وجهي وشعري. أشعرُ أنّني داخل صوت النهر الكبير الذي أتخيّله في الليل، أكادُ أسمعُ صوت الماء يجري ونحنُ وسطه وفوقه وتحته.
يومٌ رائعٌ ونحن هاربون من المدينة وذاهبون إلى البحر. العمل جاء في وقته، رغم أنّي لا أحب فكرة العمل كفيكسور. في بعض المرّات هنالك مخاطرة كبيرة. أعرف صديقًا، عمل فيكسور مع صحفي أمريكي من Vice جاء الجزائر كي يكتبَ تحقيقًا حول ماركة جديدة من الأقراص المهدّئة اسمها ليريكا ويسمّيها النّاس في الشارع الصاروخ. الصحفي لم يقُم بشيء، كان جالسًا في الفندق وينتظر فقط. كذّابون كلهم، يوهِمون رؤساء عملهم والنّاس في بلدانهم أنّهم يتوغّلون في مُدن العالم الثالث. المهم، جاء إلى الجزائر وعمل مع صديقي الذي وجد نفسه هو من يُدبِّر له المواعيد مع المتعاطين والمروّجين، ووصل به الأمر إلى أن اشترى له عددًا من الحبوب. في الأسبوع الأخير تمّ تفتيش صديقي في المترو صدفة ووجدوا عنده مِشْطًا من الحبوب. راح للحبس. الصحفي جمع أشياءه وعاد إلى بلده وكتب تحقيقا طويلا عريضا عن الشباب الضائع في الجزائر وختم المقال بزوج كلمات عن صديقي المحبوس.
بعد الشواطئ ومراكز الاستجمام التي يملكها الجيش، في المخرج الشرقي لبومرداس، هنالك طريق غير مُعبّد على اليسار، يمتدّ في انحناءات تُحيط بها نبتات الصبار والقصب، وينتهي في موقف سيارات ترابي مُرتَجْل يُطل على الشاطئ.
الشاطئ مهجور، الصخرة العفنة في مكانها، وعلى الربوة المقابلة تمتَدّ أطلال الزلزال التي تخلّصت الولاية منها قبل أزيد من عشر سنوات في هذا الشاطئ. نزلنا في الطريق الترابي الضيّق نحو الشاطئ. الماء هائجٌ قليلًا أزرق، تركتُ الجاكيت في السيارة وتقدّمتُ مع آن التي وضعت قُبّعةً على رأسها. شرحتُ لها في كلمتين حكاية الأطلال التي كنت سمعتها من أصحابٍ لي. كانت كُتلُ الإسمنت والآجر لا تزال تحتفظُ بشيءٍ من الطلاء الخارجي والداخلي للمساكن، أبيض وأزرق خاصةً، رغم سنوات من الرطوبة والشمس والمطر. تسمعُ مني في هدوء ثم تتقدّمُ، يتبعها زكي، نحو الجُرف المنحدر من تحت الأطلال وهي تُعدّلُ شيئًا في كاميرتها. أنزعُ حذائي وأمشي نحو الماء.

في الظهيرة تتصّلُ بي سامية، أجلسُ على الشاطئ وأتشاركُ الأكل مع زكي وآن وليلى. تُخبرني أنّها ستقضي الليلة عند صاحبتها سناء. هناك مظاهرةٌ أغلقت الطريق هذا الصباح، وغدًا عليها الالتحاق باكرًا بأقسام الامتحانات ولا تُريد المجازفة ولا الاستيقاظ مع الفجر كي تجد الطريق سالِكًا. أسمعها دون أن أنطق، أنفصلُ عن الجماعة ويدوم صمتي وأنا أفكّر في المجازفات التي علينا القيام بها عندما نعيش خارج سور المدينة.
– راك تسمع؟
– سمعتك…
– واه… الطريق مبَلْعَة.
– أنا راني خدّام اليوم، بانتْ لي خدمة مع زكي.
– زكي! تقول متعجّبة. وين؟
– فيكسور… بومرداس… من بعد نحكي لك.
– أوكي… بيزو
أنهي الاتصال وأستدير فأجدُ أنّي ابتعدتُ عنهم حوالي عشرين مترًا، أنظر لزكي يتكئ على ذراعه اليُسرى وهو ينظر إلى البحر، آن تأكل وليلى تحكي شيئًا وتُمسك تُفاحة في يدها، الأكل بينهم على حصيرة زرقاء، والبحر في الخلفية مثل امتدادٍ لا نهائي لتلك الحصيرة. أنظر إليهم ولا يصلني صوتهم بسبب صوت البحر والريح. كأنّهم لوحةٌ أو مشهدٌ في فيلم. أفكّر في أول النصائح والمعلومات التي أخبرني بها زكي عندما بدأتُ العمل معه منذ سنوات:
– صعيب باش تحكمْ صوت البحر.
لم أفهَم في البداية، وحاولت تسجيل صوت البحر، لكنّي فشلت، كُنتُ أسمعه واضحًا حين أسجّل ثم لا أجدهُ عندما أستمع للتسجيل؛ قلتُ لزكي أنّه يختلط بالرّيح، فقال لي أنّي أحاول تسجيل صوت الموجة وليس البحر ولذلك أفشل.
كنا وقتها نُصوِّرُ فيلمًا بالقرب من شاطئ في بجاية، وفي المقهى المُطلّ على الشاطئ كانت هنالك قواقعُ كبيرة للزينة، أخذَ زكي واحدة كبيرة ووضعها على أذني وقال:
– واش راك تسمع؟
سمعتُ صوت شيءٍ قادمٍ من بعيد، كأنّه صوتُ انهيارٍ ثلجي أو صوت تشكّل موجة كبيرة أو حتى صوت الزلزال كما سمعته سنة ٢٠٠٣. قال لي زكي إنّ هذا ما يجب التقاطُه. صوت تشكّل الموجة، صوتُ قدومها، صوتُ التيّار وحركة البحر.
تراجعتُ خُطوتين، والتقطتُ صورةً للغداء على الشاطئ.

– كوكِياج…
تُردّد ليلى هذه الكلمة وتدور رافعةً ثوبها الغجري حتى لا تجرّه على الرمل. تبحثُ عن الكوكِياج، القواقع، قواقعٌ كبيرة، كي تصنعَ منها منفضة سجائر. قالت أنّ هذا هو شُغلها الشاغل في الأشهر الأخيرة، صناعة منافض السجائر من أي شيء. واليوم قرّرتْ أنّها ستصنعها من القواقع.
آن تتحدّث مع زكي بخصوص الأطلال. ذهبا شرقًا وغربًا، صعدا حتى الأطلال، وراقبَا ضوء الشمس وحركة السحب بَحْثًا عن ضوءٍ مُناسب. أخَذَتْ آن صُورًا من عدّة زوايا. بدأتُ أشعر بالملل، الساعة تجاوزت الرابعة. جمعتُ الفضلات في كيس بلاستيكي، قدّمتُ شروحًا وطرحتُ أسئلة. سألتني آن إذا ما كُنتُ أريد أن أقول شيئًا عن الزلزال، تجربتي مع الزلزال في ٢٠٠٣. أجبتُ: لا، ليس عندي ما أحكيه بهذا الخصوص.
تقدّمت منها ليلى لتُشاهد الصور ورأيت زكي يذهب إلى السيارة، يُخرج شيئًا من الصندوق الخلفي ثم يسير في خطٍ مُستقيم نحو الماء، كان يحمل المسجّل، يستعمل زكي ZOOM h5، عنده أكثر من جيلٍ من هذه الماركة لكنّه يفضّل h5 أسودٌ وصغير في حجم راحة اليد. يُركّب عليه السماعات، يقفُ حيث يموتُ زبدُ الأمواج، ينحني قليلًا نحو الأمام ويمدُّ يده بحذرٍ نحو البحر، كأنّ البحر حيوانٌ سيُطعمه أو يمسح على رأسه، حيوانٌ ضخمٌ لا تسعه العين ويبتلع الأفق. يضعُ زكي يده الأخرى على السمّاعات حول رأسه وينتظر. رأيته في هذا الوضع مئات المرّات، كلّما وجد نفسه أمام البحر، يُخرج المُسجّل ويُجرّبُ حظه، يحاول الإمساك بصوت البحر.

عُدنا إلى السيارة، وتحضّرنا للعودة. كان الجو قد تغيّر، اختفت الشمس تدريجيًا وبدأ البرد والرذاذ. سألته إذا ما كان قد أمسكه، فردّد مُبتسمًا نفس المثل الذي يقول أنّ جدّته كانت تستعمله:
– ربي يقول اسعى يا عبدي وأنا نعاونك… من بعد نشوفو.
سرنا عبر بومرداس، لم نتعطّل كثيرًا، ثم دخلنا الطريق السريع، بعد بضع كيلومترات وجدنا حادث سير، وتوقّفنا لمدة أربعين دقيقة.
الملل والمطر أغرقا الطريق والسيارات، تحدّثنا في كل شيء، تخيّلتُ آن تقوم بمشروع تصوير حول انسداد الطرقات في الجزائر. بدأت السماء تُظلم، النهار قصير، وسمعنا في الراديو أنّ هنالك مظاهرة في مكان ما بين بومرداس والجزائر. مظاهرة إضافية ستجعل كل أفواج الجدارمية يخرجون إلى الطريق. أخرجت حبّات مندرين من الكيس ووزّعتها عليهم. ليلى كانت تركب بجنبي مشغولة بكتابة إيميلات على تلفونها الذي ربطته بشاحن السيارة. نظرت نحوي وسألتني بُلطفٍ مُصطنع إذا ما كُنت لا أمانع تقشير المندرين لها:
– نحبها بصّح ما نحبش نقشّر. قالت بلهجة عرب باريس.
قشّرتُ لها المندرين، فأخذتها فرحةً ثم منحتني قوقعتان كبيرتان كهدية فوضعتهما في جيبي.
وصلنا إلى رغاية قُرابة الساعة السابعة ليلًا، تعطّلنا مرّة أخرى في الحاجز الأمني الشهير للبلدة، في حدود العاصمة، لكن هذه المرّة اقترحت طريقًا مُختصرًا. زكي لا يعرف هذه الطرقات، شرق العاصمة، وكنت أقوده طيلة النهار، وكُنتُ أردُّ له – بشكلٍ ما – جزءًا صغيرًا من دَيْنِنَا القديم، عندما أرشدني قبل سنوات في خطواتي الأولى في أماكن التصوير أولًا (والحياةِ ثانيًا)، وهو يُردّد عبارته الأثيرة يمينيك… شَمَالْك… ردّدتها اليوم من دون تكلّف عبر الشوارع الضيّقة والمزدحمة للضاحية الشرقية، واقترحتُ أن نذهب إلى الشقة. نبقى حتى تصير الطريق سالِكة ثم يُكملُ زكي معهما إلى وسط الجزائر. قلتُ إنّهم سيدخلون رغاية كي يُنزلوني على كل حال. يُمكنهم استعمال الحمّام وأكل شيء والحصول على استراحة قصيرة. وافقَ الجميع، تجاوزنا الحاجز ودخلنا رغاية عبر المدخل الثاني، مدخل المنطقة الصناعية، وبعد دقيقتين ركَن زكي سيارته تحت نافذتي.

الظلام. الكهرباء مقطوعة. فتحتُ الباب تحت أضواء تلفوناتهم، أرشدتهم للصالون الصغير عندما دخلنا. توزّعوا على الأريكتين ودخلتُ أنا المطبخ لأضع الأكياس أبحث عن الشمع، وجدتُ شمعتان ثم تذكّرتُ الشمع المُلوّن الذي تُزيّنُ به سامية الطاولات الصغيرة في الصالون.
أشعلتُ الشمعتين، تركتُ واحدة في المطبخ وأخذتُ الثانية للصالون، ثم طلبتُ من زكي أن يُشعلُ بقيّة الشموع. أخذَ علبة الكبريت من يدي وبدأ يُشعُل الشمع وهو يُدندِن:
شمعة وحدة ما تقسَّرْ… ستة سبعة يصبّحوا
آن وليلى صامتتان. أرشدتُ الجميع لمكان التواليت ثم عُدت إلى المطبخ. عندي سلطة خُضر أخرجتها من الثلاجة وأفرغتُ فيها عُلبة تونة ثم وضعتُ كلًا من الزيتون والكاممبير في صحنين صغيرين، وأشعلتُ كانون الفُرن لأشوي باذنجانة كبيرة. أسهل فكرةٍ لتصبير الجوع مع التدخين أو الشرب. وصلني تراقُص لهب الشموع في الصالون مثل انعكاس لحريقٍ بعيد. في غضون دقائق كانت جاهزة، نزعتُ عنها قشرتها، طحنتها في صحنٍ مُستعينًا بالشوكة ثم أضفتُ القليل من كريمةِ الثوم وثلاث ملاعق كبيرة من زيت الزيتون. دخلتْ ليلى المطبخ وسألتني إذا ما كنتُ أريد مساعدةً في شيء، قُلتُ أنّ كل شيء حاضر. حملتْ معي أطباق الكَمْياتْ إلى الصالون. زكي كان قد بدأ في تدوير سجائره، ظننتُ أنّه يُدخّن تبغًا عاديًا، لم أنتبه، ثم وصلتني الرائحة.
مسحنا الأطباق الصغيرة وقشّرنا ما تبقى من مندرين، ثم شربنا ماءً كثيرًا وتراجعنا في جلستنا. أشعلَ زكي سيجارتين أعطى الأولى لآن، وتبادلتُ مع ليلى الثانية. أخرجتُ قوقعةً من جيبي ووضعتها أمام آن وزكي، واحتفظتُ بالثانية في يدي. مع النفسِ الثاني شعرتُ بأنّ أشياءَ بدأتْ تنفتِحُ أسفلَ رأسي. كانت شموع سامية قصيرةً وتشتعلُ داخل كؤوس زجاجية ملوّنة، وواصلت أضواؤها الصغيرة الشاحبة التراقص على حيطان الصالون.
بعد نصف ساعة كُنتُ قد ركبت.

بقينا ساكتين. زكي وحده من كان يلفُّ السجائر ويُوزّعها على آن وليلى، قبل أن تضع هذه الأخيرة رأسها على ساقي وتتمدّد على الأريكة. صِرْتُ أستلمُ السيجارة وأمرّرُها لها. حدث الأمر بسلاسة. وضعتُ أصابعي في شعرها وخبّلتُه بين أصابعي. كان بعض الرمل عالقًا بشعرها، لكنه كان ناعمًا وطويلًا مثل الليل. دخّنَا السيجارة الأخيرة دون رغبة في إنهائها. أضواء الشموع الشاحبة بالكاد تصلُ إلى الوجه الذي أراه على بُعد شبرَينِ من وجهي، وجهٌ أسمر دقيقُ الملامح، ثم الأنف! بقيتُ أنظرُ إلى الأنف، أغمضتُ عينيّ وفتحتهما، أنفُ سامية ووجهها. بقيتُ صامتًا، لم أسألها كيف وصلتْ. وضعتُ القوقعة بحذرٍ على بطنها، وقبل أن أرفع يدي أمسكَتها وثبّتتها فوق بطنها وبدأتْ تُمَسِّدُ ظهرها ببطء، ثم امتدّتْ أصابعها إلى العروقِ النافرة على باطِنِ ذراعي. نظرتُ إلى وجهها مرّة أخرى فرأيتُ ليلى تبتسمْ. تراخَتْ جفوني وشعرتُ أنّ قوقعةً كبيرة من فوقنا تنغلقُ.

[1] هل تذكُر؟
[2] الساحة أمامنا بُنيت فوق قطعة أرض كانت تشغلها عمارتان سقطتا في الزلزال.
[3] سأدور بالسيارة وحاولي التقاط صور عبر النافذة نصف المفتوحة.
[4] الصخرة العَفِنَة.