نصبٌ للذّكورة: أميلي نوثومب ترجمة محمّد آيت حنّا

Baroness Fabienne-Claire Nothomb (Amelie Nothomb) by Marianne Rosenstiehl. Source: rusoch.fr

اِبتدأ شهر مايو على نحوٍ حسن.
حوْل البركة الخضراء الصّغيرة أزهرت شجيرات الأزاليه، ومثل شرارةٍ أضرمت النّارَ في البارود، انتقلت العدوى إلى الجبل بأكمله. صرت أسبح وسط الزهور المتوهّجة.
لم تكن الحرارة تتجاوز العشرين درجةً: إنّها جنةُ عدن. كنت على وشك الإيمان بأن مايو شهرٌ مميّزٌ، وإذا بالفضيحة تنفجر: نصَب الوالدان في الحديقة صاريةً ترفرف أعلاها، مثل رايةٍ، سمكةٌ ورقيةٌ حمراء تصطفق في الرّيح.
استفسرت عن أمرها. أخبروني أنها سمكة شبّوط وُضعت تكريما لشهر مايو، شهر الأولاد. قلت لهم إنّي لا أرى علاقة بين الأمرين. أخبروني أنّ الشبّوط هو رمز الذكور، وأنّهم ينصبون هذا النّوع من التماثيل السّمكيّة في المنازل التي تضمّ أطفالاً ذكوراً.
– وأيُّ الشّهور هو شهر البنات؟
– لا وجود لشهر بنات.
فقدت القدرة على النّطق. أيّ ظلم صاعقٍ هذا؟
نظر إليّ أخي وهوجو نظرةَ استهزاء.
أضفت متسائلةً:
– لمَ سمكة شبّوط للأولاد؟
انصرفت خائبة الأمل، مقتنعةً أنّ سؤالي كان وجيها.
بالتّأكيد، كنت قد لاحظت وجود اختلافٍ بين الجنسين، لكن لم يسبق لهذا الأمر أن سبّب لي الاضطراب. على الأرض اختلافات كثيرة: اليابانيون والبلجيكيون (كنت أحسب جميع البيض بلجيكيّين، باستثنائي أنا، التي كنت أعتبر نفسي يابانية)، الصغار والكبار، الطيّبون والأشرار، إلخ. كان يبدو لي أنّ الرجل والمرأة يشكّلان تقابلاً ضمن تقابلات أخرى. وهذه هي المرّة الأولى التي أشكّ فيها بوجود أمرٍ مشبوه خلف ذلك.
أقمت بالحديقة أسفل الصّارية، وأخذت أتأمّل سمكة الشبّوط. ما الذي يجعلها تعبّر عن أخي، أكثر من تعبيرها عنّي؟ وما الذي يجعل الذكورة رائعةً حدَّ تخصيصها برايةٍ وشهر- والأنكى أنّه شهر العذوبة وأزهار الأزاليه؟ في حين أنّ الأنوثة لم تُمنح حتّى عَلماً صغيراً، ولا خُصّت بيومٍ واحدٍ!
ركلت الصارية بقدمي، ولم يصدر عنها أيّ ردّ فعل.
لم أعد أدري ما إذا كنت حقّاً أحبّ شهر مايو. ثمّ إنّ أشجار الكرز باليابان كانت قد فقدت أزهارها: حدث ما يشبه الخريف في شهر الرّبيع. ذوت العذوبة حتّى أنّي لم ألحظ انبعاث شجيرتين في موضع أبعد.
استحقّ مايو فعلاً أن يكون شهر الذّكور: إنّه شهر الأفول.
طلبت رؤية أسماك شبّوط حقيقية، مثل إمبراطور طالب برؤية فيلٍ حقيقي.
لا شيء أيسر في اليابان من رؤية أسماك الشبّوط، خاصّة في شهر مايو. إنّه منظرٌ يصعب تلافيه. في الحدائق العامّة، ما إن تنبثق حفنة ماءٍ، حتّى تظهر فيها أسماك الشبّوط. شبوط الكُوي لا يصلح للأكل –والسّاشيمي قد يشكّل كابوساً- وإنّما للتأمّل والاستمتاع بمنظره. إنّ الذهاب إلى الحديقة وتأمّل تلك الأسماك، هو نشاطٌ متحضّرٌ قدْرَ الذّهاب إلى حفل موسيقيّ.
اصطحبتني نيشو-سان إلى مَشْجر فوتاتابي. كنت أسير شاردةً، وقد تملّكتني رهبةٌ بباعثٍ من العظمة الكبيرة، عظمة أشجار الأرز الياباني التي هالني عمرها: كان عمري أنا عامان ونصف، بينما عمرها هي مائتين وخمسين سنة – كانت، حرفياً، أكبر منّي بمائة مرة.
كان فوتاتابي محراباً نباتياً. وحتّى إن كان المرء يعيش في قلب الجمال، شأنَ وضعيتي أنا، فإنّه لن يملك إلا أن ينحنيَ أمام روعة تلك الطّبيعة المرتّبة ترتيباً محكماً. كانت الأشجار تبدو على دراية بوضعها المميّز.
وصلنا إلى موضع الماء. استطعت تمييز حشدٍ من الألوان. من النّاحية الأخرى للحوض، أتى راهبٌ يلقي حبوباً: رأيت أسماك الشبّوط تقفز لالتقاطها. بعضها كان هائل الحجم. كان دفقاً قزحياً من الألوان، دفقاً ينتقل من الأزرق الرّصاصيّ إلى البرتقاليّ، مروراً بالأبيض والأسود والفضيّ والذهبيّ.
إذا ما ضيّقنا العيون، يصير بوسعنا أن لا نرى سوى ألوانها البراقة في الضوء، فنمتلئ إعجاباً. لكن حين نفتح العيون على وسعها، لا يكون بإمكاننا تجاهل هيئتها الغليظة، هيئة أسماكٍ تُعامَل كنجومٍ، كأنّها راهبات يُفرط في تغذيّتها داخل مزارع سمكيّة.
إنّها ، في واقع الأمر، مثل كاستافيوري خرساء، سمينة ترتدي ثياباً برّاقة. تذكّر الملابسُ الكثيرة الألوان بالنّقانق البليدة، مثلما تستحضر الوشومُ المرقّشة في الذّهن شحمَ الخنازير السمينة. ليس ثمة ما هو أشدّ قبحاً من أسماك الشبّوط. لم يحزنّني كونها رمزاً للأولاد.
قالت لي نيشو-سان بنبرةٍ تحمل أكثر أمارات الاحترام:
– إنّها تعيش ما يفوق المائة عامٍ.
لم أكن أرى في الأمر ما يستحقّ الفخر. طول العمر ليس غايةً في حدّ ذاته. أن يعيش الأرز الياباني عمراً طويلاً جداً، معناه أن تُمنَح سلالةٌ نبيلةٌ مداها الذي تستحقّه، أن يُترك لها الوقت الكافي كي ترسي قواعدَ مُلكها، وتثير الإعجابَ والمهابة الموقّرة اللّذين يفرضهما كلّ صرحٍ بتلك القوّة والصّبر.
أن يطول العمر، بالمقابل، بالنّسبة لسمك الشبّوط، معناه أن يتخبّط في ديمومةٍ دهنيّة، وأن يسلّم للتّعفّن جسمَه، جسم أسماك الطّين ووحل البرك الرّاكدة. ثمّة ما يبعث في النّفس التّقزّز أكثر من الشّحوم الفتيّة: الشّحوم المسنّة.
احتفظت برأيي لنفسي. عدنا إلى المنزل. أكّدت نيشو-سان لأفراد عائلتي أنّ أسماك الشبّوط أعجبتني كثيراً. لم أعارض كلامها، متعبةً من فكرة أن أعرض وجهةَ نظري عليهم.