رسائل كارول صنصور 📺: (١) خالد حوراني

ولد خالد حوراني في الخليل العام ١٩٦٥، تولى منصب المدير الفنّي للأكاديميّة الدوليّة للفنون– فلسطين (٢٠٠٧- ٢٠١٠)، وتولى فيما بعد إدارتها (٢٠١٠- ٢٠١٣)، وقبل ذلك كان المدير العام لدائرة الفنون الجميلة في وزارة الثقافة الفلسطينيّة (٢٠٠٤-٢٠٠٦).  شارك في العديد من المعارض الفنيّة الدوليّة والمحليّة، كان آخرها معرضاً استعادياً في دارة الفنون في العاصمة الأردنيّة عمّان في العام ٢٠١٧، فيما أُقيم المعرض الاستعادي الأول في كلٍّ من: مدينة غلاسكو في أُسكتلندا في مركز الفنون المعاصرة، وفي مدينة رام الله في “جاليري وان” العام ٢٠١٤.  كما شارك في العام ذاته في معرض كافام (CAFAM) الثاني، الذي ينظمه متحف الأكاديميّة المركزيّة للفنون الجميلة في العاصمة بكّين، ومتحف التايمز في مدينة غوانغزو في الصين، إضافةً إلى مشاركته في معرض “دوكيومنتا” في دورته الثالثة عشرة في مدينة كاسل الألمانيّة ومعهد كونست فركيه للفنّ المعاصر في برلين العام ٢٠١٢، كما شارك في معرض الشارقة العام ٢٠١١. بادر حوراني إلى إطلاق مشروع “بيكاسو في فلسطين” العام ٢٠١١، ونظّم معارض عدة، وكان قَيّماً عليها، وهو ناقد فنّي ومؤسسٌ وعضوٌ فاعلٌ في غيرِ مؤسسةٍ ثقافيّة وفنيّة، وفاز بجائزة “ليونور أنبيرغ” للفنّ والتغيير المجتمعي في مدينة نيويورك

 


أنا أبي وأمه وأبيه

 

لطالما اشتغلت على ثيمة البورتريت أو الصورة الشخصية في أعمال سابقة، وكان كلما تقدم بي العمر ألحظ الشبه بيني وبين والدي وكأنني ألحق به أو ألبس قمبازه، وقد رسمتنا أكثر من مرة بصيغة الرسام يرسم نفسه ممتزجاً بأبيه، أو يلبس زيه ويعيش زمنه.  كلما أقلب الذكريات وصور الماضي، أرى نفسي هناك قبل أن أولد.  في صور العائلة، هناك شيء ما يشدنا ونحن نقلب الألبوم، ليس الحنين إلى الماضي، أو رغبة في تأبيد تلك اللحظات فحسب، وإنما أيضاً، بسبب حضورها الطاغي الآن في زمن تدفق الصور وسهولة التقاطها ونشرها.
لا أعرف سبباً لهوسي بصورته، وكأنني أعيد اكتشافها من جديد، نتداول، نحن أبناءه، عبر “الواتس آب” كل صورة يتم اكتشافها له؛ أبي عبد الفتاح، أو ريحان لقبه الأثير، وربما يفعل غيرنا من الناس ذلك أيضاً، وكأن الصور تكتسب معنى لها عبر الزمن، والزمن وحده يعيد لتلك الصور نصاعتها وتألقها النادر.  نكتشف أن لآبائنا وأمهاتنا وجداتنا عدداً محدوداً من الصور، بينما لأى ولد اليوم، لم يتجاوز العاشرة، فيض كبير من الصور تساوي صور عائلته على مدار ١٠٠ عام وأكثر.
رسمت وكتبت قصصاً كثيرة عن والدي وكأنني أريد أن أقول له ما لم أقله في حضوره، أو أنني أدرك الآن الحياة بطريقة أخرى، وأريده أن يعرف ما حلَّ بي وبأسرته، ليس الملامح فقط التي يتوارثها الأبناء، جيلاً بعد جيل، بل التاريخ والحكايات والظروف أيضاً، وقد عمدت الى النبش في ماضيه على الرغم من أنه لم يكتب مذكرات، ولم يحتفظ بأرشيف.
كان من الطريف أن أجد صورته في كتاب إدوارد سعيد خلف السماء الأخيرة، وهو في دكانه في سوق اللبن، ومعه أختي الصغيرة.  أبي كان صغيراً أيضاً، وكانت صورته غير معرَّفة، وفقط قدمت بشرح قصير “فلسطيني يجلس في دكانه في السوق”. أريد أن أقول الآن إنه ليس فقط فلسطينياً وعربياً، وهو كذلك، إنه عبد الفتاح محمد الحوراني، وأن له سيرته مثل كل الناس التي تستحق أن تروى وتقال، وليس فقط “قريبٌ لا أراه، بعيدٌ أمامي”.
وأنا الفلسطيني ابن اليوم، أرى نفسي في نكبة العام ١٩٤٨، وفي الشتات، وفي هزيمة حرب الأيام الستة، وفي كامب وادي الصرار، وفي المسميّة الصغيرة، وفي سوق اللبن، وأركب حماراً، وأحمل البطيخات إلى البيت كما كان يفعل أبي، أرى نفسي في حياته، وأراه معي فوق سور الصين العظيم حيث لم يذهب هو، لكنني ذهبت مسلحاً بذكراه .. آه من التسليح!