صلاح باديس: الماريكان

saam-1967-59-355r_1

William H. Johnson, U.S. Capitol, The White House, Bearded Man, Dr. George Washington Carver and Franklin Delano Roosevelt, and Other Sketches, ca. 1945, pencil on paper, Smithsonian American Art Museum, Gift of the Harmon Foundation, 1967. Source: americanart.si.edu

واشنطن: بيت فقط… أبيض فقط

 

وصلتُ واشنطن عبر شيكاغو. رحلة طويلة نِسبيًا. من المطار إلى الفندق المستقر في الجادة الرابعة لم يأخذ الأمر سوى عشر دقائق، على بعد بضع شوارع من البيت الأبيض الحزين. كنت متأكدًا من أني سأمرض، الجيوب الأنفية مسدودة وتوجع، وشعور بأدنى نسمة هواء.
رغم ذلك خرجت مع الأصحاب لنأكل عند محل الشاورما المقابل، يدير المحل عربيان: لبناني ومغربي. نسير حتى البيت الحزين، لكننا لا نكتشف الواجهة بل ظهر البيت، ويبدو لنا صغيرًا وبعيدًا خاصة في الظلام. إيفا قال: ليس مثيرًا… فقط بيت… فقط أبيض… لا شيء خاص.

نعود، ويريد الجميع أن يشتري شيئًا، ماء وفواكه وشوكولا… وأيضًا دواء للبرد الذي ضربني. فنذهب، كساكنين ماريكان عاديين إلى الفارماسي، لنشتري الأكل والدواء وكل ما يحتاجه الإنسان ويمكن أن يجده في السوبرماركت أو المواد الغذائية العامة، لكن في الماريكان يجد كل هذا في صيدلية CVS، حتى الساندويتشات والفواكه والعصائر، يقول صديقي “الماريكان كلهم مرضى، حتى الأكل يشتروه في الصيدلية.”
أبلع حبّة دواء، الدوا غالي في الماريكان يا الزّح، ثم آخذ دوش ساخن ثم أضع حصّة إذاعية قديمة على يوتيوب وأنام.

في الصباح أجد رسالة من كاتيا، صديقة جزائرية تعيش في باريس، تُخبرني عن صديقة لها – فرنسية تونسية – تُنتج سلسلة بودكاست عن الموسيقى العربية، ولها اهتمامات بتاريخ حركات اليسار العربية، وتريد أن تُنتج شيئًا عن الجزائر. عن الموسيقى في الجزائر عمومًا. نتحدّث قليلًا عن عملها، ونتفق أنّه لا يُمكن أن نُنتج شيئًا “عامًا” عن الموسيقى. أي موسيقى؟ أي طابع؟ أي فترة؟ تقول إنها مهتمة بفترة الحرب الأهلية، التسعينات، وتتساءل كاتيا عمّا يُمكن قوله، خاصة عن الموسيقى خلال الحرب الأهلية ونحن لم نعش الحرب أصلًا. 
أخرج باحِثًا عن محل أكل جزائري، لم أدخل ولم أجد مكانًا جزائريًا طيلة إقامتي في الماريكان.

على غوغل ماب أقرأ اسم “كافي تيمقاد”، مثل اسم المدينة الأثرية شرق البلاد. من دون أمل ولا أوهام أسير في الجادة الرابعة وأنحرف على اليسار، أتجاوز متحف فنون المرأة وأنزل. الطرقات واسعة، الشوارع عريضة، السيارات تجري وتُفرمِلُ بقوة، نسمة منعشة في الجو. أنحدر نحو ساحة كبيرة، وقبل أن أصلها أرى على يساري، في الأفق، قبة الكابيتول. الساحة تُشبه ساحات القصور في أوروبا، أعمدة عالية ودهاليز مظلمة وبوابات حجرية تُدخِلُ عمالقة. أبحث في الساحة التي يقطعها موظفون عن “كافي تمقاد” فلا أجده. أسأل فيدلني أحدهم على درجٍ نازلٍ إلى أسفل، أنتبه للدرج فيبدو المكان مألوفًا وأتذكر رياض الفتح، ذلك المركز التجاري الاشتراكي الذي يقع في حُفرة.
تمقاد إذًا… لا شيء جزائري هناك سوى الاسم وبعض سِلال القش. على الأقل عندهم قهوة حليب مليحة وكرواسون يصلح ويقرمش. أحمل قهوتي وكرواسوني وأجلس في الخارج. موظفون جالسون في ساعة الغداء. أمامي موظفان خمسينيان وموظفة أقل سنًا، ينتهون من سندويتشاتهم. على جانبي موظفان، امرأة ورجل، في الثلاثينات، يتحدثان بحماس، أو على الأقل المرأة تفعل ذلك. روجية، شعر أحمر وجبهة عالية، لكن جسدها نحيل وتجلس على حافة الكرسي كأنما تحاول إقناع الرجل الذي تراجع في كرسيه بجسده الرياضي وضمّ إبهاميه وبقيّة أصابعه مُشكلا في الفراغ بينهم مُعيّنًا، أو ما يراه الكثير من الجزائريين على أنّه إشارة إلى الفرَجْ. تتحدّث المرأة بحماس عن رحلاتها إلى أوروبا، تقول إنها تُريد زيارة سويسرا (سويسرا ربّك؟ كاش واحد يروح يحوّس في سويسرا!) أشعر أن هناك طاقة جنسية بينهما، وأن أحدهما يترك الآخر يطيب على نار هادئة. ربما الرجل. لا يتكلّم يُراقب ويبتسم، أتذكر كاريكاتير عن وضعٍ مماثل، حيث يستمع الرجل لحكايات المرأة ويُردّد في رأسه: talk shit, I will lick your pussy. 
الجماعة قُدّامي يحكوا على ترامب، الماريكان يحكوا على ترامب طول الوقت، كأنّما لم يستنفذوا مخزون الدهشة تُجاه سفالة الجمهوريين وحركاتهم. أفكّر في الجزائر: لا يُدهشنا شيء، شُفنا كل حاجة. ربما هم قد نسوا الدهشة والخيبة، أو ربما نحن من نسيناها… مش مهم. لا شيء جزائري في المقهى. لا آكل شيئًا. أعود، أعبر الدهاليز المظلمة أسمع صوت أطفال يلعبون، يتردّد بين الجدران، كل الأشياء تبدو مثل فيلم، فيلم رديء عن عميل يحرق كاش حاجة في كاش بلاد، وتعود كاميرا المخرج بسرعة إلى واشنطن لنرى رؤساءه يضربون أخماسا في أسداسٍ ويحاولون حلّ المشكلة. دائمًا ببدلاتهم يركضون نحو ساعة الغداء ويتحدّثون في ظلال الأعمدة وحفيف الأشجار وضحكات الأطفال العابرة. لا أحد يرى أطفال الماريكان في الشارع، أبدًا، هنا تُدرك كم هو مكان خطير.

نهارات واشنطن كانت جميلة، تمشياتٌ طويلة حتى ميموريال أبراهام لِنكُن عبورا بنصب تذكاري لكل من سقطوا في حروب الماريكان اللّي شعلوها في ديار الناس. أقول لإيفا – الذي عانت بلده وتعاني من الاحتلال الروسي – إنهم مجانين مثل الأفلام يحوّلون المعتدي إلى ضحية، ولا يهمّ الآخر في تصنيفهم للضحية والجلاّد، المهم علاقتهم بأنفسهم، إذا ما خسروا جنودًا – مهما كانت الحرب – فهم ضحايا وأبطال. يقول إيفا إنّ هذا صحيح وغير صحيح، ويذكرني بالحادثة التي سقطت فيها مروحية جون ماكين في فييتنام، ويختم: شوف جون ماكاين كيف انتهى بطلًا قوميًا وكاد أن يصير رئيسًا والطيّار الروسي الذي أسقط مروحيته انتهى في الفقر واللامبالاة. أسكتُ وأسأل نفسي إذا ما كان المجد واللامبالاة يصنعان كرامة الإنسان أم هذا غير مهم ما دامت “الأمة” تُصدّق الكذب وتفضّله على الكرامة؟
ذهبتُ أيضًا لمتحف التاريخ الأمريكي الشعبي حيث شاهدنا – من بين أشياء كثيرة – خريطة إلكترونية ضخمة تمثل الهجرات الأوروبية والإفريقية إلى الماريكان، على اختلاف الدوافع طبعًا، فهناك من كان راكبًا على سطح السفينة مسلّحًا وهناك من خطفوه من غابات إفريقيا وجاءوا به في قاع السفينة مسلسلًا.
وتحمل الخريطة والمعرض الصغير خلفها عنوان “كيف صرنا نحن؟” رغم أنّ هذا الـ “نحن” لا يزال غير مُعرّف بالنسبة للماريكان نفسهم، بعضهم يجاهد حتى لا يصير جامدًا وبعضهم يريده كذلك، لكنه يبقى مفتوحًا متحرّكًا بالعًا لكل شيئًا وطاردًا لكل شيء أيضًا.
الطرقات واسعة هناك، في واشنطن، والمباني عالية – لكن ليس كثيرًا – وعريضة ومبنية بالحجر على طراز عواصم أوروبا. الناس في واشنطن، رجالًا ونساءً، يهرولون من باب لآخر ببدلاتهم وتايوراتهم، وخاصةً بادجاتهم المتدلّية من أعناقهم، يفتحون بها أبوابًا مغلقة كثيرة. لم أستطع مجاراتهم كثيرًا في القفز من رصيف لرصيف، والركض بسندويتش في يد وكوب قهوة في اليد الأخرى؛ فضّلت التسكّع حتى التعب. شاهدتُ لِنكُن جالسًا في محرابه، وعكس ما كنت أتصوّر، كان لِنكُن محمِيًا داخل المبنى وليس خارجه كما بدا لي في الأفلام والصور. إيفا قال إنّه يخشى المطر والريح لذلك بقي في الداخل، وعندما وقفت أمامه فهمت لماذا كان يبدو في الخارج ولماذا الإضاءة جيّدة، بسبب الرخام النقي والأبيض الذي صُنِع منه التمثال الضخم والمكان من حوله، يعكس الضوء.
المشي حتى التعب ثم الرجوع إلى الفندق، الطابق الثاني، فوق اللوبي مباشرة. أرى الشارع من خلف حروف النيون الضخمة لاسم الفندق. آخذ دوش ساخن كل ليلة قبل الدخول إلى الفراش والاستماع إلى حلقات من أرشيف الإذاعة الثقافية الفرنسية حول حياة الكتاب، فسمعتُ حياة زيبالد الألماني وروبرت فالسر السويسري وغومبروفيتش البولوني ومالرو الفرنسي الذي كان كذّابًا جميلًا وأفّاقًا بارعًا ومخترع أفق جديد لكل قصة بالية.

في المساء أجري اتصالًا طويلًا مع كاتيا، ونتّفقُ على المشاركة في بودكاست صديقتها التونسية. أكلّم التونسية، تغرقني بالأسئلة عن الموسيقى وتقول إنّي يجب أن أختار من بين الكلمات التي سترسلها لي: خوف، أمل، الجزائر، الاستعمار، الحرب الأهلية، الراي، التسعينات، الشاب حَسني… أتوه. أوقفها وأقول إنّي سأسجّل للبودكاست، لكني سأسجل بضع دقائق عن علاقتي بالشاب حسني فقط. وكذلك أفعل. أحكي عن كيف اكتشفتُ الشاب حسني وحدي، رغم أنّه كان حاضرًا في كل مكان، لكنه كان يخص الآخرين وكنت أنا صغيرًا. أحكي عن شقٍ مهم في أغانيه وأسميه أغاني “اللّي راحت”. حسني لم يغني يومًا عن الغربة، لم يعِشها، بل غنّى عن المسافة، عن الشيرة اللّي يبغيها واللّي قطعت البحر وهو بقى هنا من دون فيزا ومن دون حيلة يضرب ستة في سبعة. أحكي وأحكي، أسمي كل الأغاني “الشيرة اللّي نبغيها” و”راني مرّة هنا مرّة لهيه” و “الفيزا”.

ترافقني أغاني حسني في الصباح، لكني أطردها، أسمع مرّة أخرى لعمر الزّاهي، نفس الأغنية التي أعيد سماعها منذ قدومي إلى الماريكان: روحي تحاسبك يا العذرا. أسيرُ نحو البيت الأبيض الذي اكتشفتُ أخيرًا وجهه من ظهره، وأردّد بداية الأغنية  الحُب ما عطاني فترة وأفكّر في جمال كلمة “فترة” كيف استعملها القدماء بمعنى راحة أو عطلة. الحب ما عطاني فترة / ريحه يهزني كل مسا وصباح. 
البيت الأبيض يبقى بيتًا فقط… وأبيض فقط… حتى عندما تراه من قُدّام. ناس تتصوّر وناس تحتج والبوليس يحز فيهم بهدوء، نفس الكرنفال ككل مرّة. أراقب البيت قليلًا، وأتذكر برنامج “الفهامة” الذي كان يُعرض على القناة الوطنية بداية الألفينات، وفقرته السياسية الساخرة عندما كانوا يتصلون برئيس العالم من العاصمة طُنطُن. ذكرى سخيفة ومضحكة. أراقب البيت، وأرى كل أبوابه مفتوحة والوفود والتلاميذ يدخلون ويخرجون، السماء رمادية ودرجة الحرارة منخفضة، أتخيل الهواء الذي يدور في البيت وأتذكّر عائلتي التي تكره ترك الأبواب مفتوحة ودخول البرد إلى البيت.

في المساء أسير مع الأصحاب حتى الكابيتول، نمرّ بمتحف الصحافة وبقلعةٍ تُشبه قِلاع ديزني لاند، وعندما نمرّ من أمامها نكتشف أنّها “فندق ترامب”. بلادكم مْقَوْدَة خاوتي الماريكان. كلما اقتربنا من الكابيتول ألاحظ شيئًا مهمًا: الكابيتول يمكنك رؤيته على بعد كيلومترات من ميموريال لينُكن، حيث يُشكل خطًا واحدًا معه وبينهما المسلّة الضخمة. لكن عندما تسير على بعد مئات الأمتار منه لا يمكنك رؤيته، بسبب الأشجار في كل مكان، تمامًا مثل البيت الأبيض من الخلف. لم يخطر ببال أحد أن يقطع هذه الأشجار، أقول لهم لو كنا في بلدٍ آخر لقُطِعَت الأشجار. دان يقول لي إنّه في رومانيا، عندما بنى تشاوسيسكو قصر الشعب (أحد أضخم المباني في العالم) قام بِمَسحِ كل ما يُحيط بالقصر من مباني وشجر، يُمكنك أن ترى المبنى على بُعد خمس كيلومترات، يقول لي.

“أب غائب ومُحب أفضل من أب حاضر وعنيف… لقد رأيتُ ما فعله الكثير من الآباء الحاضرين” أسمع هذه الجملة في مكتبة “بروز أند بوليتيك” في آخر ليلة لي في واشنطن. أحدهم قال لنا في الفندق عن هذه القراءة. الكاتب اسمه كييز لَيمُنْ وكتابه اسمه HEAVY.
أركب الطاكسي مع كاتِبتين من أوروبا الشرقية، ونذهب إلى المكتبة التي تبعدُ ربع ساعة. أجمل حاجة في دين أم الماريكان مكتباتها، سواء تلك التي تبيع الكُتب أو المكتبات العامة. المكتبة ممتلئة عن آخرها، نتقدّم بين الرفوف، لا مكان للجلوس. نقتربُ من المقدمة ونقف بين رفّين للكتب الدينية: المسيحية واليهودية ويبقى رفّ الإسلام بعيدًا، في المقدمة حيث سيقف الكاتب.
أسود ومثلي ومن الجنوب، من بلدة جاكسن (ميسيسيبي)، من هناك يأتي كييز لَيمُن. أستاذ أدب إنجليزي، تخصّص نون فيكشن (كيف نُترجم النون فيكشن: غير تخييلي؟ لا تخييلي؟ سرد؟ نص؟) وهو هنا ليقدّم كتابه الأخير HEAVY، كتابه الرابع أو الخامس، وهو عبارة عن سيرة ذاتية عن علاقته بوالدته التي ربّته لوحدها وعن جنسانيته وكذا حياته ككاتب نجح في الخروج من خلفية فقيرة والذهاب شمالًا والتدريس ونشر الكتب قبل أن ينتهي به الأمر إلى ضياع تام والنجاة – على شعرة – من السجن، ليعود إلى الجنوب، الميسيسيبي، ويستقر للتدريس والمشاركة في المجتمع المدني لجماعته (الكوميونيتي، مرّة أخرى).
يقرأ لَيمُنْ، كسائر القراءات في أمريكا، من كتابه لربع ساعة ثم يُفتح النقاش. أغلب الحضور من السود. أول سؤال من رجل أسود طويل، شعره رمادي: تقول إنك تُحب أمك في الكتاب رغم علاقتكما الشائكة، لكن هل تُعجبك أمك؟ دو يو لايك هير؟ لأنه يوجد فرقٌ بين حب الشخص والإعجاب به.
أوف… ينطلق النقاش. يتحدّث ليمُنْ بذكاء وهدوء عن طفولته وعلاقته بالنساء الحاضرات في محيطه، جدته وأمه وصديقاتها، كيف تربى في بلدة فقيرة في الجنوب الأمريكي الغارق في العنصرية والعنف خلال السبعينات.
لأول مرّة في الماريكان شعرتُ أن حكاية الجنوب والشمال قد توضّحت في رأسي. كانت تلك المرة الأولى التي أشاهد فيها كاتِبًا جنوبِيًا (southern) من الماريكان يحكي عن معنى أن تكون جنوبِيًا وأسود. قال لَيمُنْ أنّه يحكي في كتابه عن كيف وجد نفسه في مركز شرطة في نيويورك، بعد أن أوقِفَ في سيارته وهو يقود في حالة سكر. قال إنّه سبحَ بعيدًا عن جنوبه ومشاكله، صعد شمالًا لأجل حياةٍ أفضل ولأجل الشهرة والاسم، ليجد نفسه في الأخير بحياة نصف مدمّرة جالسًا في مركز شرطة. “قلت لنفسي: يا كييز لَيمُنْ، التواجد في مركز شرطة من المفترض أن يكون في الميسيسيبي في جاكسون وليس في نيويورك، أنتَ هربت من هناك لأنك أردت حياةً أفضل، لم تُرد أن تبكي أمك لأنك دخلت السجن أو تعرّضت للقتل.” هكذا تكلّم لَيمُنْ. 
قرّر أن يعود إلى جاكسن، ميسيسيبي. ويضع يديه في الطين هناك، يُدرّس في الجامعة ويكتب ويُشارك في الحياة مع النّاس. هكذا عاد إلى الجنوب. سألته إحداهن، امرأة سوداء جميلة في منتصف الثلاثينات ربما بتسريحة شعر أفرو كبيرة، عن شعور أهله وجماعته لمّا عاد، وكيف رأوا الأمر، وأضافت إنهم يشعرون بالفخر تُجاه هذه العودة. 
“لا فخر لي في هذا الأمر،” ردّ لَيمُنْ.
ثم شرح كيف أنّ هناك الكثيرين مِمّن بقوا هناك، وأسّسوا جمعيات ونشطوا في المجتمع المدني وأنقذوا أرواحًا ودافعوا عن آخرين، وقدموا يد العون، لا فخر له في العودة فهو عاد كما كتب في كتابه “لأنقِذَ نفسي أولاً وقبل كل شيء، ثم أرى ما يُمكنني فعله مع الجماعة.” وأضاف أنّ كل ما يستطيع فعله هو إتّباع الآخرين والسير على خُطاهم وجعل نفسه مُفيدًا. “لا يهم اسمي ولا كُتبي ولا شُهرتي في بعض الدوائر والجامعات، في جاكسن هناك حياة حقيقية ومشاكل حقيقية، عليك التشمير عن ساعديك والمساعدة في صمت.” يختم لَيمُنْ.
لاحقًا تطرّق لَيمُن لجيله من الكتاب السود في الجنوب، للإرث الثقيل والضاغط (أعمال وليَم فوكنر أو إدورا ويلتي، مثالًا) الذي واجهوه، وكيف تعاملوا مع ذلك. ثم ذكر اسمًا لم أكن قد سمعته من قبل: جَسمين وارد، الكاتبة التي وصفها بأنّها “فَكْنَرَتْ فوكنَر” عبر كُتبها. وعرَّج لَيمُن إلى الحديث عن اللغة وكيف يُمكن أن تكتب بلهجة سوداء جنوبية ونصّك يُحرّره وينشره ويطبعه ويُسوّقه ويكتب عنه البيض، جاء هذا بعد سؤال أحد الحاضرين عن سرّ شرح بعض العبارات “الشائعة” في الثقافة السوداء.
هكذا ختمتُ آخر ليلة في واشنطن، العودة كانت تحت المطر والريح، دخلنا مطعمًا فيتنامي ثم طلبنا أوبر وعدنا إلى الفندق. 
في الصباح أخذتُ تمشيةً طويلة في الجادة الرابعة، استقهويت في محلّ Prêt à manger واشتريت سندويتش للطريق الذي سنقطعه بالباص نحو نيويورك، وعُدت إلى الفندق كي أصفّي غرفتي.

هذا النص مقتطف من عمل أطول قيد الكتابة تحت عنوان “الماريكان”