أودرا: زرعة محجوب

Joris Hoefnagel, “Mira Calligraphiae Monumenta”, late 16th century. Source: getty.edu

تشققت حبة فول الآن في غرفة محجوب، كانت داخل علبة حلاوة طحينية بها كُدَاس من قطن مبلول.
يحب محجوب التحديق في البحر يرى البحر يبادله التحديق لائمًا وإن لم يطأه أبدًا. يضبط نفسه أحيانًا متخيلًا أنه توربيد ضربته غواصة، أُطلقٌ في أحد المحيطات ويدور إلى الأبد حول لب الأرض. مازحه أحد أصدقائه مرة سائلًا ولماذا لا تكون طلقة في الهواء، تصحبك الطيور. ابتسم بمرارة وطوّح يده مشيرًا إلى النافذة أو إلى الفراغ الكاذب للهواء ربما. يظن أن أقرب طرقه إلى السكون هي في انغمار أشد وطأة، في الأرض لا في السماء؛ في قبر يحتوي حركته لا على طريق يسحب ظلاله عليه، أو على الأقل فيما بينهما؛ أحيانًا يريد فقط أن يختبر ما بينهما قبل أن يعود خازيًا في الأرض، أن يبحث عن آخر حياة له عليها ربما، أو أن يختبيء مغمورًا إلى الأبد، بلا ناظرين أو رغبة في الظهور. كان يخبرنا إننا أقل حتّى من موتانا، أن نستلقي جميعًا على الشواطيء إلى أن تتحلل ملابسنا ومعها جلودنا؛ أن نختبئ خلف ضجر البحار.
أخبرني مرة إن الكلام يملأ الهواء كلّما تحدث، كل كلمة تخرج منه تستبدل الهواء الذي يستنشقه، تسد عليه الأفق كما الغمام وإن كانت أثقل، تدفسه فى مكانه بالتدريج. لم أخبره حينها إنه يتفتت أمامي كلما اشتد كلامه إلى حبّات رمل وبركة من لعاب القطط. ما كانت دعواه إن كثر كلامه إلا أنه بالكاد تفتيش، تفتيش بداخله كما هو فيمن يخاطبه. كان يختبيء وراء بليك، حين وجده طامسًا لفكرة ما في أشعاره، يكاد يجزم بفهمه لما قصد بضرورة معرفة ما هو أكثر من كافٍ” إن أراد أي معرفة تكفي؛ على الأقل يدرك تمام الإدراك أن ما هو أكثر من كاف لن يجده إلّا في نفسه وإن أبقاها راكدة لن يجدها إلا بركة من السموم؛ أن يأتيه البأس بياتًا أو هو قائل، وهو مدفوس في كلامه وأفكار قيلولته، أو في كوابيسه لا أحلامه. ومع كل هذا لم يرى نفسه أبدًا وقطط الشوارع تجمعه بألسنتها القذرة.
أخبرته مرّة، وقد ظننت أنني أعرف في أي اتجاه يخوض، إنه يحمل فراغًا هو الآخر، إن لا بطولة في الهروب من جسده: من أطرافه ورأسه وما يحملانه، اعترض محجوب وكأنه يقيم دورًا في مشجاة وقال استمع إلى توبيخ الجاهل، وانتصب واقفًا أمامي متممًا اقتباسه وهو يزعق هذا تتويج، ربما لم يعترف محجوب بعد أن كل ما أراده هو دورٌ رئيسي في مسرحية مربكة كل من فيها يصرخ، هلى أن يكون وصوته الأعلى أو أن يستبدل صوت الراوي، الذي لم يتغير منذ عقود، في حفلات الصوت والضوء بالأهرامات. ما كان مني إلّا أن صفّرت له تحيّة وجبر خاطر، لم أملك له نفعًا أقصى من هذا وهو يحسب نفسه آمنا.
william_blake_-_sconfitta_-_frontispiece_to_the_song_of_los

Blake’s frontispiece to “The Song of Los”, 1795. Source: Wikipedia

يظن أن الأمل باق في صنع علبة حلاوة طحينية وقطن مبلول له، وإن فاته أن حبة الفول لم تصنع علبتها وقطنها؛ أن ربه، على عكسه، حين اقتلعه من الأرض لم يبقِه في أي قطن أو ماء. يظن أيضًا أن سقطته الأولى كانت حين صدّق أنه أحب أحدهم حقًا. لا يتذكر تعثّره في رصيف مشاة حين فزع من العربات المسرعة على الطريق، درج عائدًا فجأة ليسقط وينفرط، انفرط فورًا إلى مجموعة من الخيوط وحبات الرمل. التقط من أحبه الخيوط ولم يبق منه إلا حبات الرمل تجمعها قطط الشوارع بلعابها، إلى أن يجد نفسه، كل مرّة، في غرفته يطلب العودة إلى الأرض.
كان يطبخ غداءه أمس، حين اجتمع إلى نفسه بعد انفراطه  كالعادة يقطّع الفرخة وهو بالكاد التأم من لعق القطط، سهوا اعترضت إحدى أصابعه مسار السكين، توقّف لثوان معدودة وتردد في أذنه صوت محمود علي البنا مرتّلًا كما بدأكم تعودون قبل أن يكمل قطع إصبعه، كتم دمه في أحد جيوب بنطاله وأكمل الطبخ. الفرخة وإصبعه، انتقل بهما إلى غرفته وجلس يأكل بهدوء ويده في جيبه. كان يفكّر كيف لا يكتمل وقد التهم إصبعه المبتور، أو لما قرر حورس وهب عينه المقتلعة إلى أبيه أوزوريس بدلًا من أن يستعيدها لنفسه. كان يفكر هل أدرك بليك على فراش موته أن ونموره لم تكمله، أنه لم يكن أبدًا كاملًا أو أنه أضاع فرصته في أن يكون صالحًا حتّى بعد أن التهم ذاته. كان يفكر إذا ما حُكم عليه ألا يكتمل هو الآخر، فقط لأنه لم يهب ما سقط منه لآبائه.
تواترت سيرة الإنسان الكامل على امتداد التاريخ واتخذ دائمًا صورة اتصالٍ مباشر بربّه وإرادته. كانت ناهد العذراء مانحة الحياة وولية المياه. لناهد ابن يُسمَّى مهر، المخلّص وناحر الثيران، وإن كان قد مسح الدهر عليه بعدها وانسلخ إلى ما لا علم لنا بعدته؛ المسيح مُخلص لمن دونه، والمهدي حامل العالم إلى النور بعد الظلمة الأخيرة، والخضر يمرر يد ربه عليهم جميعًا ويقتل الأطفال ويُفسد في المركبات ويقيم الأسوار، يد ربّه وربهم سواء. انقسم الإنسان الكامل في زمن محجوب وتركه حائرًا في سفح جبلٍ تعددت أبوابه، كأنّه أحد ثلاثة رابعهم كلب.
ينظر إلى القطار العابر خارج نافذته على سكّة تتلاشى خلف الضباب على امتداد الأفق، كانت مرفوعة بعواميد خرسانية تقيم قضبانًا من خشب، وأعلاها طيور ضئيلة تبدو له كنقاطٍ تنتهي إليها الحبال الساحبة للقطار، صوتها يتصاعد إليه ويكاد يوقن أنها طيور بودرس الضئيلة وإن كانت منتظمة في طيرانها وهي تجر العربات. لم يكن يعلم أيضًا أن في كل مرة تجمعه القطط تبعثر أو تبتلع بعضًا من رماله، فقط يلاحظ تضاؤلِه الدائم والمستمر منذ أن انفرط أول مرة وهو لا يدري. يتضاءل كما يتضاءل القطار على مرآه والطيور تسحبه نحو الأفق.
وها هو الآن مشغولٌ تمامًا فيما يتوجب عليه فعله لحمل كل ما يحتاجه معه. يُغلق المنافذ في غرفته لأنه دائمًا ما يتخيّل حين يتحدّث أو يفكّر، كتلة ممتلئة تخرج متضخمة من أحدها وتسحقه، بطيئة قَدْر انتظاره الدائم للراحة، وهدوء تخيله ولم يعبره قط كهدوء بذرة الفول التي لم تتصل بالأرض أبدًا ولم يدفعها ذلك للخروج من صندوق الحلاوة الطحينية. يذكر كيف سمع أحدهم مرة، أو ربما قرأها في كتاب نسي اسمه، أن المسافة بين النباتات والحيوانات هي مقدار مسافة الانفصال عن الحاجة، أن النباتات بلا رغبة لأنها في النهاية متصلة كاملة بعالمها وكل ما تحتاجه، بالأرض.
لما خرجت قبيلة طيء من اليمين صادفت جبلين كان قد اقتسمهما زوج من العماليق، فيهما نخيل تلقّحه الجن وكان في تمره خنافس؛ يُروى أن طيء حين أقبلوا على أكل التمر والخنافس طفق بعضهم يقول ويلكم الميت أطيب من الحي. وورد أيضًا أن المجوس آمنوا بالعماليق لا بربهم، أو بالتحديد كان عملاق الحكمة أهورا مازدا حليفهم ضد أهريمان إله الخداع والفوضى. لا يدفن المجوس موتاهم، وإنما يبقونهم على أبراج الصمت حتى تأتي الطيور لتأكلهم.
أخبرنا محجوب مرّة وهو يلتقط حبّة فول، وجدها في غرفته، بأن هذه الحبة هي بقايا أجدادنا وقد انتقلت إلى النعيم الآن، وإنه حنقًا عليهم سيرويها لعل أحد طيور البودرس تأتيه وتبتلعها، لتحملها مرة أخرى إلى الجحيم. لم يعلم أن قطط الشوارع تلتقطه بدورها كل مرة وتعيده إلى الجحيم ذاته.