أحمد الفخراني: التلميذ الأخير

Mansoura, early 20th-century postcards. Source: delcampe.net

-١-
طيلة الطريق من القاهرة إلى المنصورة، كنت أردد لنفسي: لم يكن علي المجيء. أتبع شعورا غامضا بالذنب، أو ربما – وهو ما حاولت إنكاره – أسعى لتحقيق نزوة قديمة: أن يعترف الأديب العجوز، وأستاذي اللئيم فرج الكفراوي بنجاحي، وهو الذي عدّني دوما أقل تلاميذه موهبة.
قبل خمسة عشر عاما، لم أكن أتمنى سوى أن أصبح مثله. الآن، أفعل كل ما بوسعي كي أتجنب مصيره.
كان الكفراوي ملء السمع والبصر، ملكا متوجا، ونجم الندوات ومعارض الكتب والأمسيات الثقافية، وكان يملك السلطة والنفوذ عبر إشرافه على إحدى سلاسل النشر الحكومية. لكن في الخمسين من عمره، عاين ملاك الموت وجها لوجه، بعد أن صدمته شاحنة، فككت أوصاله، فلما نجا بأعجوبة، قرر أن ينذر ما تبقى من حياته للكتابة. اعتزل القاهرة واعتكف في المنصورة بعد أن استقال من إشرافه على السلسلة. أنجز في عزلته خمس عشرة رواية، لكن بعد أن أدار له الوسط الأدبي ظهره، بالمقابل، واجهت النبذ والنسيان.
تعلمت الدرس جيدا. وبدأب عنكبوت ولطف حية، صنعت شبكة علاقات قوية، وضعتني سريعا في مكان بارز، مستغلا في ذلك فراسة فطرية في إدراك نقاط الضعف لدى الوسط الأدبي، وتحويلها لصالحي. فالكُتّاب هم أسهل من تخترق أرواحهم. كل ما عليك أن تفعله هو أن توقظ شيئا ما داخلهم. شهوة مدفونة، غرور تافه، حسد أبله، أوهام العظمة والاضطهاد، نرجسية هم بالأساس مستعدون لها، عداوات حمقاء تستهلكهم. بلى… حيواتهم بتلك التفاهة، مؤخراتهم تجلس فوق فوهات غير آمنة، يفتقدون إلى المحبة، ويفتقرون إلى الاعتراف وتغرهم الكلمات الحلوة والزائفة ويقوّض الذم ممالكهم الهشة. يعلمون علم اليقين أن كل ما ينتجونه قد يكون محض قصور من رمال، قد تقذف بها نزوة ريح، الثغرة المكشوفة التي لم أتهاون في استعمالها.
صعدت درجات البيت. طرقت الباب. وضعت الابتسامة الوضاءة الودود فوق وجهي، ونصبت عيني كسور.
-٢-
عندما اعتزل فرج الكفراوي القاهرة ابتدع حيلة عجيبة، رغم فشلها إلا أنها أثبتت كذبه بشأن زهده من أجل الكتابة. فقد أسس جماعة أدبية، أسماها “الحوت الأبيض” نسبة إلى حوت موبي ديك. وكانت سرية حتى على أعضائها، الذين لم يطلعوا على هدفها النرجسي بأن يظل مؤسسها أسطورة حية تتحدى النسيان، كما جهلوا كل شيء بشأن خطته طويلة الأمد أن تكون مركزا بديلا لكتاب الأقاليم، تتحدى مركزية القاهرة وترزح تحت سطوته.
وقع اختياره على مقهى الأطلال في المنصورة، كمقر لجلستي الثلاثاء والخميس حيث يدخن الشيشة ويخاطب حوارييه الجدد، أما باقي الأسبوع فلا يغادر منزله متفرغا للكتابة.
اختار ذلك المقهى لعدة أسباب فصاحبه لا يكف عن الاستماع لأغاني أم كلثوم التي يعشقها، كما أن ارتباطه بهواة الشطرنج يضمن الهدوء. أما السبب الثالث هو عدم شعبيته بين طلبة الجامعة أو محبي الأدب. فلم يكن الأستاذ – كما كنا نسميه – يسمح لأي شخص بالانضمام إلى جماعته السرية، بل فقط تلاميذ مختارين بعد أن يجتازوا اختبارات قبول.
اعتمد الكفراوي في اختيار التلاميذ على شخصين، د. كارم مرسي ناقد ومدير إقليم شرق الدلتا الثقافي. أما الثاني فطالب بكلية الحقوق في السابعة والعشرين من عمره، له وجه كلب وجسد بغل ويحمل دوما سمت رجل جائع، يدعى السيد جاد، وهو شاعر عامية وراسب أبدي.
وزع الكفراوي الاختصاصات بين وزيريه بدقة، فاهتم كارم بجذب أدباء الأقاليم، خاصة منطقة الدلتا. أما السيد جاد، فكان من نصيبه طلبة الجامعة المهتمين بالأدب. سهل الأستاذ لتلميذه عبر نفوذه رئاسة نادي أدب الجامعة المهيمن على نوادي الأدب الفرعية في باقي الكليات.
رغم جدية وولاء د. كارم، إلا أن نشاط السيد جاد كان الأكثر أهمية وخطورة، فجامعة المنصورة كانت في تلك الفترة اختيارا مثاليا لطلبة من مختلف محافظات مصر، من الإسكندرية إلى أسوان، ومن القاهرة إلى مدن القناة وسيناء، لأنها كانت تطلب مجموعا أقل من نظيراتها. لذا مثلت له الجامعة بيضة ذهبية. الدفعة الأولى تصنع الأسطورة، توزع نسخا من كتبه بقدسية كأنها سر غير مؤهل لمعرفته سوى من وصلوا إلى درجة كافية من النضج، وحين تتخرج دفعة من الجامعة تعود إلى حيث أراد الكفراوي تحديدا: إلى مدنها وأعمالها وعوالمها، وهي تذكر أستاذها العبقري الجليل الزاهد في مقهى الأطلال.
جعل الكفراوي من مقابلته في المقهى حدثا جللا، لا يحظى به أي تلميذ بسهولة. كان يتلقى تقارير أولية من د. كارم والسيد جاد، عن المرشحين لهذا الشرف، يعرفان اهتمامه بأحدهم من تغيير بسيط في ملامح وجهه أو طريقة تدخينه للشيشة، فيُسمعانه أبياتا من قصيدة أو مقطعا من قصة للمرشح، إذا أعجبته فعلى الطالب أن يجتاز الاختبار الأخير: لقاء شخصي مع الكفراوي. عادة ما كان يصل إليه خاضعا مبهورا ومستعدا للاستسلام عبر أساطير رسله. إذا فشل المرشح في اللقاء الشخصي الأول، يلقى صدودا وتجاهلا، ثم يتكفل المحيطون به بافتراسه وطرده من المقهى إلى الأبد.
صمدت حيلته عشر سنوات، أسفرت عن مائة مريد.
عرفت كل شيء عن “الحوت الأبيض” بالصدفة، في ليلة ثمل فيها السيد جاد. أدركت مكاني التافه في خطته، ولم يرضني شيء سوى أن أحل محل تلميذه المقرب، السيد نفسه.
كانت العلاقة بينهما متينة في الظاهر، لكنها تحت السطح رماد ينتظر نفخة نار. فقد كان الأستاذ يسخر أمامنا من ادعاءات السيد المتكررة عن أنه أفضل شاعر عامية في التاريخ، وهو الرأي الذي وضعه على لسان الكفراوي نفسه، كما ادعى أن الأستاذ يكره قصيدة النثر ويعتبرها شرا، بينما الحقيقة أنه يقرأها وينصح تلاميذه بها، ولولا تفرغه للرواية لأكمل بها مسيرته الشعرية التي توقفت. كما أدركت أن السيد جاد آمن صادقا أنه سيرث مكانة الأستاذ كرئيس لجماعة الحوت الأبيض، بعد عمر طويل، بينما الكفراوي لا يراه أكثر من كلب مدرب.
عبر جمل عابرة لاهية مرت على لساني، ثم استقرت كنقيق الضفادع في حناجر تلاميذ آخرين، وسوست للسيد أنه يُفني عمره من أجل الأستاذ دون أن يكافئه إلا بفتات الموائد. وأنه لولاه لابتلعه النسيان. وبصبر ودأب زرعت فكرة أن يحصل على نصيبه من المملكة، قطعة صغيرة لن تضيره شيئا، مساحتها سور الجامعة، وللأستاذ كل ما خارجها.
بدأ السيد جاد في العام الأول تجنيد التلاميذ للأستاذ ولنفسه كند، في العام الثاني بدأ التشكيك في الأستاذ سرا، واحتفظ بأفضل الفرائس لنفسه، ملقيا الموقوذة والمتردية إلى السبع العجوز في مقهى الأطلال. في العام الثالث تحداه علانية في جلستي الثلاثاء والخميس، بل طالبه صراحة بعقد مكتوب، يضمن له السيادة الكاملة على سور الجامعة. ولم يكن السيد جاد الذي وصل بشق الأنفس إلى عامه الأخير في كلية الحقوق ينوي التخرج. فهو يعلم أنه خارج سور الجامعة، مجرد شاعر تافه يلقي قصائد شديدة الرخص، تنافسها الآلاف من فقاعات الصابون في الندوات وقصور الثقافة.
فوجىء الراسب الأبدي، الذي لم يدخل الامتحانات، أنه نجح في كل المواد.
ظل يصرخ كالمجنون في الجامعة بالأداء المسرحي نفسه الذي كان يختم به قصائده الملحمية:
“أنا ساقط يا ظلمة يا فسدة يا ولاد الكلب!”
اعتصم أسبوعا أمام باب رئيس الجامعة، وهدد بالإضراب عن الطعام، وتصعيد القضية إلى الصحف ومجلس الشعب ورئاسة الجمهورية، لكن الأمر انتهى بعلقة ساخنة وليلة عصيبة في مديرية الأمن، فعاد إلى بلدته الفيوم ليبتلعه الغياب. ولم يكن هناك شك أن الأستاذ استخدم نفوذه القديم، لينهي أسطورة الراسب الأبدي، كما خلقها بيديه.
في تلك الفترة، نشر الكفراوي عدة روايات. نجحت الثلاث الأولى منها، لكن مع توالي السنوات، خبا ذكره، عدا بين تلاميذه القلائل في مقهى الأطلال فظهر الفشل العميق لخطته، فما إن يُنهي أي طالب دراسته ويعود إلى بلدته الأصلية حتى ينسى أمر الكفراوي وربما الأدب برمته، أما القلة التي تواصل اهتمامها بالأدب فكانت تنخرط في تتبع ألق أدباء القاهرة. لكنه لم يهتم بل واصل الكتابة بعناد الثيران.
بعد تخرجي وعودتي للقاهرة، واظبت قدر ما استطعت على جلسات الكفراوي. تحملت خلالها بعقل بارد وقلب محموم، مراوغته لي. فهو لم يثق بي أبدا، ولم يمنحني من الأسرار إلا القشور. لكن شيئا فشيئا ومن خلال ملاعبته على ثغرة شعوره بالعظمة وإحساسه أنه لا يقل أهمية عن أهم أدباء العالم، استطعت أن أذيب صقيع المسافة، حتى جاءني الاتصال الهام، والذي انتظرته بشغف طيلة سنوات، عندما قرر أن أكون تلميذه المقرب. سعدت وتجاهلت الوجه الآخر للحقيقة، فقد انفض عنه الجميع، كنت تلميذه الأخير.
-٣-
فتح لي الباب بعينين زائغتين. مازال أثر باق من خبث قديم في عينيه، ازداد عجزا وعنادا. كان يرتدي جلبابا ريفيا لم أعتد رؤيته به، استقبلني بوجه حذر وجملة مريبة:
“هل استجبت لنصحي وتدربت على محو الأثر، أم مازالت تمارس سرقتي بدم بارد؟”
“مازلت أتعلم منك يا أستاذ.”
كان يشير إلى فقرة افتتاحية لرواية لي، نشرتُ فصلا منها في مجلة أدبية. لقد أذهلني التشابه بينها وبين افتتاحية إحدى رواياته. ولا أعرف – عن صدق – إن كان ذلك قد حدث لشدة تأثري به، أم أني فعلت ذلك لأن أعماله حلالا طواه النسيان.
أجلسني في غرفة صغيرة. أعد لي الشاي، ثم جلس أمامي بغطرسته القديمة نفسها.
أتذكر الليلة الأولى التي دعاني فيها إلى منزله وحدي دون رفقة من تلاميذه، كأنها حدثت بالأمس. كان ذلك وقتها حدثا عظيما. حتى أن أغنية “هذه ليلتي” التي كانت تصدح من راديو سائق الأجرة مازالت ترن في أذني، بنفس الخروشة الخفيفة التي لم تزعجني. أتذكر الشارع الخالي من المارة، والأشجار المشذبة بعناية التي تصطف على جانبيه لتستقبل العشاق والحالمين، الجاهزة للانحناء لمنتصر. أقسمت أن أقطن في مكان كهذا يحفه الصمت وتسكنه حوريات الإلهام، وقد فعلت. لم يكن الكفراوي قد عاد بعد إلى مسكنه المتواضع في قرية “ميت مزاح”، حيث نشأ.
قارنت الواجهة الفاخرة للعمارة الشاهقة ببيت طفولتي ذي الجدران المشقوقة، والذي تخنقه رائحة الصرف والجنون. لم تكن تلك هي المرة الأولى التي آتي فيها إلى بيت الأستاذ، لكني كنت دائما وسط صحبة من تلاميذه. الآن. لا منافس. طلب السائق أجرا أكثر من المعتاد، وددت لو أخبرته أن عليه أن يدفع لي مقابل مروره من أمام مبنى تصنع فيه العظمة المستعصية على أمثاله. اكتفيت بصفع باب السيارة، دون أن أمنحه قرشا إضافيا عن الأجرة، فالنقود لا تسقط من السماء ولا تورق بها الأشجار. لم أسمح له أن يفسد فرحي باختيار الأستاذ لي بعد أن صرت في مقعد القرب، والذي شققت الطريق إليه بدمي وروحي.
عبرت المدخل. استوقفني البواب بعين نعسة، وعين يوقظها الازدراء، رغم أنه رآني قبل ذلك عشرات المرات. أقسمت، يوما ما سأرتق عينيه بإبرة وخيط، ليعرف كيف ينظر إلي. تفحص وجهي جيدا أيها القذر، علّقه في رأسك بمسمار صلب، واستعذ من غضبي وانتقامي وغوايتي، فذلك الوجه لم يخلق للنسيان. أسفت أنه مات قبل أن أبر بقسمي.
أخبرته باسمي ووجهتي بملامح تحمل وداعة كاذبة كالفجر. حرصت أن يظهر الاعتداد في نبرة صوتي وأنا أنطق تلك الكلمات:
“لدي موعد عمل مع الكاتب الكبير فرج الكفراوي.”
بنفس النبرة التي كانت تخرج من فم السيد جاد قبل أن يتمرد عليه. تخيلت تلك اللحظة في عقلي من قبل، نسختها أمام المرآة ألف مرة. ولم أفلح في أن أجد نبرة مختلفة.
وصلت إلى الشقة، ضغطت الجرس. هيّأت على وجهي ابتسامة مشرقة وواعدة.
فتح لي خادم عجوز. ابتسمت بود:
“كيف حالك يا سعيد؟”
“أفضل منك يا أعور.”
“لدي موعد مع الأستاذ.”
“جئت قبل موعدك بنصف ساعة.”
“سأنتظر.”
أرشدني إلى أريكة الصالة. أشعلت سيجارة، دخنتها ببطء كما اعتدت. أشربها على أوقات متباعدة، عملا بنصيحة الكفراوي.
سألني الخادم عن ما أشربه. قلت:
“قهوة على الريحة في فنجان.”
قال بنصف ابتسامة وقودها اللؤم:
“كالأستاذ؟”
أومأت برأسي في برود.
أحضر القهوة، دخنت سيجارة أخرى قبل موعدها لأنفث التوتر. رشفت القهوة ببطء، علها تلهيني عن ثقل الانتظار. مرت ساعة كاملة.
“الأستاذ في انتظارك.”
أرشدني الخادم إلى محرابه. لا وصول إليه إلا عبر ممر ضيق وطويل، على جدرانه صور لأغلفة كتبه، الجوائز وشهادات التكريم التي حصل عليها، صور له مع كبار الكتاب العرب، ندواته في معرض الكتاب التي كان نجمها الأول، قبل أن يصير ذئبا منبوذا. كنا نسمي الممر ساخرين بـحائط البطولات، والذي لم يكن يهدف إلا للترهيب والتمهيد لدخول تلاميذه خاضعين بين قدميه.
تبعت الضوء في آخر النفق. عبرت باب الغرفة نصف المفتوح ببطء، لكن بثقة.
كان يجلس خلف مكتبه، محدقا في الفراغ. يملأ الغرفة ضوء أزرق خفيف، وصوت أم كلثوم ينساب من مكان خفي صافيا وحيا، كأنك تجلس في إحدى حفلاتها.
لم أكن أمل أبدا من تفرس ملامحه قبل أن يجعله العجز والهجران أشبه بعود حطب جاف. كان  وسيما ذا ملامح وقورة، بشرته قمحية. إذا نظرت إليه تحبه وتخشاه في آن، شَعره فضي اللون، ناعم، خفيف، رغم أنه كان غزيرا في صور شبابه. له جبين متغضن كعجوز ووجه صاف لشاب لم يعضه الزمن، ورأيت في ذلك أعجوبة بسيطة من أعاجيبه. تشوب وجهه حمرة خفيفة تزيد من جماله، ذقنه حليقة على الدوام. له أنف دقيق، وفم يبتسم ولا يضحك. إذا نصح أشرق وجهه، وإذا غضب أو لام، يشق الرعب صدور من حوله.
أشار لي بالجلوس، قائلا:
جاهز يا بطل.. لدينا ليلة طويلة هنا.
بدأت أغنيةثورة الشكلأم كلثوم.
سألني الأستاذ:
ما أخبار روايتك يا محمد؟
مازلت أحاول يا أستاذ. رواية مرهقة. رغم أن كل أحداثها مرسومة بدقة في رأسي.
كنت أتحدث عن روايتي الأولى. أعطاني كتابا تخيره من مكتبته،خريف البطريركلماركيز. قال ببراءة الذئب: “اقرأه  مجددا ستساعدك الهوامش التي وضعتها في نسختي.
الذئب النابه يضرب على ثغراتي مجددا. كان يشير إلى زلة لسان فضحت يقيني أني أنسخ تقنيات الرواية ولغتها الشعرية في الوصف، ستكون العظمة جاهزة في انتظاري، بل بتفوقي التام مقارنة بالسن الذي أنجز فيه ماركيز عمله. لم أسلم من تلميحاته الساخرة منذ ذلك الحين، رغم أنه لا يتحدث عنه إلا كند.
قلت متجاوزا الضربة:
سأعتصرها في قلبي.
يعجبني اجتهادك. ذات مرة في شبابي، قابلت شابا صغيرا كان يرغب في الكتابة بعد أن سحرته قراءة الروايات. كان مجتهدا لكن موهبته كانت ضعيفة. أخرج عدة نصوص سيئة ومتوسطة، لكن في نوبة إشراق أدرك ما عليه أن يفعله ليشعل جذوة موهبته، أتعرف ماذا فعل؟
أشرقت روحي، منتظرا التهام السر الذي سيسقط من فمه.
صمت لثوان بأسلوبه المسرحي، قبل أن يقول:
ذهب إلى سانت كاترين وتسلق جبلا.
قلت بإحباط:
وهل نجا؟
لا أعرفلم نسمع عنه من حينهاربما أكلته عاصفة ثلجيةلكن ذلك أفضل من إحراق الغابة لقطف ثمرة.
قلت بهدوء:
أنا جاهز للعمل
الأستاذ الذي يُرهب الجميع لا يجيد نسخ نصوصه على الكمبيوتر، يختار تلميذا مقربا كل مرة ليفعل. وها أنا أحظى بالشرف.
من أجل الوصول سأفعل كل شيء، حتى لو كان بالجلوس في غرفة مقبضة لنسخ عمل الأستاذ الجديد، لأتعلم. كيف يكتب، كيف يفكر، كيف ينبت عمله، يحرره، وكيف يرى الزائد كنبت شيطاني ليحذفه، لأسبر أغوار خبرته وحكمته وأتعلم كيف ينفخ الروح في عوالمه. لن أنسخ عمله على الكمبيوتر فقط، بل في روحي.
هيأت نفسي لتشّرب كل كلمة سينطق بها.
لم أفهم الفقرة الافتتاحية. تلك التي ستتسرب إلى رواية لي بعد أعوام، وستظل أصداء عوالمه حية في ما أكتبه، أطاردها كروح شريرة، ونبت شيطاني، بلا فائدة.
لم أتوقف عن النسخ، لم أشعر بالوقت، حتى أدركت أننا صرنا في التاسعة من صباح اليوم التالي. لكنه فاجأني بما لم أتوقعه عندما انتهيت من طباعة الأوراق. شطب على اسمه بقلم أحمر، وكتب اسمي محله، ثم أعطاني إياها قائلا:
خذها يا محمد.
ما هذا؟
روايتك الأولى.
لجمتني الدهشة، أي فخ تنصبه لي، قلت بصعوبة:
لا أفهم.
هذا قرباني لك؟
قربان؟
كي لا تسرقني.
لستُ لصا؟قلت بغضب.
أليس لهذا السبب ترافقني بعد أن أنفض عني كل تلاميذي؟
كل ما أردته هو أن أصبح مثلك.
لكن دون حماقاتي.
نظر إلى بعينيه النافذتين كأنه يخترق روحي، ثم تابع:
ألا تشتهيني يا أعور، ألا تدور تلك الفكرة في عقلك، أن تنتظر حتى يأكلني النسيان، لتكرر تجربتي نصا بعد أن تنزع عنها أخطائي. أليس لهذا السبب تنسخ أعمالي؟
أنا أقدرك فقط كأديب كبير ظلمه القانون الذي سنه بنفسه.
أتظن حقا أن عينيك يخفيان أي شيء؟ أن رداء التملق الكاذب سيستر حقيقتك للأبد؟
أي حقيقة؟
طموح دون قدرة بازغ كحجرين في مقلتي أعمى. روح مختل مضطرب ممزق بين شعور بالاستحقاق والاضطهاد، قلب هو أتون من الأحقاد والكراهية، شهية عاجز لن يشبعها إلا افتراس الجميع.
كل إيماني بك كان محض هباء، لم تراني يوما إلا كلص مجنون حاقد.
لا أحد يمكنه تأكيد هذا سواك.
لم أتفهم رده، غادرت دون أن أتفوه بكلمة، الأرض كانت تميد بي. استندت  في طريقي إلى الخروج على جدران حائط البطولات، يكاد أن يطبق على ضلوعي.
عندما تنفست هواء الشارع مجددا، وجدته راكدا، خانقا. بدا لي الشارع الطويل والخالي من المارة رغم الشمس المشرقة كأنه جوف مظلم يبتلعني. أما الأشجار فصار لها هيئة الرعب: مسوخ تصطف على الجانبين، أكاد أسمع ضحكاتها تسخر مني في عنف. بكيت.
-٤-
لكن الآن، لا خدام. ماتت الزوجة، وانشغل الابن الوحيد. ربما تأتي خادمة من وقت لآخر للتنظيف. لا شيء سوى ذئب عجوز يتعفن في النسيان، يجتر عظمة متوهمة. جاء بالشاي، استمر الصمت لدقائق، قبل أن أقطعه:
ما أخبار الكتابة يا أستاذ؟
أكتب بلا انقطاع، أنجزت روايات كثيرة. بلغت ست روايات.
غير التي نشرت؟
بلىلكنها لم تُطبع بعد.
بإمكاني مساعدتك على نشرها، فوضعي الأدبي الآن يسمح لي أن أرد الدين القديم.
لم يزد ما قلته الكفراوي إلا غطرسة، تجاهل عرضي تماما وبدأ في الهذيان:
قبل أن تأتي بدقائق، كان يجلس مكانك ممثل دار نشر عالمية، عرض علي مليون دولار لطبع وترجمة أعمالي الكاملة، لكني أخبرته أن المرشح الأقرب للفوز بنوبل، يستحق رقما أكبر. طلب مني أن أضع الرقم الذي أرى أني استحقه، رفضت وأخبرته أني أنتظر التقييم الملائم من الدار.
كرامة الأديب فوق كل اعتبار.
قبل عدة أيام زارني إبراهيم الكوني، تحدث لساعات عن رواياتي بفم مندهش، يفصص مشهدا مشهدا ويحلل جمالياته. سألني متعجبا عن سبب عدم خروجي من قرية ميت مزاح، وقال إني لو كنت في دولة أخرى لصنعوا لي تمثالا في قلب كل ميدان. سألني عن ما سأفعله بنقود جائزة نوبل التي بات فوزي بها شبه مؤكد فقد كان قادما من السويد لتوه. قابل في أحد المطاعم رجلا وقورا، وعندما عرف أنه من أصدقائي المقربين، انهار الرجل أمامه، وأخبره أنه أحد أعضاء لجنة نوبل السرية، وبعث برسالة معه إلي: جهز خطبتك أمام ملك السويد أيها الكاتب الأعظم، وامتشق السيف أيها الفارس المخلّص لتخلّص العالم من الموقوذة والمتردية والنطيحة.
أشعلت سيجارة، رشفت رشفة شاي. لقد انتهى الرجل. بدأت التخطيط للرحيل، تابع:
أخبرت الكوني أن جائزتي الحقيقية هي قرائي، وحكيت له عن الطالب الأثيوبي الذي ركب سفينة في رحلة لمطاردة حوت أبيض ضخم مع قبطان مختل. السفينة تاهت وتحطمت، لكن الطالب نجا بعد أن قذفه النهر إلى جزيرة مهجورة بالمحيط الهادىء، ظل حبيسا بها ثلاثة عشر شهرا، كاد أن يجن، لولا أنه وجد نسخا من أعمالي على الجزيرة. قرأها كلها، وأنقذته من الوحدة والجنون، وعندما تم إنقاذه وعاد إلى أثيوبيا قرر أن ينذر ما تبقى من حياته لترجمتها إلى 83 لغة حية وميتة و200 لهجة محكية تتحدث بها أثيوبيا، ليشعل بها جذوة الأدب الأثيوبي.
الأدب الجيد لا يطويه النسيان.
ظل يتحدث عن اللاشىء لمدة ساعة. سب كتاب الجيل الجديد والقديم، ولم يفلت نجيب محفوظ: “54 كتاب ليه؟! الموظف!!” لمت نفسي على المجيء، وانتهزت أول فرصة للاستئذان بالانصراف، عند الباب أمسك معصمي قائلا:
لا بأس لو أعطيتك الروايات غير المنشورة لتطبعها في القاهرة، لا يهم الثمن الذي تدفعه دور النشر. الأديب الحقيقي أغلى من أي سعر.
أعطاني فلاش ميموري يحوي رواياته غير المنشورة، أشار ضاحكا إنه تعلمأخيراالنسخ على الكمبيوتر، خوفا من اللصوص والمعجبين الذين لا يكفون عن زيارة بيته. كنت أظنه يهذي حين قال إنه لم يتوقف عن الكتابة. وضعتها في جيبي وغادرت. لن أساعده أبدا في نشرها. لن أسرقها، لكنها قد تكون ملهمة.
في السيارة، شعرت بالشفقة نحوه. وداهمني إحساس عامر بالذنب، فعدت إليه بعد أن اشتريت تورتة وشموعا، ولوحا خشبيا.
قبل أن أصعد، كتبت بخط جميل على اللوح:
تتشرف هيئة قناة السويس بمنح الأديب العالمي فرج الكفراوي، أول جائزة نوبل مصرية، تقديرا واعترافا برواياته التي توازي في قوتها ما أنتجه أدباء العالم وتتواصل مع تراث الإنسانية العميق بندية والتي وصلت إلى العالمية عبر الغوص في المحلية وعبرت بقوة عن بلد الكفاح المسلح وتحالف قوى الشعب.”
عندما أعطيته اللوحة، قرأ ما بها ثم صاح في وجهي:
لماذا تأخرتم كل هذا الوقت؟ هكذا لا يحصل الأديب العبقري على نوبل إلا بعد أن يتجاوز حاجته إليها.
لكنه كان فرحا بالجائزة، ساعدته في تثبيت اللوحة بغرفة نومه.
وضعت خمس عشرة شمعة في التورتة كرمز لكل رواية نشرها. نفخت الشمع، ثم التقطت صورة لكلينا. سيلفي  لروائي منسي بعينين مرهقتين يشعان رضا، وروائي طموح تبزغ العظمة من عينيه. أقسمت مجددا أن لا أقع في أخطائه، وانصرفت بنفس مطمئنة.