أحمد الفخراني: عين الهر

حكاية الرجل الذي محا الشر

Salvador Dalí, “Alchemy of the Philosophers”, 1976. Source: phillips.com

بعد إيهام طويل بالدوران والتجدد، وصراعات لم تفض إلى شيء، قلت: سأنزع الشر عن حياتي، الزيف، الغباء، القبح، الجهل، الحماقة، البلادة، الانحطاط.
وضعت قائمة مفصلة بأسماء أشخاص مثلوا لي تلك الشرور، حذفتهم واحدا تلو آخر من الفيسبوك بعد رسائل غاضبة تمنيت فيها بوضوح لا يقبل المورابة أن يكفوا عن الوجود، لأني لم أر منهم سوى الأذى والاستغلال والعتمة.
في الشارع، سلمت الرسالة بنفسي إلى البقال الغشاش، البواب الذي يراقب كل  حركة أفعلها، ولم يتورع عن إثارة فضيحة بشأن فتيات الليل اللواتي أستقبلهن ليضئن وحدتي، لأني لم استسلم لابتزازه بالدفع كي يغض الطرف.
لم أنس ضمن القائمة الصيدلي الذي لا يتورع عن بيع حبوب مخدرة، لكنه بالنفاق الكافي ليسبني عندما طلبت منه حبوبا للإجهاض، بعد أن حملت مني إحداهن. صاحب الكافيه الذي يقدم خدمات رديئة بأسعار مضاعفة، ويكللها بقلة ذوق وجلافة. صاحب كشك السجائر، الذي تركني لعشر دقائق كاملة دون أن يجيب طلبي، ولما ذكرته بضرورة احترام زبائنه، تشاجرنا بالأيدي، مزق قميصي وأهانني. صاحب السايبر، الذي ادعى قدرته على إصلاح حاسوبي، وبعد أن ألحق به ضررا كلفني مالا أكثر لدى محل آخر، سخر من قدم الحاسوب والوسخ الذي يعتليه، فلقنته درسا عن الجودة والاتقان. هكذا انتهيت إلى أن أكف عن التعامل مع أغلب الدوائر القريبة من  شارعي، وصرت مضطرا لقضاء حاجاتي في شوارع بعيدة، وأن أستخدم للعودة إلى منزلي طرقا فرعية معقدة، لكن أكثر أمانا وأقل إزعاجا من الوجوه الكالحة المتربصة.
كتبت رسائل أخرى غاضبة، وجهتها في فضاء الأشباح الصماء على الإنترنت: إلى الزحام، الضجيج، التلوث، كل ممثلي الرداءة والعفن، رياح الخماسين في بدايات الربيع، ويوم الثلاثاء، وطبعا أغسطس لأرضي الذائقة المنحرفة للأشباح.
لكني اصطدمت بالحقيقة، لم يكف شيء واحد من قائمة الشر عن الوجود. لا أحد يملك القدرة على إبادة ما يزعجه، إلا إذا كان إلها أو تخضع لإمرته فرقة اغتيالات أو جيش أو حكومة.
قوة هائلة إذن يتطلبها محو شخص أو شيء.
لكن الكون امتثل لرغبتي، مجبرا، ربما لأني على عكسكم، إرادتي قوية، أو ربما لأن حزني كان عميقا، ورغبتي في الخلاص يقودها الضرورة لا عبث الملل أو الرغبة العاجزة المختبئة في قلب كل واحد منكم: أن تحظوا برفاهية الضغط على أزرار الموت، التي يملكها كل طاغية وإرهابي وطفل ضمن عدة ألعابه. ورغم يقينكم باستحالة تحقيق رغبتكم المكبوتة إلا أنها لا تكف أبدا عن التنامي، وتصر على الإفصاح عن نفسها كطفح، كحقد، كدخان أسود، كوجوه بأنوف متعالية، تتحور إلى أشكال أخلاقية حينا، فتهب أصحابها الزغب البارد لوجوه القديسين، وأحيانا أخرى تتخذ الشكل الأكثر ذكاء وجاذبية، فتتمسك بقوانين الفن وعلم الجمال. لقد عانيت من هؤلاء، فقد كان أملهم البالغ أن أكف عن الوجود، حاولوا بكل جهدهم و بخسة بالغة.
لم يكن ذلك ما يدور عليه الأمر في قلبي. باختصار، كانت رغبتي صادقة، لذا قرر الكون، أو الحظ، أو قانون الجاذبية، أو الطبيعة، أو الصدفة أو الشيطان نفسه أن يحققها.
فذات يوم، استقبلت على بريدي الإلكتروني، رسالة عن منتج يتعهد بـ” حل كل مشكلاتي” تبدأ بعزيزي نوح، حتى أنني ظننت أنها تخصني وحدي، قبل أن يتكشف لي لاحقا أن صاحبها الذي وقع باسم سعيد الهايش، وعرف نفسه كخبير روحي، قد أرسل آلاف الإيميلات العشوائية المماثلة، وأني الوحيد – ربما – الذي استجبت.
كان محتواها هراء غامضا وجذابا في آن عن أحجار للطاقة، التي يمكن أن تصنع منها ”حديقة روحية، قد تنشئها في حجرتك، أو تطويها في جيبك، أو تزرعها داخل نفسك، كبذرة قد تنبت إلى شيء عملاق، تصفي الروح والجسد من خبث الطاقات السلبية، لتتمكن من كشف المستقبل وقراءة الأحلام“.
بعض المنتجات “تضفي الشجاعة على صاحبها، أو تعظمه في أعين الناس، تولف المحبة بينه وبينهم، تهب الفصاحة، الفطنة، الفراسة، الحذق، تنجح في إزالة الحزن، طرد الخوف، توليد الشعور بالأمان، الحماية من الصواعق، الغرق، الطاعون، الحيرة، الذباب! فضلا عن فوائد طبية أخرى كمنع الصداع النصفي، تقوية نظام المناعة، مساعدة مرضى القلب، التهاب المفاصل، النقرس، الكوليسترول، مشاكل الهضم”.
تعاملت  مع الرسالة في البداية دون اكتراث، فقد كنت متشبثا للحظة الأخيرة برجاحة عقلي، في مواجهة الاكتئاب  والهواء العمومي للحماقة الذي يسهل تنفسه بحثا عن عزاءات وهمية (لا أنكر أن قراءتي الأولى لقائمة منتجات الهايش، قد أيقظت في خوفا من شيء نادر الحدوث كالإصابة بالصواعق، والتي كنت أسمع عنها، كمن يسمع قصصا مسلية ساذجة لا تحدث إلا في الأحلام) لذا أغلقت الرسالة باستهانة.
لكني  فكرت أن أرد برسالة ساخرة، أدين بها الخبير الروحي النصاب، فكتبت:
“إن كان من بين أحجارك ما يمحو الناس والأشياء من الوجود، ربما أفكر في الشراء”.
أجابني سريعا:
“عزيزي نوح، حجر عين الهر، هو الحجر المطلوب، يمحو كل ما يغضبك من الحياة”.
أغلقت بريدي الإلكتروني. لكني لم أقو على مقاومة الفضول بعد أن ارتج هاتفي برنين برسالة أخرى، كانت من الهايش:
“عرضي الأول مجاني، كل ما أطلبه هو أن تساهم في ترويجه إن أثبت فعاليته”.
عندما أفكر في أسباب استجابتي لهراء الهايش، أضع قائمة طويلة: الفضول، اليأس، أو أنه لم يعد لدي ما أخسره، لكن في داخلي أعلم أنها أسباب ملفقة لاخفاء خجلي من تفاهة الحقيقة. لقد وافقت ببساطة، لطمعي في شيء مجاني.
بعد أقل من أسبوع، وصلني طرد يحمل قلادة يتوسطها حجر عين الهر، ورسالة صغيرة من الهايش حول طرق الاستعمال: “كل ما عليك أن تفعله، هو النظر إلى الحجر، والتركيز بعمق على صورة الشيء أو الشخص الذي ترغب في محوه، لكن حذارِ، عليك استعماله بحكمة”.
كان حجرا صغيرا مصقولا وصلدا وله هيئة بيضاوية، ذا لون ذهبي يميل للبني. لكنه تحت الضوء يعكس ظلال ألوان عدة، ويشع ببريق حريري، له تأثير عين القط، يلمع بشكل مخيف في الظلام.
ارتديت القلادة لعدة أيام، لم أشعر خلالها بأي تغيير. فخلعتها، وقذفتها في خزانة دولابي، نادما على تورطي في حماقة كهذه.
لكن ذات يوم، داهمتني واحدة من نوبات الصداع النصفي الرهيبة. اكتشفت أن دواء الأميجران قد نفد، وكانت الساعة قد تخطت الثانية عشر مساء، والصيدلية الوحيدة القريبة من منزلي والتي لم تغلق أبوابها إلى الآن، هي التي تركت لصاحبها رسالة تطلب منه أن يكف عن الوجود.
هاتفت صيدلية أخرى بعيدة لإرسال الدواء، لكنها تأخرت جدا. وتحت ضغط اليأس من الصداع الذي يطبق على رأسي. استعدت القلادة من خزانة دولابي، جلست على طرف فراشي، ونظرت طويلا إلى عين الهر اللامعة، والمخيفة. وجاهدت للتركيز على رغبتي في محو الصداع النصفي.
بالفعل، وخلال دقائق معدودات، زال الصداع. لم أصدق بسهولة الشيء الساحر فيما حدث. لكن نوبات الصداع النصفي، الذي يباغتني كل يومين تقريبا، اختفت. لم يبدأ اليقين في التسلل إلي إلا بعد أن مر شهر كامل دون نوبة واحدة.
مُثارا  كطفل، متشككا كعجوز خبر خيبة الأمل، جربت أن أقف مساء أمام الصيدلية. تأملت وجه صاحبها الطافح بالنطاعة، كان له شاربا رماديا رفيعا بدا في عيني كشارب لفأر رأيته من قبل على آلاف الوجوه. حلمت بها في كوابيس مخيفة، كفئران تتحلق حول جسدي وتقرضه بلا رحمة.
أمسكت بالقلادة، وحدقت بتركيز في عين الهر. تلك المرة، كان ضوءه أكثر صفاء وحِدّة، لم أعلم إن كان ينبعث من عيني أم من الحجر. بعد دقائق، اختفت الصيدلية من الوجود، كأنها لم تكن، وبزغ محلها ثقب في الحائط، سرعان ما امتلىء فراغه بأحجار من الطوب الأحمر العاري من الطلاء.
عدت إلى بيتي مبهورا. أخرجت قائمة الشر، وبقلم فلوماستر ذي لون أسود غليظ، شطبت اسم الصيدلي وأضفت المزيد من الأسماء.
قررت أن أبدأ لعبتي بمحو أول اسمين في القائمة: نديم الصبان، وزوجته نورا. نصف شاعر يحيا كطفيلي على لعق قضيب من حوله. دبرا لي فضيحة قاسية، دفعتني إلى العزلة. وكنت أعلم أن ادعاءهما عن تحرشي بنورا، سببه حقدهما على نجاحي وشهرتي كمصور. واجهت حملات لا تتوقف، صرت فيها شيطانا مثبتا كمنصة تصويب للرجم. افتديت بدمي كل شرور العالم، تكالب علي الجميع دون رحمة أو أمل بالغفران. طلبت زوجتي الطلاق، ساهم متحرشون وخائنون وداعرون أعرفهم في إشعال تلك النار. كل من أراد أن يخفي شروره، تسلق جثتي. لم يتوقف لسان واحد بالصمت أو الدفاع، وكفت أغلب الأماكن عن التعامل معي. واجهت الفضيحة بمؤخرة عارية إلى الحائط، فقد أدركت وحدة ظلي، وشبحية وجودي، فلم أتفوه بجملة.
مازلت أعالج من أثر الفضيحة لدى طبيب نفسي، أذهب إليه على سبيل التسلية. ولم أبح له أبدا بأي شيء ذي قيمة، كالكابوس الثقيل الذي يطاردني وخفّت وطأته مع التكرار وصار ممتعا. كنت أحلم أني أقتل نديم وزوجته، انتبهت لنشوتي وأنا أفرم شخصا ما في خلاط ضخم، الرقص ببلدوزر فوق أشلائه، إذابته في حامض ورغم ذلك لم أكن أنجح في إخفاء الأثر. عرفت أن ما آلمني في الحلم، ليس اكتشاف قدرتي على القتل. ما كان يؤذيني هو حيرتي في طمس معالم جريمتي. ففي كل مرة، كانت الأمور تنتهي بخطأ واضح يفضح كل شيء، مهما تفننت في محاولات إخفاء الجثة.
لذا صرت أقوم من النوم فزعا، أتحسس رقبتي من أثر حبل المشنقة.
لكن الآن، أنا أملك القدرة على القتل دون أثر، موت دون هالات المجد المزيفة التي تحول الموتى مهما بلغت خستهم إلى قديسين. محو فقط.
كنت أرتعش من جلال الفكرة والقدرة، لذا فكرت في أن ما يعكس هيبتها، هو أن تحاط بطقوس جليلة، تمنح عقلي أثناء عملية المحو قدرة أصفى على التركيز، وتكسو روحي بالإثارة التي يستحقها الأمر.
فكرت أني في حاجة إلى الظلام.
في بيتي، غرفة مغلقة، كنت أستعملها لتحميض الصور. فلم أفضل الكاميرات الرقمية وإن اضطررت لاستخدامها لتسيير أمور عملي مع الوكالات والصحف. احتفظت بكاميرا فيلمية، لجولاتي الحرة. فهي تمنحك فرصا أقل لالتقاط الصورة المناسبة، هذا بالضبط ما كنت أحتاجه للاحتفاظ بحساسية الألق العاطفي لإصبعي. لكن منذ كففت عن التصوير، صارت الغرفة محشوة بالكراكيب والأثاث المكسور. وكنت في حاجة إلى الفراغات، كي لا أعيق الطاقة المنبعثة من الحجر أو هالات القوة السحرية الجديدة التي اكتسبتها.
بصبر ودأب، أخليت الغرفة من كراكيبها. لكني احتفظت بمقعد معدني وطاولة واحدة خشبية، وراديو قديم، وسكين سأحشره في فرج معصمي في حال ما فشلت محاولتي الأخيرة للتخلص من كل لص ناعم تسكع حول حياتي، امتصها، سممها، أفقدها حيوية الإحساس بها، ليسد علي كل أفق إلا الموت.
لكن عندما شق حجر عين الهر ظلام الغرفة، لم أتحمل بريقه المخيف الذي بدا كأنه يحدق تجاهي ليبتلعني. اضطررت إلى استعمال المصباح. كانت إضاءته مناسبة، خافتة جدا، لكنها خففت من غلواء الرعب.
بعد أن انتهيت من التأكد أن لا شيء سيعيقني عن التركيز، حدّقت في عين الهر، ومحوت نديم الصبان وزوجته من الوجود.
اختفى كل أثر لهما: أرقام هواتفهما، صورهما، حساباتهما على الإنترنت، كل الرسائل التي تبادلناها، الناعمة قبل الفضيحة، الكارهة بعدها. عندما سألت عددا من الأشخاص المشتركين بيننا، لم يتذكروا أي شيء بخصوص شخصين يحملان نفس الاسم.
كل يوم، كان قلمي الأسود الغليظ، يبتر اسما من قائمة الشر. لكن الأسماء كانت تزداد يوما بعد يوم، كعشب ضار، حتى كدت أن أيأس من أن أنهي مهمتي. طالت المدة، حتى قاربت على عام كامل، لذا كثّفت جهودي كي لا أخرج من الغرفة، مستندا على رصيد بنكي نجحت في صناعته قبل الفضيحة.
لكن تلك العزلة لم تكن مجانية. فبعد فترة كففت عن تخيل العالم إلا عبر صندوق، فصرت أشبه بالشبح. وجودي كله محدود بمقعد وطاولة ملفوفة بغلالة أبدية من الظلام. السماء لم تعد سحابا وزرقة بل صبّا قاسيا من الإسمنت، قمرها مصباح جاف ومتيبس يتدلى من مشنقة، متحملا بجلد تنفس الهواء الأحمق والمكرر الذي يزفره أنف الغرفة الضخم لملايين المرات، كأنه يعيد أصداء هزيمتي. ورغم أن النافذة كانت باتساع قفل هائل لأسوار مدينة خرافية، إلا أن الثقب الوحيد للصندوق كان مفتوحا برأسي، وهو الشيء الوحيد الذي خفف من عتمة روحي الكثيفة كطبقات من القطران. كانت تلك الظلمة ترق أحيانا، فأرى عبرها ما يكفيني، ومضات ملونة، ودمى في حجم الكف، وأحجار تطوف في سلام، أمواج تتكسر بلا بحر أو شطآن.
من آن لأخر يشق عزلتي ضجيج قطار ذي عربات طويلة، حاملا أشباحا مقيدين إلى مقاعدهم بسلاسل حريرية، يجتازون غرفتي على قضيبين من حديد آمن إلى هاوية، يلقون مخلفات الضجيج في روحي، ثم يمضون، دون أن يفكروا في التوقف، لأسرد قصتي عليهم عن تلفيق الفضيحة مرة واحدة إضافية. لقد استمعوا إليها من قبل عشرات المرات، ثم اتهموني بالجنون، فدوما ما كنت معذبا بالبصيرة، لكنها بصيرة بلا حكمة، لم تتمكن يوما من جمع الأدلة الملموسة على شر شخص كان مكشوفا لي منذ اللحظة الأولى.
طورت مع المقعد المعدني البارد علاقة قوامها الصفقة، منحته دفء مؤخرتي، ولطف هو من عذاب جسد مغموس في أتون الوحدة وقيظ السأم. كلانا أسير سيقان مغروسة في الأرض، أجنحتنا مبتورة ومعلقة كمعطف كالح ومترب فوق مشجب ملابس، ولم نجد علاجا لذلك.
ونيسي الأكثر الألفة، كان الراديو القديم، أعز من صديق. لقد قدم من أجلي تضحية عظيمة عندما فقأ عينيه ليمنح صوته صفاء مركزا وصفاء حميمية. كل ليلة كنت أدير مؤشره فتترقرق موسيقى هادئة، ترتحل كل يوم عبر صهاريج بعيدة. لا تصلني إلا عندما أسلم كامل ذاتي دون قيد أو شرط إلى الجسد العملاق الداكن لليل، فهو متطلب، يرغب في مزيج من أشواق صادقة لعاشقة والحرفية الباردة لعاهرة.
لكني كنت سأتحمل أي شيء، لتخليص العالم من الشر.
بعد أن مر عام ونصف، كدت أن أقترب من إنهاء مهمتي، لم يتبق سوى اسم واحد في القائمة، لأخرج من عزلتي: رياح الخماسين، الوحش الترابي الهائل الذي يزفر أنفاسه الكابية ليتسلى برؤية الأنوف المشغولة عن التنفس بمقاومة العطس والغبار، ويستلقى على قفاه من الضحك لمنظر الأصابع التي تفرك أعين أصحابها كأنما يتأكدون أنها مازالت صالحة للنظر.
لكن محو رياح الخماسين كان أكثر صعوبة مما ظننت. لقد استنزفتني المعارك المتتالية مع الشر، خاصة الزحام والضجيج، كما قدمت مساعدة  إضافية لكارهي أغسطس بمحوه رغم أني لا أشاركهم الكراهية، وأؤمن أنهم يتبعون مزحة أحدهم، ظنا أن ادعاء النفور من شيء بعينه قد يمنحهم تميزا ما، إلا أني كنت أفهم معنى الامتداد الطويل والبطىء للزمن.
انتظرت بصبر صياد حتى جاء الربيع، وخرجت أخيرا من الغرفة لأواجه التجلي الأخير للشر، مسلحا بقواي المباركة، ومعطف ثقيل كنت أحبه لأنه يشبه معاطف المخبرين السريين في الأفلام القديمة، باستثناء شعوري أني لم أكن أفتش في آثار جريمة، بل أمحو واحدة.
في الشارع لم يخدعني سوط الشمس، ولا النظرات الساخرة من ثقل معطفي. كنت في حاجة إلى الإيمان بقدرتي على محو رياح الخماسين وإنزال المطر. كنت أعلم أن الوحش يراوغني.
يوما تلو يوم، واصلت التسكع بحثا عنه، لكنه ظل مختبئا. فكرت أن كل ما أحتاجه هو صورة واحدة له، فضلت استخدام كاميرا بولارويد، تطبع الصورة وقت التقاطها.
واصلت التجول بمعطفي الثقيل، مسلحا بالبريق الغامض لعين الهر، وومضة الكاميرا.  تذكرت عادة قديمة لدي، أن أركب أي وسيلة مواصلات دون اكتراث باتجاهها، ثم أجلس منتظرا لحظة تشبه الحدس، فأهبط بفقزة عشوائية لأتسكع داخل الأزقة والشوارع الجانبية والحارات. كنت أؤمن أن تلك الطريقة هي التي جعلتني مصورا مميزا، فقد كنت أباغت الناس قبل أن يتخذوا الوضع المدعي لمن يدرك أنه مكشوف تحت الإضاءة الساطعة للكاميرا. هكذا سأباغت وحش الخماسين، قبل أن يتنكر في هيئة خريف ناعم أو نسيم ليلة صيفية.
أثناء إحدى جولاتي، حل المساء دون أن أنتبه. رأيت غبارا أصفر كنذر لعاصفة ترابية، أدركت أن الوحش قد يئس من الاختباء، وقرر أخيرا أن يواجه قاتله.
لم أهب تصاعد العاصفة، بل كنت أنا من أطاردها. انغمست بالكامل داخل دوامات التراب التي يزفرها الوحش، وأوغلت داخل أزقة متشابكة وضيقة، أجهلها بالكامل. حاولت تلمس طريقا للخروج، لكني اكتشفت أني أدور حول مكاني منذ ثلاثين دقيقة أو يزيد. كانت أنفاس العاصفة قد توقفت، وظننت أن الوحش نجح في الهروب. كدت أن أيأس، وفكرت أن السير في خط مستقيم، متلمسا أنوار الشارع الرئيسي لأنجو من المتاهة، لكني استمعت إلى صوت لهاث وأنين خافت. أرهفت السمع، ضغطت أطراف أذني لتأخذ هيئة نصف فنجان مكسور، كي لا تفلت خيط الصوت من قبضتها.
تتبعت الخيط، حتى بلغت شارعا جانبيا هادئا وكئيبا، كان مظلما إلا من إضاءة خافتة لعمود إنارة مرتعش. حل صمت مطبق، كأنه موسيقى لأشباح، ظننت أني فقدت أثر ضحيتي، لكن شجارا عنيفا لقطط حول محتويات كيس قمامة مزق ستار الهدوء الخادع، إصبعي المحتشد ضغط تلقائيا على زر الكاميرا، فلم يلتقط إلا صورة لوجهي الفزع، لكن الومضة الساطعة كشفت لي عن جسد الوحش الترابي وهو يحاول أن يكتم أنفاسه.
كان مستندا بظهره إلى الحائط بجوار أشجار هزيلة ممصوصة الدم، ممسمرة عنوة فوق الرصيف المكسور. اقتربت منه بحذر وقلبي يدق من الإثارة. ها هو عدوي الأخير، يمدد أطرافه في إعياء، يائسا ومنهكا من أثر المطاردة الطويلة، وعيناه تتوسلان في بؤس. رغم ذلك ظل مرعبا، احتميت من الرعب بعدسة الكاميرا، التقطت صورة له أخيرا، التجلي الأخير للشر.
تحت البريق الحاد لقلادة حجر عين الهر، مزقته إربا، فتته تماما.
انتهى الشر، ليسقط المطر، وتنير السماء المعتمة بزخات برق. بفرح ضربت بحذائي برك الماء كجلاد أو كعازف طبول، وكان للمطر رائحة خافتة، تشبه رائحة تلك اللحظة الجليلة لما بعد نشوة الجماع، فيصبح كل ما حولك باهتا وخفيفا، كرماد يفسح لميلاد شيء أعقد في تركيبه من الحياة والموت، البدايات والنهايات، الحقيقة والوهم.
تأملت كل ما حولي برقبة تتلفت كأنها لعبة بزنبرك. حدقت في نوافذ البيوت، بعضها كان مضاء والآخر مظلما. لمحت الضوء والظلمة ينتقلان من نافذة إلى أخرى، كعجوزين ثملين ضل كل منهما الطريق إلى بيت الآخر. وفكرت أن ربما هذا ما يحدث لنا كل ليلة، نضل الطريق إلى بيوتنا، فنتبادل الحقائق والأسرة والذكريات والأعمار، لنصحو بذاكرة  أخرى ووجوه طازجة وأسماء جديدة، لذا نستيقظ كل يوم برؤوس دائخة ثقيلة، وأعين متهدلة تحدق في بلادة. ولا نفيق إلا بعد أن نحتسي كميات ضخمة من القهوة، كأننا ننتشل الحياة من قاع بئر سحيق، ثم نواصل العيش عبر الأنفاق المتشابكة التي تختلط فيها الحيوات، دون أن نعي أن ما نخوض غماره لم يخصنا يومنا.
واصلت التسكع منتشيا بانتصاري، ومسامي كلها مفتوحة ومشرعة على تنفس الوجود، الحياة الخالية من الشرور. لكن يدا ثقيلة استوقفتني، وبزغ جسد يسد علي الطريق. كان الظلام هو الغالب، فلم أتمكن من تبين ملامح صاحبه، ربما لأن وجهه كان مصدر العتمة. حاولت تجاوزه، لكن يده الثقيلة لم تفلتني، سألته:
“ماذا تريد؟”
“أن تسدد دينك.”
“أي دين؟”
“استعمال منتجي، لمدة عام، حجر عين الهر.”
أدركت أنه سعيد الهايش الذي باعني الحجر المدهش ، قلت:
“كنت أظن منتجك مجانيا.”
“لا يوجد شيء مجاني في العالم.”
“حسنا، أتذكر اتفاقنا القديم. سأروج المنتج لدى الآخرين، لقد أثبت فعاليته في محو الشر.”
“أي آخرين؟”
برعب، تراجعت خطوة إلى الوراء، قلت:
“ما الذي يكفي للسداد؟”
“حياتك.”
أمسكت القلادة، وحاولت محوه عبر عين الهر. حدقت بتركيز هائل كما لم أفعل من قبل، بكل ما تبقى لي من قوة وأمل وطاقة، لكن الهايش لم يختف، بل أضاء وجهه وجسده المعتم أكثر وأكثر، كأنه يمتص مني الضوء.
تأملته. كان رجلا عاديا. لثوان ظننته في مثل عمري، ثم سرعان ما شككت أنه يكبرني بعشرين عاما أو يصغرني بعشرة أعوام. كان وجهه يصلح لأي شيء، ذقنه حليقة كصفحة بيضاء، شعره أسود قصير، مصفف بيد براجماتية، تختار أسرع الطرق فعالية وبساطة. أنيق كسلة فاكهة في لوحة بغرفة معيشة. يرتدي قميصا مكويا ونظيفا وبنطلونا قماشيا بلا تجعيدة واحدة، وحذائه أسود لامع يعكس الضوء، لم يوسخه شيء، رغم المطر المعجون بغبار المدينة. كأن حارسا خصوصيا يرافقه وينظف حذاءه بشكل دائم خلسة، وعلى وجهه ابتسامة ودود، لا يكسرها شيء.
لكن الابتسامة و البساطة في مظهره  تخفي تحتها طبقات مطمورة من الكراهية والتعقيد والحيل التي لا تنفد. لم يفلت يده الثقيلة عن رقبة معطفي. كدت أن أقاوم، لكني استسلمت. عندما ميزت تلك النظرة، الخافتة، الكسول، التي لا تكاد تبين، كانت حجر سره، الذي يسحب به العالم – طواعية أو جبرا – إلى كهفه الخاص. لكن في بهتان تلك النظرة، ثقة من يعرف أنه لن يحصل على الرفض كإجابة، تلمع باستخفاف: ستقبل، لكن دون أن يتجلى فيها الإصرار. مجرد جسر مراوغ وناعم إلى كهفه. هذا اللطف القاسي أربكني، نفرت منه وانجذبت إليه في آن. لقد رأيت تلك النظرة من قبل، لكن علي أي وجه؟ لم أتمكن من التحديد، فلا أثر لهذا الوجه في ذاكرتي. ما أعرفه أني فررت منه من قبل كطاعون، وأنه يخبىء شرا مورس علي قديما. ألم أنجح قبل قليل في محو كل شر؟
غاص بنظرته داخل أغوار عيني، فارتعد.، شعرت بانعكاس نظرته داخلي، كأنه يتجول داخل كهف خاو من الذكريات والمشاعر والمعنى، ثم أمرني بصوت كالسحر:
​”فلتمت.“
آخر ما رأيته، كان جسد الهايش يتمدد كظل هائل يمتص جسدي، لحمي، عظامي، روحي، وجودي. تحت وقع الدوي الآمر لصوته والبريق الآسر لعين الهر، تفتتُ بين يديه، لأتبدد كغبار في الهواء.
١٩-١١-٢٠١٨