إسلام حنيش: بمراده

Eve Arnold, Egyptian family at the zoo, 1970. Source: magnumphotos.com

كله بمراده
هكذا اختتمت عمتي حديثنا الهاتفي. القول لجدتي لأبي. كانت تتمتم به، إشارة إلى الله، في كل المناسبات. ولادة، وفاة، زواج، مطر، جفاف، صحة، مرض، خوف، جزع، طمأنينة.
جدتي التي كانت تتسربل بظل الله.
عمتي هذه هي الصغرى. صبية، لا تكبر أبدًا. نناديها باسمها عادة، أو نكنيها بـنوسة“. في لحظات الصفاء، تمارس هوايتها المفضلة في سرد تاريخ العائلة الحديث.
مَأثرة عائلتنا الحكي. الكل بارع فيه بالفطرة. الكل يحفظ التراث، حتى ما لم يعايشه منه. يقص لنا عمي هشام شذرات من قصة حب جدي لجدتي، كما لو كان شاهدًا عليها.
كان جدك أثناء الخطوبة يجلس في غرفة المسافرين مع أبي جدتك. يتبادلون أطراف الحديث طوال الجلسة، ثم يرحل“.
وما الفائدة يا عم إن لم يرها؟
كنت أجلس في مكان يسمح لي بكشف جزء من الطرقة، فكنت ألمحها وهي تعبر مسرعة من غرفة إلى أخرى” – القول لجدي.
كان جدي متوسط الطول. شديد البنية. ناشف. طيب القلب، رقيقه. تُظله الرومانسية. ولكنه لم يكن لينًا سهلًا رغم ذلك. يقوم فجرًا ليصلي، فيضرب بعصاه الأرض مرتين، مناديًا على أبي وعمي.
شهييدوو. يا هيشا“.
ثم ينصرف بلا تؤدة. فيهرول الاثنان للحاق به. كان صحابيًا، أو مثلهم. مات بعد عامه التسعين بعام أو اثنين. قام ليتوضأ لصلاة الفجر، ثم تمدد على الأرض، ووضع عصاه بحذاء جسده النحيل، ونام.
لم نرث عنه قدر الحب. حب العائلة، وحب الحق، وحب الدين. والأهم، حبنا لبونبونملوكي، نكهة النعناع خاصةً. لم يخل دولابه أبدًا من أكياسملوكيالكبيرة المليئة بالسعادة، يوزعها علينا في كل المناسبات السعيدة. صباح كل يوم، نهارات أيام الجمعة، الأعياد، أو حتى بدون مناسبة.
بوفاته اختفىملوكيمن البيت، ولم يختفِ أبدًا حنيننا إليهما.
بوفاته أيضًا دخلت جدتي في دائرة من الحزن والصمت. ولم يشغلها شاغلٌ أكثر من لقائه. كنا نسمعها كثيرًا تنادي وحشتني يا حاج محمد“. ماتت في نفس عمره تقريبًا، متأثرة بتبعات جلطة. وعندما بدأت ذاكرتها تتأثر بفعل الشيخوخة، آثرت الرحيل قبل أن يراودها عقلها على نسيانه.