إيمان عبد الرحيم: العلامة

larger

Jock Sturges, Misty Dawn and Jeremy; Northern California, 1989. Source: artsy.net

“فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
سورة البقرة، آية ٢٥٩

 

“تاكسي! مصر الجديدة؟”
يركن التاكسي على جانب الشارع لتركب، وتنظر للساعة الرقمية فوق العداد لتجد أنها الثامنة والنصف.
في أول إشارة مرور تقابلهم في الشارع على كورنيش “المعادي”، تشرع في التأفف مللاً من الزحام، ثم إن السائق يستمع على كاسيت السيارة إلى المطرب “مصطفى كامل” بصوته القميء، في أغنية “نادم”، والتي لا يتوقف فيها عن الندب. تلوم نفسها على كونها نسيت أن تحضر معها “الإم بي فور“ وكتاب ما، لتتسلى بقتل الوقت معهما في مثل هذه السكة الطويلة.
 تذكرت أن معها ”الأيبود” ذا البطارية شبه الفارغة، لا بأس، يمكن على الأقل أن تمضي بعض الوقت بلعب فيديو جيم “كاندي كراش”. فصل شحن “الأيبود” سريعاً كما توقعت، فقررت أن تركز في الطريق. كانا قد وصلا إلى شارع “صلاح سالم”، ناحية “عين الصيرة”. الطريق بشكل عام جيد، خالي من الاختناقات المرورية، حمدت الله، وواست نفسها بوصول قريب للبيت. عند “القلعة” فوجئت بسيارات ترجع عكس اتجاه السير رغم خواء الشارع، سألت السائق متعجبة، فأجاب بأنه لا بد أن هناك شيئاً ما يحدث في مقدمة الطريق، نظرت إلى الشارع أمامها، فوجدت الشارع خاليًا من أي اختناق على مدى بصرها.
بعد بوابة “الأزهر بارك” بقليل، كان الشارع مزدحمًا عن آخره من جديد، السيارات مرصوصة بمحاذاة بعضها، بلا مسافات بينها، والحركة معدومة تقريباً. طالعت الساعة الرقمية لتجدها التاسعة إلا خمس دقائق. زفرت في عنف وفتحت شنطتها لتخرج “بلوك نوت” صغير وقلم، كان من السهل عليها تميز “البلوك نوت” بالتحسس في الظلام، في قعر شنطتها، عثرت يدها عليه وركنته في جانب فارغ من القعر ذاته، وقررت ألا تخرجه قبل أن تجد القلم أولاً. استغرقت في الدعبسة بحثاً عن القلم، وتوقفت فجأة، حين وجدت يد السائق تمتد إليها بقلم “بيك” أزرق! نظرت له مندهشة، وأخذت منه القلم شاكرة، كانت تلك المرة الأولى التي تنظر فيها لهيئة السائق بتركيز. يبدو شاباً عادياً، من أحد المناطق الشعبية، يضع بكثافة جيل على شعره، جسد ضئيل، وجه مشفوط، وملابس متواضعة، زاعقة الألوان وغير متناسقة. كيف عرف أنها تبحث في أحشاء شنطنها عن قلم، لما أعياها السؤال ركنت إلى أنها ربما قد تكون أخرجت “البلوك نوت” عن غير وعي منها، قبل أن تركنه في جنب قعر الشنطة الخالي، فخمن هو أنها بالضرورة تبحث عن قلم. أخرجت “البلوك نوت” وأخذت تكتب فيه، قبل أن تنسى، آخر العبارات التي استوقفتها على ظهر زجاج “الميني باصات” وسيارات النقل في مشوارها البارحة: “هاتها جمايل يا رب“، “ميني باص”، “صلاح سالم“، وهكذا. شرعت تكمل على هذا المنوال، إلى أن انتهت من كل ما تذكرت فقررت أن تمضي الوقت في كتابة العبارات الجديدة، التي ستقابلها اليوم على ظهر السيارات، رفعت رأسها، وبحثت فيما حولها، فلم تجد ما يلفت نظرها. انتظرت وفداً جديد من مؤخرات السيارات، لكن ذلك كان مستحيلاً مع الزحام، وبطء الحركة. نظرت إلى الساعة فوجدتها التاسعة والثلث، وقد كان التاكسي قد تجاوز بالكاد الشارع الموازي لسور “الأزهر بارك”. حانت منها نظرة جديدة لمؤخرات السيارات الوافدة في بحر الطريق، وكانت أغلبها ملاكي خاوية الظهر كسابقتها. هنا أدركت أن أغلب سيارات النقل و”الميني باصات” ستفد بغزارة إلى الطريق بعد أن يتجاوزا الشارع في منطقة “العباسية”. أدخلت “البلوك نوت” في شنطتها، وأعادت القلم للسائق شاكرة إياه بابتسامة. وفكرت أن تمضي الوقت بالثرثرة في “الموبايل”، قررت بأن تبدأ بمحادثة أمها لتخبرها عن الزحام الرهيب، وما إن أخرجت “الموبايل”، حتى وجدت السائق يطلب منها أن تحدث أهلها لتطمئنهم، حيث يبدو أنه لا يزال أمامهم وقت طويل. تضايقت من حشريته، وأمنت برأسها على كلامه، وأسرعت بمكالمة أمها. ثم قررت بعدها أن تكلم صديقتها “دعاء”. استمرت مكالمتها مع “دعاء” لمدة لا بأس بها. بعد أن أنهتها، نظرت للشارع حولها فوجدت أنها وصلت أخيرًا للجزء المقابل لعمارات “العبور”، فكرت أنه لا مخرج من شارع “صلاح سالم” الطويل الملعون الآن للوصول إلى منطقة “الكلية الحربية”، حيث تقطن، إلا طريق شارع “النصر: الألعن منه. ثم إنه لا شيء حتى الآن خلال المسافة التي قطعاها يبرر كل هذا الزحام، لا مظاهرة، لا حادث، ولا سيارة عطلانة، لا شيء مطلقاً! “بقول لك يا أستاذة، ما تعرفيش طريق تاني نوصل منه لبيتكم غير الشارع ده؟” ردت بوجه مذهول على السائق أن لا. كلكس السائق لسائق تاكسي آخر بجواره، وسأله عن سبب الزحام، فرد عليه الأخير برفع كتفيه ولوي شفتيه للأسفل.
أجرت مكالمة جديدة على “الموبايل”، وحين أنهتها، نظرت للساعة فوجدتها العاشرة والنصف، وكان التاكسي قد تجاوز أخيراً نفق “العروبة”، ويتجه ناحية شارع الثورة ببطء شديد، ولا شيء إلى الآن يبرر هذا العجز في الحركة. فكرت أنه لولا أن اليوم هو يومها الأول “للبريود”، وتشعر فيه بإعياء شديد، لأكملت الطريق مشياً، وسيكون ذلك أسرع بكثير مما هي الآن عليه. التفت إليها السائق باسماً، وسألها في نفس اللحظة، إذا كان بإمكانها أن تكمل المسافة مشياً، حتى لا تتأخر أكثر من ذلك، حيث يبدو عليها الاستعجال. فغرت فاهها لعدة ثوان، ونظرت لتفاصيل وجهه، عيناه كحيلتان، وحاجباه مستنمصان على الشعرة! وجهه غير مريح على الإطلاق. ردت بذعر حاولت أن تكتمه، أن المسافة لازالت بعيدة مشياً.  الآن هي لا تفعل شيئاً سوى التحديق في قفا السائق بريبة، تشعر ببرودة تجمد أطرافها، رغم دفء الجو. حانت منها نظرة للساعة فوق العداد، لتجدها الحادية عشر، ساعتين ونصف تكفي للوصول للإسكندرية مثلاً. التفت إليها السائق باسماً من جديد ليخبرها إنه كان زمانهما وصلا للإسكندرية الآن بعد كل هذا الوقت. ترتجف أطرافها، وتفكر في مغادرة التاكسي فوراً، تحتضن شنطتها، وتنكمش في قعدتها، بينما يواصل هو الحديث بحميمة، يخبرها إنها الزبونة التي قضت أطول مدة زمنية معه منذ أن عمل سائقاً على هذا التاكسي، وإن بينهما الآن عشرة. يضحك من مزحته، بينما لازالت هي ترتجف متحجرة في مكانها، يواصل كلامه ليخبرها، إنها بعد هذه الرحلة العصيبة ستكون آخر زبونة لهذه الليلة، وسيعود بعدها فوراً إلى بيته ليقضي وقته مع ابنته “ملك”، ويريح أعصابه من هذا الهم. تتمتم برد لا يسمعه، ثم تقول بصوت مرتجف: “يمين من هنا يا أسطى”. يعاود الكلام، فتقاطعه بسرعة “الشمال اللي جاي”. يصمت، وتنظر هي إلى قفاه في ترقب، ثم تقول “على أي جمب هنا لو سمحت”. يوقف التاكسي، وينظر لها في المرآة، قائلاً “فرصة سعيدة”، ترد دون أن تنظر له بأنها الأسعد، تخرج فلوس العداد من شنطتها، وقبل أن تفتح الباب لتنزل، يستوقفها، قائلاً “استني أوريكي صورة ملك بنتي“. يخرج من محفظته صورة، ليضعها أمام عينيها، فتشهق، وتندفع الدموع غزيرة من عينيها، ترى صورة لها في طفولتها، بفستانها الأحمر الكاروهات، حين كانت تبلغ من العمر ثلاث سنين، تبلع ريقها، وتقول بصوت مبحوح: “ربنا يخليها لك” تدفع الباب يمينها بيد ترتعش، وتنزل وجسدها كله يرتعد. تراقب من بين دموعها التاكسي مبتعدا.