مهاب نصر: لأن الله لا يترك الناس يشهقون هكذا

Tony Vaccaro, On the set of “8 1/2”. Source: photographmag.com
مدينتي
أنا من مدينة 
لا أعرف كيف أسميها لكِ
أسمع سبابا
لكن أحدا لا يلتفت
وحين أجلس في مقهى،
حين أغمض عيني 
لأحتفظ بفكرة،
حين أتطلع، ممدا على فراشي،
إلى سقف حجرتي، 
حين أهم بشرح موقفي ـ
أسمع السباب نفسه
الوجوه هنا
تنظر جانبا
كنوع من الحذر
مع هذا أسمع دائما صوت ارتطام ما
أشعر أحيانا بالسعادة
لأنني من “هنا”
وأقول: لابد أنهم “هناك” يحسدوننا.
بين شقوق الأرصفة
تنبت أزهار لا اسم لها
ولا نعرف حتى من أين تأتي
عادة ما نتظاهر بأننا لم نرها
لكنها تطاردنا في النوم
فتصبح أقدامنا بطيئة
وحناجرنا أغصانا ناشفة
وفي الصباح 
يكون أحدنا قد قُتل فعلا
لا أشعر بالخوف
لكنني أفكر: بماذا تشعرين هناك؟
هل لديكم أزهار حقا؟
هل يعني ذلك أي شيء؟
مادمت تقولين
أنهم هناك أيضا
يشيحون بوجوههم
ويسمع صوت الارتطام نفسه؟

 

قال ما يريده
حينما سكت فجأة
كان قد اكتشف أنه
قال كل ما يريده فعلا
لدرجة أنه للمرة الأولى
نجح في السير
على ذلك الحبل الممدود إلى السماء
دون حاجة إلى عصا  اتزان
كان بامكانه أن يرجع
كان بامكانه أن يتقدم
لكنه في المنتصف تقريبا
أو هكذا خيل إليه
شعر بألم ما
وأراد أن يقول كلمة
كلنا يفعل ذلك
صدقني..
كلنا يحتفظ في مكان ما بكلمة
كلنا يتوقع من شخص ما
أن يكون عصا اتزانه الأخيرة.

 

أبي
كانت لأبي
نظرة إنسان يعتذر
وكان فخورا بهذه النظرة،
لهذا تساءلت  
من أنا إذن؟
وطوال حياته
كنت أشفق عليه
وكان يبادلني الشفقة نفسها.
مؤكد أنه لم يكن يصرخ مثلنا..
أعني.. حينما “يفعلها”
ربما يخفي رأسه بين الثديين 
أو يعض زهرتيهما
حتى لا ينطق بعبارة فاحشة.
ربما كانت روحه تتسلل
على هيئة دموع
يرقد بعدها
متحررا  من الشعور بالذنب..
هل كان يعتبرها دموعا فعلا؟..
أم كان يبكي بكاء حقيقيا
لأنه عبّر بكل هذا الوضوح؟
هناك..
كان شيء ما يحدث
شيء أكبر من كل توقعاته
لأن الله لا يترك الناس يشهقون هكذا بلا أمل
خمّن..
نعم.. أنا هذا الشيء
كما ترى
ولدت من نظرة  إنسان يعتذر
إنسان تعبث قدمه بحجر صغير
لأنه هكذا يولد الحب عادة

 

لا شيء أبعد من ذلك
المزاج الرائق لفكرة ما
هو أن تأتيك على هيئة فكرة فعلا
لا خطوة تتبعها
كأنك تبسط ذراعيك
أمام نافذة
ثم لا شيء أبعد من ذلك
لا شمس
ولا ظلام حقيقيا
ثم إنك تشرع في التدخين
وهكذا تنسى وجودها تماما
وتبدأ بالكلام.

 

حينما أُحس بالخجل
حينما أُحس بالخجل
أكتب 
أكتب شعرا بالذات
حتى لا ينظر إنسان إلى عيني مباشرة
لكن.. من قال إن الشعر غير هذا
أن يظهر وجهك وراء الكلمات
كما لو يعتذر عن شيء ما؟! 

 

غالبا
غالبا 
الطابق العاشر مشغول بعيادة
رأسي على وسادة، وأزيز مثقاب في الشارع
ـ ليس هنا
يشير أحدهم من نافذة.
في حلم تتقدم نحوي مظاهرة
قطن ملطخ بالدم
والرؤوس مطأطئة لسبب ما
كان لي زوجة تسلق الأذن
وفي العشاء حساء الصمت
كان لي أخرى لا ترتدي مريلة المطبخ
ـ أبدا..
تقول،
وأوساخ العالم في حوض الغسيل
جميعا كنا نصعد إلى الطابق العاشر
جميعنا الآن يطقطق بأسنان صناعية
تلك التي تعض
باعصاب ميتة

 

عند المسبح
الآن أنا عند المسبح
أقوم بإحماء خفيف 
بعد دقائق 
سيرتعش القمر على بلاط القاع 
ضربة وأخرى
ولا أعود أفكر بشيء 
الماء يحمل الجسد أفقياً.. أتفهم؟ 
هذه هي الثورة
ما دمت منتصبا على قدمين 
ستظل مشغولا بالأبدية 
هنا تغطس وتتلوى
وبالكاد لا يعنيك من العالم إلا السطح 
شهيق وزفير
بت ليلة
بت ليلة في حديقة عامة
‏يا لهذا الزمن!‏
على النجيل المجزوز حديثا‏
قرأت كتابا لرجل أعمى‏
ـ عد إلى منزلك‏
قال الضابط‏
“هنا تحدث أشياء.. تبدأ من مؤخرتك”‏
وأنا الذي كنت أريد أن أصنع تاريخي
‏بالمشي‏
بتقويض البيت ‏رسالة استعطاف أفركها بقبضتي‏
الدموع موجهة إلى البحر
‏نبوّة تتطهر
‏يا لهذا الزمن!
‏عافية مريضة بالوفرة‏
على مشجب الحب تعلق قميصها الرطب
‏وترقد محمومة‏
وبين الردفين انتصاب خشن
‏الأفكار نفسها خصية محتقنة‏
والليل يمشي
‏الليل نفسه يمشي
‏رجل أعمى‏أقرأ عليه من كتابه
‏يا لهذا الزمن‏
حيث لليأس رائحة المني الطازج‏
والأحلام تستنفد في الصحو
‏ثم ينام الواحد كملاك