إيمان عبد الرحيم: النشور

Thetriumphofdeath

Pieter Bruegel the Elder, “The Triumph of Death”, 1562. Source: Wikipedia

“انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً
سورة الإسراء، آية ٢١

 

“القيامة النهاردا الساعة ستة بعد المغرب… يلا قومي.“
استيقظت مشدوهة في الواحدة ظهراً، على صوت ماما تردد هذه الجملة بصوت منذر وعلى عجل!
سألتها كيف عرفت؟ فأجابتني بأن الخبر أذيع أكثر من مرة في نشرات الأخبار على كافة القنوات الأرضية والفضائية، المحلية والعالمية، العالم كله يعلم ويستعد وأنا الوحيدة النائمة بكسل على جنبي. سارعت بالنهوض من سريري، ثم سألتها عما يجب أن نفعله، طلبت مني أن أحضّر شنطة صغيرة آخذ فيها كل ما قد أحتاجه في الحياة الآخرة. سارعت أبحث عن إخوتي، فوجدتهم جميعا مشغولين بتحضير شنطهم. ذهبت إلى دولابي، واخترت شنطة ”باك” ضخمة، كي أتحرك بحرية، بينما هي معلقة على ظهري. وضعت فيها كيس فوط “نانا” الصحية النسائية القطنية، ومحفظة لا تحوي إلا صورًا فوتوغرافية بالأبيض والأسود، لمن رحلوا من عائلتي.  بعدها سارعت بالذهاب إلى صالة البيت وأخرجت من درج ”النيش” الذي يتوسط أحد جدرانها شريط دوائي المضاد للاكتئاب، ألقيت الأشياء في الشنطة على عجل، توقفت سارحة لثانية، أفرغت بعدها الشنطة من جديد، سارعت إلى المكتبة والتقطت المجلدات الخاصة بكتاب “قصة الحضارة”، لـ”وِل ديورانت”، لم أجد إلا أحد عشر مجلدًا فقط من أصل اثنين وعشرين مجلدا، بحثت في كل مكان عن المجلدات الناقصة، ولم أجدها، حزنت لعدم عثوري على المجلدات المفقودة، فكم كنت أود إكمال قراءة السلسة الضخمة قبل أن أموت. يبدو أنه غير مقدر أيضاً أن أقرأ ما تبقى لي حتى بعد رحيلي. انتبهت فجأة أن الوقت يمرق، فاكتفيت بالأحد عشر مجلدا، وحملتها مرصوصة فوق بعضها، الأقدم في الأسفل، فالأحدث أعلاه. قابلتني أختي وأنا أسير على مهل حاملة الكتب الضخمة ومتجهة إلى غرفتي، فصرخت في محذرة: إن هذه الكتب ثقيلة جداً، ووزنها سيعيق حركتي في يوم مهم مثل هذا. أخبرتها ساخرة أن هذا ليس من شأنها. في غرفتي، رصصت المجلدات الأحد عشر في قاع الشنطة، ثم وضعت الأشياء التي أفرغتها من جديد فوقها، أحضرت علبة سجائري، واخترت ولاعة سجائر لونها برتقالي فاقع، ووضعتهم فوق بالقرب من “السوستة”، في متناول يدي. أغلقت بعدها الشنطة، وحملتها على كتفيّ، وتحركت بصعوبة، نظرا لثقل وزنها، ثم خرجت إلى صالة البيت، فوجدت أن الجميع قد انتهوا قبلي.
نظرت للساعة، فهالني أنها الخامسة. باقٍ من الزمن ساعة واحدة فقط. اتجهت إلى ماما الجالسة في وضع مسترخٍ على كرسي في الصالون، تعجبت من هدوئها، وسألتها عما سنفعله الآن، فقالت إنها حجزت تاكسي بالتليفون منذ نصف ساعة، وأنه قادم إلينا في الطريق، ليصطحبنا جميعاً إلى أرض الميعاد. جلست على الكرسي المقابل لها، أهز رجلي اليمنى بلا انقطاع، ثم وقفت فجأة بعد أن تذكرت الآية القرآنية التي تقول “يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ. وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ. وَصَٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ. لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ”، فتلوت الآية فورا على مسامع ماما، وأخبرتها أن ما تفعله لا معنى له، وأن من الأفضل، أن يذهب كل فرد منا وحده. أجابتني بعين دامعة أنها تعرف، وأنها واثقة أن وضعنا سيكون مختلفاً، فليس من العدل أن يفرقنا الله عنها، وهي التي أفنت عمرها وروحها وجسدها لرعايتنا، والاهتمام بنا. لم أشأ أن أحطم قلبها، وأن أتفوه بكلام آخر يخيب ظنها وجلست. بعد برهة، رن “موبايل” ماما، فردت مسرعة. أنهت المكالمة وأخبرتنا أن التاكسي في الأسفل، في انتظارنا. نظرت إلى الساعة فوجدتها السادسة إلا ربع. قلت لأختي أرجو ألا يكون الطريق متوقفا بسبب الزحام، فنتأخر عن ميعادنا.
 في التاكسي جلسنا جميعا، ولاحظت أن السائق يعلق شنطة ”كروس” صغيرة على جذعه! كنا على كوبري أكتوبر حين توقف الطريق تماماً بسبب الزحام. لم أكن أعرف إلى أين يتجه بنا التاكسي، وأحجمت عن السؤال. رحت أتسلى بقراءة الحروف على لوحات المرور الخلفية للسيارات المتراصة حولنا، محاولة تجميعها معا للحصول على كلمة ذات معنى. خمنت أن الساعة جاوزت السادسة بكثير. ربما ميعاد القيامة هذا مجرد شائعة جديدة، أو خبر كاذب. انتبهت فجأة أننا ببطء شديد ننزل من فوق الكوبري عبر منزل شارع “صلاح سالم”. بمجرد أن لمست إطارات التاكسي أرض الشارع وجدت نفسي وحيدة في سيارة بلا سائق تمشي بسرعة كبيرة جداً، في الخلفية يصدح كورال منشدًا مقدمة “آلام القديس يوحنا” بصوت عال جداً، كأنما هي موصولة بسماعات استريو ضخمة في حجم جبل. يقشعر جسدي وأشعر برهبة شديدة لا أدرك دواعيها، ثم أشرع في بكاء غير مفهوم، بكاء حميمي، أستمتع به كأنما يغسل روحي، لكنه بلا سبب منطقي. من بين دموعي أستجمع نفسي، وانظر من شباك السيارة، لأجد أن سر سرعة السيارة يكمن في أنها تطير، تطير بالفعل، السيارة ترتفع بمقدار ربع متر تقريبا عن سطح أرض الشارع، بلا إطارات. أفكر في أنها قد تكون سيارة نفاثة!
أصعد بنظري من الأرض شيئاً فشيئاً، لأرى أن الشارع اتسع عرضه بحوالي ثلاثة أضعاف، تنتثر فيه بصورة متباعدة سيارات نفاثة بزجاج ”فاميه” غامق، لا يكشف مَن خلفه. يتجه نظري رغما عني إلى الحروف المكتوبة على اللوحات المرورية الخلفية للسيارات النفاثة، فيحل عليّ إدراك مفاجئ، لا أعلم مصدره، لكنه يقيني جداً، بدرجة لا تستلزم سوى الانصياع له. إنه اليوم الآخر بحق، والحروف على اللوحات الخلفية للسيارات هي صلوات علينا أن نتلوها، نسترئف الله بها! يتضاعف صوت الكورال في الخلف بدرجة تؤلم أذني، فأسند ظهري على كرسي وأبكي من جديد، بكاء يمازجه خوف هذه المرة، أنا خائفة جداً وأبتهل إلى الله من أعماقي بالكلمات التي اقرأها على لوحات المرور الخلفية للسيارات المارقة أمامي بسرعة، قائلة: ” ع ع ص”، “ع أ ط”. أشهق ويزداد خوفي، فأهتف بصوت أعلى “أ ل ط“، “ أ ع س“، ” أ خ أ“، “س ع م“…
تتوقف السيارة فجأة بسلاسة تجعلني لا أدرك أنها توقفت، حين يفتح الباب بجانبي أدرك أنها توقفت بالفعل، أجدني أمام قصر البارون الذي يطل على شارع “صلاح سالم”، لم أتخيل أنه يبعد كل هذه المسافة عن كوبري أكتوبر! أترجل من السيارة، وأندهش لأن الشنطة “الباك” لازالت على ظهري، شعرت بحملها الثقيل الآن حين وقفت. أرى قمة القصر يلتف حولها أربع كواكب برتقالية اللون. هنا يسكن الله إذن! أدفع بتردد البوابة الحديدية، يظهر أمامي فجأة رجل يبدو في العقد الخامس من عمره، زحف الصلع إلى منتصف رأسه، يرتدي بذلة صيفية قديمة، يشبه موظف الحكومة التقليدي في الثمانينات، حتى أنه يحمل أسفل إبطه جريدة! يذكرني مظهره المبعثر بمظهر“أبو حفيظة“. يتقدم نحوي، ويقف بمحاذاتي تماماً. أسأله بارتياب هامسة عن الذي فعله في ساعة الحساب إن كان عبرها. يضحك كرجل طيب، ويحمل الشنطة عن ظهري، ويخبرني مبتسماً، أنه لا حساب. أجذب منه الشنطة مرتابة، فيخبرني إنه ملاكي الحارس، وإن عليه أن يصطحبني إلى مصيري المنتظر. لم أكن يوماً وقحة، ودائماً ما أراعي شعور الآخرين، لكني مع جملته الأخيرة، وقعت على الأرض من الضحك. ظل صامتاً يتأملني أتلوى من الضحك. شعرت بالحرج، فتوقفت، ونظرت للأرض خجلاً، أبحث عن كلمة تليق باعتذار! ساعدني على النهوض، وقال باسماً “الوعي هو المهم يا إيمان”. مشيت معه مطأطئة رأسي، عابرين الحديقة الفاصلة بين الشارع والقصر، ومتجهين إلى القصر. أخبرته همساً أني لم أتخيل الملائكة يوماً في مثل هيئتنا، فرد بأن الهيئة مجرد وعاء لا أكثر. هززت رأسي متفهمة.
دخلنا القصر، وكان خالياً إلا منا واتجهنا إلى السلالم في منتصف بهوِه. استندت بجذعي على الدرابزين، ونظرت بفضول إلى الأعلى والأسفل، فوجدت السلالم ملتفّة بشكل حلزوني، تمتد إلى أسفل وأعلى بلا نهاية. يتقدمني الملاك نازلاً السلالم، فأخبره وأنا أتبعه أن هيئته ليست بهذا السوء، يبدو كرجل طيب مريح الملامح جداً، فيرد أن المحتوى دائماً ما يطغى على الوعاء أياً كان، أؤمّن برأسي على كلامه. نستغرق وقتا طويلا في نزول السلم، أسأله مترددة عن مصيري، فيقول ببساطة “وعاء جديد”. نواصل النزول. أفكر صامتة أن ربما هذا هو مصيري بالفعل، أعني نزول السلم إلى ما لانهاية مع رجل طيب ومريح. رغم الملل، قد لا يكون مصيرًا سيئاً على الإطلاق. أقول له إن فراق أمي المسكينة وأخوتي سيصيبني بـوخز في قلبي. يخبرني مطمئناً إنه لن يكون هناك ألم على الإطلاق، فسألته إن كان يعرف إذا كانت ستتألم أمي لفراقنا في موضعها الجديد، فأكد مطمئنا إنه لا ألم على الإطلاق، فقد حصل البشر جميعا على ما يكفي من الآلام والعذابات في دنياهم الفائتة بالفعل. أسأله بتردد عن كنه وعائي الجديد، فيخبرني بأريحية إن خطأ الخلق الأول تمثل في أن أغلب المخلوقات الجميلة حصلت على أوعية هشة وضعيفة. لم أفهم ما يعني فقلت مستفهمة: “بمعنى؟”. رد قائلاً: “الفراشات والزهور والعصافير والأطفال كأمثلة“. لم أفهم بعد فقلت “وبعدين؟” قال إن في الخلق الجديد ستكون المخلوقات الجميلة قوية جداً، بصورة لا تدركها، بصورة تجعلها لا تتعمد الأذى، سألت “إزاي؟” قال ”مثل فيل طيب القلب، يسير في الغابة، ويدهس بلا عمد مائة نملة بقدم واحدة”، سألته والغباء بادٍ على وجهي عن علاقة كل ما يقول بسؤالي الأول! ألقى لحظتها بشنطتي  – التي كان لا يزال يحملها –  إلى الأسفل، في عمق بئر السلم! تكدرت وأخبرته مستاءة إني كنت أحتاج علبة سجائري على الأقل، يشعل سيجارة من علبة يحتفظ بها في جيبه، ويناولني إياها بود، أشكره وأشرع في تدخينها بنهم. مع أول نفس أنفثه، ألاحظ أن الدخان يخرج من رئتي بنفسجي اللون، وبكثافة عالية تستحيل معها الرؤيا. تغيب الأرض من أسفل قدمي فجأة، ويلف العالم حولي بسرعة تشتد تدريجيًا، تستحيل الرؤية مع هذا الدوار، وأفقد الإحساس بجسدي، أشعر وكأني داخل خلاط كهربائي عملاق، يمزجني عنوة بأشياء لا أعرف كنهها. يتوقف الدوار فجأة وأجدني طافية في عمق فضاء بنفسجي اللون، مرصع بعدد لا يحصى من ذرات الغبار الفضية لامعة اللون، منثورة، وتبدو من كثافتها متلاصقة، متفاوتة في الحجم، لا أرض فوقي أو أسفلي، الصمت مطبق، وما من أحد. أحاول فهم كيف يطفو جسدي بخفة هكذا في هذا العدم، أحرك ذراعي، فأفاجأ بثقله المهول، أنظر إليه غير مصدقة لأجده قد صار جناحاً عملاقا مبقع بألوان عدة بديعة في امتزاجها وإشراقها. أنظر بسرعة إلى ذراعي الآخر لأجده قد صار هو أيضاً جناحا مطابقا للجناح الأول، أنظر بتطلع إلى جذعي، فأجده دودة ضخمة، ينتابني التقزز وعدم الفهم للحظات، فأسارع بالبحث عن رِجليّ، وأرتعد حين لا أجدهما، لكن لدي جناحين، هذا رائع بحق. فيما نحتاج الأرجل إذا كنا نستطيع أن نطير. أشعر بامتنان حقيقي، فأغمض عيني وأشكر الله بصدق على الجناحين ووعائي الجديد، أيا ما كان. يأتيني بغتة وحي بماهيتي، وكأنما البرق صعق رأسي: أنا فراشة الآن، فراشة ضخمة جداً. لكن أين أنا؟
أحرك جناحي مجربة الطيران، أطير بالفعل بصعوبة بالغة، الجناحان ثقيلان بحق، كلما ضربت بهما ما حولي ازدادت سرعتي، وخف ثقلهما، حتى اعتدتهما تماما، واستشعرت خفة طيراني الآن وقلبي يتقافز غبطة وفرحا. أرى أثناء تحليقي ضوءا بعيدا، كأنما مصباح صغير منسي. الفضاء السديمي البارد يتحول لونه البنفسجي تارة إلى أزرق غامق، وتارة إلى أسود حالك، ويعود للبنفسجي تدريجاً، وأنا لازالت اخترق طائرة ذلك الغبار الماسي، الذي علق الكثير منه بأجنحتي، فزادها جمالا. أستحث طيراني متجهة إلى مصدر الضوء البعيد، اتضح مع اقترابي شيئا فشيئاً أن لونه أبيض حليبي. تتضح الصورة كلما اقتربت، للضوء مصادر عدة، حلزونات ضوئية عديدة، تلك هي الجملة الأنسب لوصف ما أراه، يظنها الرائي من بعيد كتلة واحدة، وكلما اقتربت أكثر تكتشف أنها متفرقة يفصل بينا مسافات قريبة، بل كلما اقتربت أكثر وأكثر تجد أن المسافات بينها ليست بالقصر الذي رأيتها عليه، توقفت عن الطيران ذاهلة. أنا الآن أرى بوضوح واحدة من تلك الحلزونات، في الواقع هي عبارة عن قرص أسود، يمثل المركز، تخرج منه عدة أذرع لتستدير حوله، بصورة حلزونية، وتتحرك أيضا طائفة حول ذات المركز بصورة بطيئة تصعب ملاحظتها من بعيد، والأذرع نفسها مكونة من ذرات غبار مضيئة كثيرة متجاورة، متفاوتة في حجمها، تدور حول نفسها وكل ذرة منها يحيط بها مجموعة أصغر من الذرات تدور حول نفسها وحولها، وهكذا دواليك، حتى لم يعد بصري قادرًا على رصد الذرات متناهية الصغر . شعرت بالدوار، واستثقلت نفسي كل هذا النظام المخيف، وتعسر علي فهمه، فقررت بعند طفولي أن أفضه. ابتعدت عن ذلك الشيء مسافة كافية، ثم حلقت تجاهه بسرعة فائقة، واقتحمته جذلة بجذعي، فتناثر الغبار في كل مكان، وعلق بعضه بأجنحتي.