مهاب نصر: قصائد آخِر السنة

Youssef Rakha, Al Abageya, Cairo, 2017

فكرة
أشياء كثيرة تؤلم
ولكن ليس كاسترجاع فكرة
إذ يفتح الواحد فمه
ويظن أنها ستمر
يطوي ذراعيه إلى صدره
ويتأسف
والآخرون يتظاهرون بالنسيان
فكّر أن تكون معهم
ادعك جبهتك
لكن الكلمات، حتى تلك المعروفة للجميع، تبدو مستحيلة أيضا
تنعطف فجأة
ثم تصبح غبارا
ـلديك قصص أخرى بالتأكيد
غير أنها الآن بالذات
مثل طفل يحلم أنه يبول على نفسه
ويكون قد فعلها في الحقيقة
أتعرف كم هذا مهين؟
خديعة مزدوجة
ماض هو لاشيء
لكن من يقف عاريا هو الحاضر نفسه

 

ذاك الأحد
هل لديكم انطباعات عن مطر مساء الأحد؟
لا أقصد ذاك الأحد
الذي كنا فيه معا
نعصر أرواحنا على عتبة الباب
والضحكات بركة تتسع حول أقدامنا
أقصد الآخر، البعيد جدا
كبرق صامت
يحبس الأنفاس
أقصد الأمطار المسودّة
كخيوط تنسل من نسيج الليل
أقصد فرك اليدين
لا من البرد
بل بسبب يأس كنا نتوقعه
وها هو الآن يزم شفتيه
ثم يتنحنح
أقصد الملل كطقطقة الحطب
أسفل النار
من الذي قال ساعتها: لنقرأ قصيدة؟
من الذي جعل لارتعاشنا معنى
من كان البادئ بالبكاء،
ثم اندفعنا جميعا إلى الخارج
ثم إنها أرعدت
وكان للمطر صوت كالغناء؟

 

واجهة أبدية
في رحلة إلى بلد ما
انتبهت إلى أني أكلمك طوال الوقت
هكذا وجدت نفسي منهكا
في واجهة متجرغاليريا إينو
ـ ما اسم الشارع من فضلك؟
عقدت كوفيتي
في طريق العودة
كنت أحيي الوجه نفسه
على واجهات محال أخرى
البيريه يخفي جبهتي وعيني
هكذا يبدو وكأن قدمي وحدهما تتجولان
اشتريت مظلة يمكن طيها كمنديل
لم تكن تمطر
لكن هذا ما أحسب حسابه إلى الآن
تاركا وجهي هناك
كأنما ينتظر تحية
 

 

لو كانت لي أصابع
في البحر غابة لم تعبّر عن نفسها بعد
مغمورة مثلما يدفن الواحد اضطرابه بين ثديين
الحقيقة تريد أن تكون حسية
فتخفي نفسها في كلمات
الكلمات نفسها يائسة
وتقول: لو كانت لي أصابع؟
تحسب نفسها مجردة
فتقتل وتبكي
تكمش فراش النائم
وتقول: “لا أريد أن أحلم..
أغرقني أغرقني
البحر يسمع لأنه جارنا
البحر يغرق في بحر آخر
كمن يريد أن يقطع لسانه
مع هذا نسمع الوشيش
ويترك فينا الموج انطباعا غريبا بالندم

لم تعد كلمتك
خطأ أو صواب
مثلومة أو مسننة 
في العمق أو على الشفة
مسرعة كضوء متهور
أو مطحونة كهيكل سيارة في مستودع
هي لم تعد كلمتك
مد يدك
صافح هذا الشخص أو ذاك
مكتفيا بابتسامة لا تصدّق
عد ماشيا
تحت أعمدة الإنارة التي لا تنتهي
حتى تغرق جميعا
في شمس هائلة.
في هذه المدينة
لا يُسمَّى النهار ولا الليل
إلا مواربة
يمكن أن تعيش برأس ديك
أو رأس قملة
يعتقد البعض أنهم في سجن
فلا يتفوهون بحرف
وعلى أطراف أصابعهم يطلون من النوافذ
ثم يجفلون
كالهواء الذي اصطحبناه من بلد بعيد
المطار على سفح جبليّ
كان علينا أن نعبر من حجرة تفتيش
لكن صفير العشب المتطاول،
الفراغ الصوتي الذي يخلفه جناح،
تَكَسُّرَ الثلج عن شفاهنا
مع كل زفير
الهواء الذي اصطحبناه من بلد بعيد
وأفرغناه هنا كمتاع مشبوه
يا إلهيكل شيء يثير الفوضى
هناك شمس متصلبة في السماء
تنظر ولا تقول شيئا
أيكون التفتيش من أجل هذا؟
هل سنعبر جميعا إلى هناك؟
عراة على السفح
نكشف أسناننا عن الحشوات
عظامنا عن رضات وكسور 
حلوقنا عن بقايا اللكنة
الطابور ذيله في الوادي
آخر نقطة بلا رأس
عميقة كتوبيخ 
كأمل سحق في مطفأة سجائر
قبل النداء الأخير
أما الكلماتفتطير حولنا في كل اتجاه
القصائد سباب موجه إلى الكلمات نفسها
لم أكتب شعرا أبدا
هذه الشفرات الحادة
التي خلفت جروحا بالكاد تُلحظ هنا وهنا
كانت هي البادئة
الأجنحة السود
التي تضرب وجهك في حلم
ثم تسرق اللسان
أبوك وأمك وهما يأتيانك برأسين من الجص
فقط ليخيفاك
اليد الطيبة للشارع التي ترفعك لأعلى
ثم تختبئ في جيب غير مكترث
فتظل خطوتك طوال حياتك
خطوة من كاد يطير
هكذا تندفع الكلمات
لا اتزان يحميها
معدة يعصرها الخوف
حساسية للزمن
كما لو أصابع امراة تتحسس ساعدك
فتتوتر بويصلات الشعر
الحب غضب
والقصائد سباب موجه إلى الكلمات نفسها
ترنُّحٌ مفرط للسكْر
حقيقة لا تهنأ على وسادة
لأنها تتصرف كرأس
لا كسكين
الشعر؟!
احفر هنا أو هنا
تحت الدولة حتى
واشتَمّ عفونة النزوة
مَنيَّ العادة السرية
على شرف الجسد الغائب
والقابض على الخصيتين