مهاب نصر: المرآة والمهرج

W. Eugene Smith, Charlie Chaplin in Makeup, 1952. Source: christies.com

(١)
في الستينات والسبعينات عندما كنا نسأل الناس عن أية أهداف كانوا يتبعونها، كانوا يجيبون بطريقة متواطئة وواضحة جدا في مجالات الحياة العائلية السعيدة، كما كانوا يعرضون مشاريعهم للتوصل إلى الملكية الفردية، إلى شراء سيارة جديدة () نتكلم اليوم لغة مختلفة جدا حيث توجد مسألة تحقيق الذات، البحث عن الهوية، أو يتعلق الأمر بتطوير القدرات الشخصية ولكن غالبا بطريقة مبهمة () النتيجة هي أن الناس يغرقون أكثر فأكثر في متاهة الشك الشخصي وفي إرجاعه إلى أسباب شخصية، ولا يتوقفون عن الحاجة للتأكد من ذواتهم والنكوص اللامحدود من سؤال إلى آخر: هل أنا سعيد فعلا؟ هل حقا كونت نفسي؟ من هو بالضبط الذي يقول أنا ويطرح الأسئلة؟ أولريش بك، مجتمع المخاطرة

في ثمانينيات القرن الماضي كنت أعمل مدرسا في إحدى المدارس التابعة لوزارة التربية والتعليم في مصر. كنت أنا من يفرض الشروط على جهة التعيين: مدرسة قريبة من البيت (كان بإمكاني الوصول إليها في ربع ساعة سيرا على الأقدام)، اختيار الفترة (حيث كانت المدرسة تعمل لفترتين صباحية ومسائية)… ولأنني كنت كارها للوظيفة لم أتقيد أبدا بكثير من بروتوكولاتها”: لا أحضر الطابور، لا أحمل كراس تحضير، وأتحدى الموجهين المشرفين بأنني قادر على الشرح دون الرجوع إلى هذا الدفتر العجيب. أتغيب كثيرا، حتى إنني حينما تركت العمل كان لدي ملف مخالفات معتبر. كان سلوكي بصفة عامة متمردا، ولكنه مع ذلك كان يجد له مكانا داخل المؤسسة حتى على مستوى التقييم الإنساني.
الشعور بالثبات والاستقرار النسبي، قراءة المستقبل بصورة استباقية سمحا لبيروقراطية أقل ما توصف به التعنت والشكلانية وخواء المضمون أن يدخل في نسيجها خيط يقطع انسجامه الرصين. لم تمر عشر سنوات حتى كانت الأمور قد انقلبت تماما.
يوما ما انفجرت حقيبة في مقهى بالقاهرة، واقترحت على صديقي علاء خالد المشرف على مجلة أمكنة أن نخصص عددا عن الخطر. لكن لم تكن لدي فكرة واضحة، كان الخطر محسوسا كعاصفة غبار مقبلة، تسبقها حساسية في الأنف.
ماذا كنا نقرأ في نهاية الثمانينيات كأشخاص يعدون أنفسهم مشغولين بالثقافة وبأسئلة وجودية كأنها لشخص يقف على حافة سور بناية؟ كتبا نظرية، كما يقال، تجعل من هذا السور ممشى للتأمل. ما كان على الواحد أن يفهمه ببطء، وربما يرفض فهمه من البداية، هو التغير الهائل ومن أين تهب ريحه. كانت المقولات تصنع لنا هوية. وهي مازالت تفعل إلى الآن بشكل مستفز، نوع من رأسمال رمزي، بتعبير بيير بورديو، يضمن استمرار ما يسمى بـالمجال الثقافي، وذلك من خلال سحب الشرعية من المجتمع أحيانا والسلطة أحيانا أخرى. لذلك كان النقد النظري ذو الطبيعة الجوهرية يجد قبولا ومازال: من الجابري إلى فوكو.
لم نأخذ التاريخ أبدا في الاعتبار. هناك علاقة معقدة بين أسئلة صيغت في إطار محليّ وردود فعل تجاه التغيرات العالمية وإعادة هيكلتها في النطاق الوطني لمجتمعات ما بعد الاستعمار. فهذه الأسئلة المصوغة محليا كانت تفقد دائما طرف الخيط، والأهم أن الأسئلة نفسها (لا إجاباتها فحسب) كانت تفتقر إلى الأصالة بقدر ما تغيب عنها علاقتها المركبة بما يسمى أحيانا دول المركز، لكن الأهم علاقتها بالطريقة التي أعيد بها بنيان مجتمعات كاملة وفق صيغة الدولة القومية، والنظام المؤسسي الذي يفترض مفهوما مجردا عن المصالح، ومعه بالتأكيد المنظومة القانونية وشرعية الحكم كنظام تمثيلي.
السؤال الذي كان ينبع من الشعور القومي باسم هوية ناهضة، كان يقف على ممشى متحرك ليجد نفسه في دولة ما بعد الرفاه، بل في الدولة الوطنية التي تكشّف التاريخ عن حدودها الهشة وشرعيتها الضائعة… مع الأخذ في الاعتبار أن مجتمعات الدول التي تعرضت للاستعمار لم تتشكل فعليا كمجتمعات إلا في نطاق استنهاض دولة قومية في مواجهة ما. التحم المجتمع بالدولة في سؤال الهوية، بحيث اتخذت الثقافة نفسها، بل كل سؤال يتصل بالقيم الاجتماعية الملائمة لـالعهد الجديد اتخذ طابعا وجوديا ممزقا وشائها.
ربما هذا ما كان يضاعف من أزمة سؤال الهوية على المستوى الفردي، فالفرد نفسه بدا لا يعرف حتى طبيعة الأرض التي يقف عليها ليطرح سؤاله، ومن ثم كان شيء ما غائبا دائما في هذا السؤال؛ ألا وهو سؤال الفرد عن موقعه بالذات. كان الأيسر أن يطالب ويدين وفق قواعد ومعايير خارجية هي نفسها كانت لا تلبث أن تذوب وتتلاشى، إنه يريد أن يطرح السؤال بلغة تتغير قواعدها كل لحظة وتتركه في العراء مع كلمات بلا معنى.
كل أجيال المتعلمين القادرين بدرجة أو بأخرى على صياغة أسئلتهم الإنسانية (وهو وضع لا يتصل بالضرورة بطبقة محددة ولا بمهنة أو بزمرة اجتماعية) كانو يواجهون أزمة لم يحسنوا التعبير عنها أبدا. إنها تشبه خيانة الأب، ومن ثم، فحتى أشد لحظات النقد لفكرة الأب نفسها، السخرية وسحب الشرعية، كانت تتضمن شيئا خفيا: لقد كانت كأنها إغاظة للأب الغائب، تنكيلا بحلم لم يكن له مكان أصلا. وهنا تكمن المفارقة، إذ أنك تؤكد في لحظة الإنكار ما تنكره فعلا، وتستعيده في هوية مقسومة على نفسها تستمد بقاءها من ديمومة الانقسام نفسه وتتعيش عليه.
من الملاحظات اللافتة حقا أن استُدعيت أفكار ذات طابع فلسفي عام وأعيد إنتاجها لتخدم صراعا وطنيا محليا، وبالأدق: لتخدم ديمومة الصراع المحلي. فالمكان الآخر، الغرب مثلا، ظل في واقع الأمر غير موجود إلا باعتباره استعارة ممكنة، رأسمالا رمزيا يمكن استخدامه كسلاح، وكذا بدا العصر الإسلامي الذهبي المزعوم. لم تكن المشكلة أن لدينا علمانيين وسلفيين بل لدينا استعارات وأقنعة تخدم مواقع جاهزة للتعبئة. هكذا كان الخطاب في الأساس خطاب قوة وحضور. لا يتعلق هذا بأزمة عالمية بصورة مباشرة، بل بإعادة إنتاج الأزمة داخل النطاق المحلي بصيغ تفرغها من محتواها الأصلي، إن صح التعبير. مع هذا، لا يمكن ألا يؤخذ في الاعتبار أنه حتى ولو كانت الثقافة، وفق هذه المنظومة، قناعا فإنها لا تلبث أن تحقق شروطا واقعية. هكذا يصبح الشرط الواقعي متفلّتا دائما، فهو واقع واستعارة في الوقت ذاته، دالّ شريد لا ينتج من ملامسته سوى العنف.
لنقل إن هذا الدال الشريد عوضا عن أن يمثل أرضا مشتركة (وهذا هو جزء أساسي من وضعية الثقافة) للتخاطب، وضامنا ومرجعا للعلاقات البينية، وطريقة أيضا في فهم العالم. بدلا من ذلك كله كان قناعا صامتا، إلها من حجر ورمال. هذه هي الخيانة إذن. لعل قراءة روايات كتاب الستينات في علاقتهم مثلا بالقناع الناصري أن تكون كاشفة عن هذه اللوعة: لقد خذلْتَنا. هذا ما يمكن أن يقوله بطل الحب في المنفى لبهاء طاهر. إن ثمة إلحاحا في الطلب على الأب، ولوعة دائمة مصاحبة لهذا الطلب كأنها تمهيد لخيانته.
كانت ظاهرة البكاء المسجل على أشرطة أثناء الدعاء في الصلوات من أكثر الظواهر تكثيفا ودلالة على هذا الندم الزائف الذي يخفي ندما حقيقا لا يُباح به أبدا. ربنا غضبان علينا لا تعني بالمناسبة أن الله موجود. إن موقعه البنيوي موجود وشاغر، الله مديرٌ وجهه تاركا إيانا نتخبط.
الأب هو موقع خال إذن، بل ثمة رغبة ماكرة في بقائه كذلك، وهذا عن طريق إحراق كل صورة له، اتهامها بالزيف (ربنا ما يقولش كده)، أو دفعها إلى الانتحار.
كل المعاني هي مقاعد شاغرة للمنازعة يدور الناس حولها مثل لعبة الكراسي الموسيقية، لكن دون أن تتوقف الموسيقى. وهذا ما يعطينا انطباعا متناقضا في العلاقة بالزمن: حركة دائبة، وثبات، حركة مفرغة من الفعالية وغير قابلة للتطور أو المراكمة.
إن واحدا من طرق إفقاد جماعة أو سلطة أو حتى فكرة ما شرعيتها، هو معايرتها بهذا الغياب. يُستخدم الغياب كطريقة للمكايدة السياسة والثقافية، وهو ما يمكن أن نسميه نقصا حادا، وكأنه مقصود، للشرعية، لكنه لا يطال النظام السياسي فقط بل مجال القيم والخيارات الفردية نفسها.
وهذا جانب من أسباب الاضطراب في تجسيد شخصيات عامة من خلال الفن. فالجماعة المصرية تمارس الفن فعليا في نطاق الحياة اليومية، إنها تمثل طوال الوقت. لذلك يسقط كل تمثيل لها (بالمعنى الحِرَفيّ للتمثيل) ويخطئ الهدف، لأنه يصبح تمثيلا من درجة ثانية، تمثيلا للتمثيل. وهنا تعثر على المفارقة غير المتوقعة: إن ما تمارسه الجماعة شبيه إلى درجة مرعبة بما بعد الحداثة، لكنه ليس هي على الإطلاق.
هذه الممارسة لا تقع مسؤوليتهاعلى النخب، كما لو كانت مجرد خطأ مقصود، بل هي مشكلة بنيوية تخترق الجماعة البشرية متجاوزة النخب ذاتها وواضعة إياها داخل البنية نفسها… مشكلة تقع على تخوم السياسة والاجتماع والأنثروبولوجيا النفسية. غير أن منتجي الثقافة أعطوا شرعية وهمية لهذه الممارسة بإلصاقها بالأعراف ما بعد الحداثية، وبالطبع فقد خرجوا على كون ما بعد الحداثة مجرد توصيف ومقاربة لوضع حضاري شامل، بإضفاء صفة معيارية عليها أي بالنظر إليها كدالّ مكتف بذاته، وبالأحرى كقناع. وفق ما قلناه لا يمكن الحديث عن عقدة الأب هنا، بل عن غيابه، ثم عن تلك الهوامات المتعلقة به.

W. Eugene Smith, Charlie Chaplin in Makeup, 1952. Source: charliechaplinfans.tumblr.com

(٢)
نحن نعيش فوق الماء، فنهتز لوقع أي قدم  (ثرثرة فوق النيل)
لم تقتل المجرم ولكنك قتلت توأمه ( ليالي ألف ليلة)
نحن نعيش الأيام التي تسبق مباشرة يوم القيامة (ميرامار)
وكما يغطي تلوثه بالقوة يغطيه أيضا بالاعتداء على الفضائل ليجعل من ماضيه قاعدة لا استثناء (الطريق)
هناك في الحارة عرفت أصول الأشياء… إنها العار والقذارة… الماضي كله قذر لايجوز أن يمتد إلى الحاضر (الشيطان يعظ)
ـ يا للفظاعة!
ـ قل يا للحقيقة (حكاية بلا بداية ولا نهاية)

لم يكن نجيب محفوظ الروائي المشغول بفرد يتسكع في مجتمع برجوازي أو يعيش مسحوقا تحت طغيان سلطة، أو متمردا على مكر المؤسسات وحذلقة رأس المال. كان كما لو أنه يجلس في مقهى، في مواجهة شخص خرج توا من مظاهرة مشتت النظر، قبضته مازالت مضمومة على كلمة لم يقلها. لهذا الرجل كان محفوظ يحكي، ولكن ماذا يحكي له؟ ولماذا يحكي أصلا؟ محفوظ كاتب المهمة، تعني المهمة أن أمرا ما لا يمكن أن يستمر هكذا؟ أن تغييرا ما عليه أن يحدث؟ لكن هل بعد الثورة كلام عن تغيير؟ لم يقدم محفوظ لهذا الرجل أقل من أنثروبولوجيا كاملة للحب والكرامة، لماذا تسقط القبضة الثائرة مخطئة الهدف؟ لماذا تنقلب الكرامة إلى سحنة مريضة لاحتقار الذات. كانت هذه الأنثروبولوجيا تغص بالثنائيات، ولكنها كبحث معتبر بدأت بالخروج من الجنة. يعيد محفوظ قصة آدم: الأب، أو الجد الكبير، مفندا صياغة الخطيئة الأولى بصورة مدهشة، وموطنا فكرة الشر والجريمة داخل التصور العام للفرد وللنظام السياسي والاجتماعي على السواء.
صورة الأب ستكون في أولاد حارتنا محتلة البيت الكبير، أو في قلب الليل، على هيئة الجد. لكنها ستكون بوضوح الموضوع الرئيسي لرواية الطريق. كما سيخصص محفوظ مجموعة قصصية لتحمل اسم الجريمة.
وكأي سرد من هذا النوع يبدو الأبطال مشدودين إلى بنية ملعونة، وإلى تاريخ أسطوري لا يلبث أن ينكشف عن فضيحة. وأبطال محفوظ وهم يعيدون إنتاج البنية ذاتها كل مرة يتصرفون بشكل لافت للانتباه. إنهم يعيشون بشكل طبيعي في وسطهم الاجتماعي، ولكنهم فجأة يصطدمون بفكرة، حلم، ضربة جنون. ساقطون يبحثون فجأة عن الكرامة، أو مولهون بحماسة ترفعهم إلى السماء: الشرف والحب والوطنية والتحرر ـ تطيش كلها كنزوة، وكوعد أطلق في لحظة سُكر، يغمر صاحبه بالنشوة والندم. أبناء هؤلاء الأبطال، وربما أحفادهم يمكنك أن تراهم الآن على صفحات مواقع التواصل.
في رواية الطريق يغادر صابر الرحيمي الإسكندرية، موطنه الأول، إلى القاهرة بحثا عن الأب، عن نوع من نسب ينجلي فجأة، لينهي واقعا من الدعارة والبلطجة. الإحالة الدينية هنا واضحة جدا. فالأم صاحبة بيت الدعارة التي تعترف لابنها بأن ثمة أبا غائبا شريف الأصل، إنما تصنع باعترافها هذا هوام الأب الغائب، نقاء أصليا، قوة وطهارة انحدرا من جنة ما. يمكنك إذن ان تتنبأ مسبقا بالسقوط في قصة الرحيمي، رحلة قابلة للتكرار إلى ما نهاية، وهو ما يؤكده حرفيا عنوان مجموعة قصصية تحمل إحدى قصصها العنوان ذاته حكاية بلا بداية ولانهاية. كل فساد في الواقع إنما يُرتكب على شرف هذا النسب تحديدا، هذه اللعنة التي كان محفوظ يريد كسر حلقتها وبعنف. إنه يدفع بأبطاله ليواجهوا الفضيحة: فالولي الصالح الذي ينحدر منه نسب الحارة ليس أكثر من هارب من جريمة، وكانت نزوات العشق تسكن دار ولايته.
يتابع محفوظ منطق الهوام الباحث دائما عن توسط، لكي تعيد صورة الأب إنتاج ذاتها، إنها الجريمة. الجريمة لدى محفوظ ليست فعلا منظما، ليست إرادة شر نبيل، ليست الشيطان، بل الكائن البائس الذي يخطئ دائما الهدف.
هناك فرد ومجتمع أو هكذا يبدو؛ لص وكلاب، بيد أن الكلاب لا تطارد فعليا اللص بقدر ما تدفعه إلى السقوط الكامل. المجتمع يحافظ على درجة التلاعب بالصورة، يتعاطى معها بمنطق استخدامي وضيع. إنه يتقبل نوعا من التوبيخ الذاتي بحجة الأمر الواقع، وليس قبول الأمر الواقع إلا السلطة الخالصة، القوة خالية من المعنى، الحضور (أي الوجود) لمجرد الحضور. نوع  من الوثنية الرخيصة، لا يمكن استمراره إلا بتهديد الحياة نفسها بالانفجار.
إن ما يجعل هذا التهديد بالانفجار أو الكارثة شيئا يمكن التعايش معه يوميا هو استدعاؤه الدائم في الحاضر. فبعكس التهديد الفعلي الذي يعني ضمنا كارثة متوقعة في المستقبل تضعنا أمام مسؤولية التغيير الآن، فإن استدعاء التهديد في الحاضر هو جعل المستقبل الكارثي متحققا في الحاضر، وهو من ثم يفرغ الحاضر من أي محتوى زمني ويحوله إلى لحظة مؤبدة، قدر ثقيل كالذي يشعر به موظفو نجيب محفوظ وهم يسوون طرابيشهم على فروة مشعثة يتصبب منها العرق ويضرب وجوههم الغبار كما في المشهد الافتتاحي لرواية خان الخليلي. المستقبل الآن، ألا تذكرنا أيضا بما بعد الحداثة ولكن بوجه مقبض؟
أول كلمة تصل إلى أذني أحمد عاكف في خان الخليلي هي: ملعون أبو الدنيا. محجوب عبد الدايم في القاهرة الجديدة يتقبل كل أنواع الوساخات تحت الشعار ذاته الذي يمكن أن تجده اليوم بصيغ مختلفة، وبأقلام كتاب متمردين وكأنها خلاصة عبقرية: طُز. طز هذه ملخص معتبر لمقالات وروايات ومجاميع شعرية تكتب إلى الآن وكأنها اكتشاف.
طز نفسها كلمة إشكالية، إن الخلاف الجوهري بينها وبين مطابقة ما بعد الحداثة للهوامات أو للصور والأساطير الشخصية، رغم الحس العدمي في كليهما، هو أن الأخيرة (أي حالة ما بعد الحداثة) لا تقول طز باليأس نفسه، بل تدخل مباشرة في عجلة مؤسسات استهلاكية لا يهمها البحث عن أصالة الرغبة، لا تعتبرها وهما يُلام عليه، بل وهم يمكن إنتاجه واستهلاكه، وهكذا يصبح له سمت التحقق والإشباع والفرح المتحرر من الوهم.
أما رغبات ولعنات أبطال محفوظ فهي حجر يُركل بيأس. لا حزن حقيقيا هنا ولا فرح، كلاهما يسحب من رصيد الآخر. ليبقى العنف وحده عاريا وبدائيا، ساذجا وموتورا بلا وِتْر.
المقطع التالي، وهو اقتباس من رواية ميرامار، يمكن اعتباره حديثا للغاية من حيث الجوهر: فقلت لها تصوري مخلوقين مثلنا عاريين تماما في سيارة وآمنين رغم ذلك من أي تطفل يتبادلان القبل على انفجارات الرعد ووميض البرق وانهلال المطر. فقالت إنه المحال. فقلت: ألا تودين أن تخرجي اللسان للدنيا ومن عليها وأنت في حماية هذه الغضبة الكونية؟ فقالت محال… محال. فقلت ولكنه سيتحقق بعد ثوان. وشربت من فوهة الزجاجة وكلما جعجع الرعد استحثثته على المزيد وتوسلت إلى السماء أن تفرغ مدخرها من الماء. فقالت الجميلة: قد تتعطل السيارة. فقلت آمين. فقالت: وقد يدركنا الظلام. فقلت: وليدم إلى الأبد. فقالت إنك مجنون مجنون. فضحكت بأعلى صوتي: فريكيكو لا تلمني.
الوعي الكارثي (وكأن الكارثة عقوبة منتظرة ومستحقة) هي ما يدفع إلى نوع من الفرح الأهوج الذي لا يختلف عن الندم، حرية تشبه الفضيحة وتستبقها.
استدعاء المستقبل هو حيلة للقضاء على رهابه الحاضر دوما ولكن بالطريقة التي تزيفه، وتجعله مستوطنا الحاضر ومعطلا كل فاعلية، وبعبارة أخرى: محطما كل مسؤولية أخلاقية تجاهه.
في هذا السكون المميت للزمن تنطلق فجأة طلقات الرصاص، أو تسمع صرخة مجنونة. إنها الجريمة أو الفضيحة.
في ليالي ألف ليلة تصبح الجريمة التي تستيقظ على آثارها المدينة كل صباح وكأنها قدر مسلط على أهلها. تختار الجريمة أداتها وليس العكس. أشخاص عاديون للغاية يجدون أنفسهم فجأة وبما يشبه النزوة قتلة ومغتصبين. الجريمة ريح لكرامة طائشة بها ينتهي مصير عباس الحلو في زقاق المدق. إنها تضرب حتى العقول الباردة في لحظة دون أي قرار مسبق (كما في رواية الحب تحت المطر”). جريمة لا تحقق الهدف ولذلك هي جريمة فعلا، أي أنها تعيد مصالحة النسق الاجتماعي على ذاته، مفرغة شحنة التوتر من محتواها.
مطلوب من أفراد يمكن وصفهم، بطريقة ماكرة جدا، بـالأبرياء أن يصدقوا هوام الأب، أن يلتصقوا بصورة من صوره ليجدوا أنفسهم وقد اصطدموا بالخواء، أو سقطوا في بركة قذرة. تنتهي نزوات الثورة والحب والانتقام بما يشبه المهانة. يستخدم المجتع أنقياءه الأغرار. لا ليس المجتمع، بل البنية نفسها هي من ينتدبهم، وبينما يتصورون أنهم يكسرون عجلة الزمن ويكسرون حدود الدور المرسوم، يكون هذا هو المطلوب منهم تحديدا لاستكمال حائطه.
من المهم أن نقرأ مفهوم السلطة بعيدا عن الكتب، وكما يكشف عن نفسه في الممارسة فعلا.
تُعدّ السلطة مجانية في الخطاب السائد للجماعة المصرية، أمر تفرضه الضرورة. لكن هذا ليس كافيا، إنها وبشكل لاواع تمثل استحقاقا لمذنبين طردوا من الجنة. إحنا نستاهل تعبير شائع عن علاقة آثمة. لا يُنظر إلى السلطة إذن على أنها شرعية أو معقلنة، والأهم: لا ينظر إليها باعتبارها كرامة، بل عقابا على ضياع الكرامة. وبشكل آخر تعمل سلطة من هذا النوع على تأبيد البنية نفسها، فكلما كانت السلطة منحطة، ظالمة، لا منطقية، كلما دعّم ذلك مجانيتها. إنها تجعل فرصة الكرامة في مكان آخر خارج هذا العالم. لقد ضاعت الكرامة إلى الأبد.
يعرض محفوظ حلا لأزمة هذه البنية، وهو حل مدهش في الواقع: الخروج من الجنة ليس عارا، بل يصنع الإنسان تاريخه عبر اكتشاف العار والكرامة. في حكاية بلا بداية ولا نهاية يفاجأ وريث الولاية المتكئ على نسبه الشريف بما يقوله له أحد شيوخ الطريقة المخلصون. كان يفترض بالشيخ أن يقف إلى جوار الولاية (التي هي رمز واضح لسلطة تأسست على قداسة مزعومة) في مواجهة صراع محتدم مع جيل جديد يكسر الأوهام المؤسِّسة، بدلا من ذلك ينطق الشيخ بالفضيحة: نعم اسم جدك محرّفٌ من الأجرم إلى الأكرم… ليس في ذلك ما يعيبه. الوعي بالعار هو جزء من طلب الكرامة ذاتها. في قصة أخرى بعنوان أمشير يتبين شاب وفتاة كانا يوشكان على الزواج أنهما ينتميان إلى عائلتين من اللصوص والخونة والبلطجية. يذهب الشاب، في رحلة عكسية، إلى الحارة ليستقصي، يعود بفضيحة التاريخ والخيانة والدعارة. لكن لا بداية جديدة تتأسس على النقاء. هذا ملخص الحوار الذي يدور بين الشاب والفتاة عقب الاكتشاف.
يفضح محفوظ بنية الكرامة الزائفة، المازوخية. يفضح استعظام الإثم باعتباره هو نفسه عامل استمراره الفعلي، وتبرير لا ينفد للخطيئة والنذالة.
يفكك محفوظ البنية الأخلاقية التي تشكلت في ضوئها الجماعة والسلطة معا، باعتبارهما الشيء ذاته.
لكن الروح المثالية البطولية التي تتخلل سرده لا تكشف لنا عن الأسباب التي كونت هذه البنية نفسها، أو عن الشروط التاريخية المعقدة لها. هكذا بدت شطحات أبطاله غير مفهومه أحيانا ولا مبررة، وبدا أبطاله وكأنهم مجاذيب في حضرة الحب والبطولة والانتقام، حتى وهم يتكلمون في أمور يومية بسيطة. يعلن محفوظ، ولو مؤقتا، موت الأب لا كفضيحة للإرادة الإنسانية، بل كبطولة من نوع آخر، كاستشفاء ومسؤولية.
تظل أضعف النقاط هنا هو أن كل ذلك كان يتم في إطار الوطن أو بالأدق وفق روح محلية لا تدرك العمق العالمي والإنساني لمأزقها. وهكذا يصل محفوظ إلى طرح  أفكار بسيطة تجسدها الحداثة: الفرد، العمل، الحرية السياسية، العلمنة إلخ دون إدراك مأزقها الذي انعكس هو نفسه في المجتمعات التي خضعت للاستعمار.