ياسر عبد اللطيف: شهوة الملاك

Hesham Elsherif, from “The Way to Hell”. Source: arabdocphotography.org

في حضرة المشنقة، فوق الطبلية، وردًا على السؤال التقليدي، قال للجلادين ورجال القانون إن رغبته الأخيرة هي أن يغتسل حتى لا يقابل ربّه نجسًا. كان إسهال مائي قد أصابه في الطريق من الزنزانة حتى موضع حتفه. لم يستطع التحكم فيه وهم يجرونه جرّا، كما انفتح صنبور بوله من الناحية الأخرى فوصل وقد ابتل بنطاله الأحمر تماما وتلوث بنفاياته حتى فاحت روائحها بقوة في الهواء الثقيل لغرفة الإعدام. قوبِل طلبه بالصمت التام من قِبل مأمور السجن والقاضي وكبير الأطباء. لو أخذوه للاستحمام فذاك يعني الفترة الزمنية التي يستغرقها مشوار آخر حتى حمامات عنابر الحبس، ثم فترة الاغتسال نفسها، ثم العودة من هناك مرة أخرى؛ وذلك بالتأكيد إهدار كبير للوقت الحكومي، ولوقت الباشوات الكبار الذين جاءوا لاستكمال إجراءات تنفيذ الحكم. أدرك الجلادون مغزى صمت الكبار، فسيق إلى موضعه فوق مركز الطبلية دون تلبية الطلب، وأُحكمت الأنشوطة حول عنقه، وألبسوا رأسه الكيس القماشي الأسود.

استيقظ عاطف ظُهرًا كعادته وكان وحيدًا في البيت. ذهبت أمه إلى عملها وشقيقته إلى الجامعة. وجد جريدة الأهرام على مائدة الطعام في الصالة. كان يقلب الصفحات بتكاسل ودون اكتراث كبير وهو يرشف الشاي عندما وقع على الخبر في أسفل الصفحة الأولى. كانت الحادثة الأولى من نوعها، فرجّت البلد رجّا. وتابع الناس باهتمام بالغ تفاصيل القضية، وحيكت الأساطير حول الضحيتين وعُصبة الأشرار، لا سيّما المتهم الأول. تنفس عاطف الصعداء بعد أن قرأ الخبر مرتين حتى حفظ أسماء المأمور والقضاة وضباط المباحث المشرفين على العملية، ابتسم ابتسامة خفيفة من جانب فمه. وضع الجريدة جانبًا وحمل كوب شايه، ووقف في الشباك. همُّ كبير انزاح، وعادت له راحة البال، وامتلك الفضاء حوله حرّا من جديد.

في شظية كبيرة مثلثة الشكل، من مرآة محطمة  تستند على حوض اغتسال صغير، وقف صلاح يمسد شاربه الكثّ وينظر مليّا إلى عيني نفسه ليرى قدرتهما على التأثير والإخافة. لم يتخط الرابعة والعشرين لكن تلك الحزمة من الشعر الأسود التي ترسم مستطيلا ناقص الضلع تحت منخاريه أكسبته عمرًا مرعبا فوق عمره. تاريخ من الشقاوة والتثبيت واللعب بالمطاوي في مرابع طُرة الحجَّارة وكوتسيكا وعزبة المصري أذاعت صيته حتى المعصرة. في عزبة العسكري الصغيرة، المتاخمة لليمان الأحكام المشددة، وفي حمام بمرحاض بلدي وحوائط رمادية نشعت الرطوبة في أجزائها السفلى وعلاها طحلب أخضر، وقف يمشط شاربه الكث الذي استوحاه من شارب ثابت البطل، حارس مرمى الأهلي والمنتخب القومي المغوار الذي صدّ طاقمًا كاملا من الركلات الترجيحية بلا اهتزاز. كان أبوه سجّانًا في الليمان فاستحق بيتا من تلك البلوكات الرمادية في عزبة العسكري، التي يشغلها سجانو وحراس المُجمَّع التأديبي.
كان صلاح  قد فتح بابًا خاصًا لغرفته على الشارع مباشرةً. يدخل ويخرج دون أن يضطر  للمرور داخل بيت العائلة والاحتكاك بأهله. ويأتي له الأصدقاء ليلا يسهرون للصباح في الغرفة دون أنيجرحواحرمة الدار. وعُرفت غرفة صلاح في عموم طرة كغرزه بإمكان الشباب أن يزوروها متسلحين بأي من صنوف الكيف ليقضوا هناك الوقت الطيب نظير أن يؤمنوا لصلاح نصيبه الخاص مما أتوا به. وبالطبع فاحت الروائح وشوهدت الحقن البلاستيكية وأنابيل الماكستون فورت الفارغة متناثرة تحت شباكها؛ وعلى الرغم من أن الغرفة على مبعدة خطوات من نقطة شرطة طرة البلد، إلا أن ذلك البيت في النهاية مملوك للصول فتحي أبو حلاوة والد صلاح، وهوشئنا أو أبينامن رجال الشرطة المحصنين، وبيته وأبناؤه بالتبعية كذلك، مالم تُجتاز الخطوط الحمراء.

برز الفنان حمدي الوزير في دور الكمساريضيففي فيلمسوّاق الأتوبيسللمخرج عاطف الطيب. الفيلم عن قصة للمخرج محمد خان الذي لم يعتد الكتابة لا لنفسه ولا لغيره، وهو يحمل روح عوالمه أكثر مما يحمل روح عوالم عاطف الطيب. فهو  كما تخيله خان فيلمطريقمن النوع الذي يهواه وقدمه أكثر من مرة. سائق حافلة حكومية، ويمتلك تاكسي ليحسّن دخله، يجوب القاهرة يوميًا مستعرضًا شوارعها، بل ويقطع الطرق السريعة خارجها نحو دمياط وبورسعيد ليزور شقيقاته وأبنائهن، ويطلب المساعدة من أصهاره لإنقاذ ورشة أبيه. وهنا يبدأ تدخل السيناريست بشير الديك والطيب نفسه، فيرفعا القصة، أو يهبطان بها بالأحرى، للمستوى الرمزي، وتتحول ورشة الأب المهددة بالهدم إلى أمثولة عن ضياع الوطن، وتتحول القصة بأكملها إلى هجائية لعصر الانفتاح وانهيار القيم الأبوية الجميلة. ويتصاعد ذلك المنحى عندما يكتشف البطل الذي جسده نور الشريف البعد الوطني والنضالي لقضيته، فيستدعي زملاءه السابقين في الجيش ليساعدوه على إنقاذ الورشة/الوطن. كان سائق الباص الوطني الأسطى حسن زوج الحسناء شاهقة الجمال ميرفت أمين يعامل مساعده الكمساري ضيف/حمدي الوزير كما يعامل أستاذ في معهد المسرح تلميذًا موهوبًا يشي بفنان بارع، فيتسامح مثلا مع العلاقة الناشئة بينه وبين شقيقته الحسناء، وهذا نحسبه من شطحات خان. هكذا، وبخلاف عدد من الأدوار التلفزيونية المتفرقة، وجد حمدي الوزير مكانه بين قطاع من ممثلي الأدوار الثانية المجيدين في عقد الثمانينيات مع فنانين من طراز محمود مسعود ومحمد كامل وحسن العدل. وكان دورضيففي سواق الأتوبيس هو أوضح حضور للفنان حمدي الوزير حتى تاريخه. وكاد أن يثبت عنه صورة ابن البلد الأسمراني الشهم الطيب، لكن للقدر تصاريف أخرى.

غدًا امتحان اللغة العربية للصف الأول الثانوي. عاطف ويونس يجلسان في غرفة الأول وأمامهما نسختان من كتابالأضواءفي اللغة العربية مفتوحتان، ونسخة قديمة من روايةديفيد كوبرفيلدعلى جانب الطاولة. جهاز الكاسيت بجانبهما يذيع أغنيةالقديسون في الجحيملجوداث بريست، وصوت الجهاز خفيض ليضفي على جلستهما سمت التركيز في الاستذكار. عاطف يقصّ على يونس كيف عضّ ديفيد يد ميردستون زوج أمه، ويضحك. يسأله يونس: هل تعتقد أن ديفيد كوبرفيلد هو تشارلز ديكنز نفسه؟ الامتحان غدًا، لكن ذلك غير مهم. وكانت ذبذبات الهيفي ميتال تفعل فعلها مع توتر فقد موضوعه بعد أن بدت المدرسة بكل ما تعنيه كيانًا سخيفًا ناسه غارقين في الافتعال والتظاهر؛ عالم يستحق قطيعة تقطعه. وقف الصديقان في النافذة يدخنان ويطلان على سور معهد اللاهوت المقابل لغرفة عاطف. كان هادئا وغارقًا في صفائه المسيحي وكأنه في مكان آخر غير القاهرة. كأن خداعا بصريا أخبرهما عن شخص يقف منفردًا بجوار السور. المسافة ليست بعيدة، لكن الظلام والضوء الأصفر الشحيح لعمود الإضاءة الوحيد جعلا وجود ذاك الشخص شبحيًا. حدقا، فتبين أنّها فتاة في بنطال وقميص أبيضين واقفة تدخن بمفردها بجوار السور، وتبدو كمن لا ينتظر شيئا. تراجع دافيد كوبرفيلد، ودقات درامز جوداث بريست تراجعت، وعلى الرغم من الساعات القليلة التي تفصلهما عنه تراجع امتحان اللغة العربية الوشيك، والذي يفتتح أسبوعين من الهم والقلق ينتهيان لتبدأ إجازة الصيف. بدأت الإجازة الآن. عطلة من كل شيء يحتل فراغها فضول عنيف دفعهما للنزول من الغرفة لمطالعة خبر تلك الفتاة الواقفة وحدها تدخن بجوار سور المعهد.

فيما يأكلالطبخة السوداءوهي باذنجان مقطّع ومطهو بالماء دون مرق أو دسم، وبلقمة كبيرة من خبز السجن الطازج، مضغ حصاةً اختبأت وسط الدقيق فكسرت أحد ضروسه العلوية طوليًا حتى الجذور. الألم الرهيب أفسد حتى اللحظات القليلة التي لا تزال تنبض بالحياة مع مذاق الخبز الطازج وحده. حتى تلك الرائحة للأرغفة الخارجة توًا من الفرن والتي تحرك غدد الحياة في جسد محكوم بالإعدام ارتبطت خلال الأيام التالية بالعصب المنخور الذي يدق كمطرقة في المخ مباشرة. صارت رائحة الخبز الساخن هي رائحة ألم الضرس المُذِل. طلب من العريف مصيلحي سجّان العنبر أن يساعده في الإحالة إلى مستشفى السجن ليرى طبيب الأسنان، فيخلع ما تبقى من الضرس أو يكتب له دواءً يسكت ذلك الطرق الذي يثقب اليافوخ ويبكيه كالنساء دون اعتبار للبذلة الحمراء ولا لـأرجوحة الرجالالتي تنتظره. كان مصيلحي قد خدم مع أبيه لسنوات في سجن العقرب ويساعده كثيرًا، لكن لا حيلة في الإعدام. فوعده أن يفعل ما بوسعه، وأعطاه بعض حبات القرنفل الجاف المعروف بتخديره لألم الأسنان وقال له: “خد عضعض في دولهايريحوك شوية لغاية ما نشوف موضوع المستشفى“.

اقترب عاطف ويونس من الفتاة وهما يفتعلان فتوةً وجرأة. كلّمها يونس أولًا وسألها إن كانت تحتاج أي مساعدة. فأجابت بالنفي. أثارتهما وقاحة نظراتها. كانت تبدو من عمرهما أو أكبر قليلًا. تدخن بشراهة. سألها عاطف عمّا تفعل في هذا المكان، باعتباره من سكّان تلك البقعة ومسؤولا بشكل ما عن صدّ تسلل الغرباء إلى المحيط. قالت إنها لا تفعل شيئا، ومستعدة لفعل أي شيء، ولكنها جائعة جدًا! تصاعدت الإثارة حتى منتهاها. داخل رأس كل منهما دار السؤال الغريزي: هل سأرى أخيرًا ذلك الشيء؟ هل سألمسه وألجه وأشم رائحته؟ هي فتاة حقيقية. تبدو مطرودةً أو مشردة ولا تنتمي للمنطقة بأي حال من الأحوال. تقف في ظلام شارع ١٥ وحدها تدخن لا تلوي على شيء ومستعدة لأي اقتراح.  قال عاطف: لنقفز السور إلى ملعب الكرة التابع للمعهد ونجلس هناك في الهدوء. الرهبان نائمون الآن وهم أصدقاؤنا على أي حال ومسالمون بطبيعتهم. ردت الفتاة بحدة: “لا ما أنطش أسوارجيبولي أكل وبعد كدة اللي عايز يخلَّص يخلَّص“. زادت كلمةيخلّصمن استعار خيالهما. كانت المرة الأولى التي يسمعان فيها فتاةً تتكلم بهذا الوضوح. سألاها عمّا تريد أن تأكله. “آكل كبدةآكل سجقلحمة مفرومةفول بقوطةأي حاجة“.  لفتت كلمة لحمة مفرومة انتباه يونس. كلّ ما قيل مفهوم. سجق وكبدة وفول، لكن اللحمة المفرومة تبدو غريبة في هذه الجملة. هل تؤكل وحدها. أيبيعها أحدهم مطهوةً؟ تذكر عربة سندويتشات الكبدة بجوار محطة الثكنات. ذاك الرجل يبيع بجانب الكبدة نوعين من السجق: نوع إسكندراني مبهر ونوع آخر مفروط من أنابيبه المعوية يبدو بالفعل كلحم مفروم مجهول المصدر.
عرّفا نفسيهما، وعرفت الفتاة نفسها باسمعتاب“. ولم يشك كلاهما أن ذاك ليس اسمها وأنه مستعار من اسم المطربة السعودية الأفريقية التي كان قد ذاع صيتها في القاهرة تلك الأيام نفسها. اتفقا أن يأخذاها إلى كشك سندويتشات الكبدة نفسه عند محطة الثكنات. النقود القليلة في جيوبهما تسمح بذلك، والمسافة خمس دقائق من السير. سار ثلاثتهم بحذاء سور معهد اللاهوت في  شارع ١٥حتى التقى مع شارع ٨٧ فانحرفوا فيه يسارًا في اتجاه المحطة. وبعد دقيقة أخرى كانت على يسارهم بوابة مدرستهما الرئيسية، وكان عم عبد الظاهر الغفير جالسًا يدخن المعسل على الجوزة جوار الباب.  ألقيا عليه التحية وهما مترددان فرد باقتضاب ونظر لهما بفضول أثاره وجود تلك الفتاة الغريبة بجوارهما. لكنهما لم يكترثا وواصلا السير. وبعد بضع عشرات من الأمتار قابلا هشام عبد الله زميلهما في الفصل يسير عائدًا في الاتجاه المعاكس، ويحمل تحت إبطه كتبًا مما يعني أنه عائد من درس خصوصي للمراجعة النهائية ليلة الامتحان. وقفا ليسلما عليه وعرّفاه على عتاب. أدرك من تلقاء نفسه الموضوع، وقرر الذهاب معهم إلى بائع السندويتشات إياه، مُمنيا نفسه بالشيء نفسه الذي يتمناه زميلاه.
بجوار محطة قطارثكنات المعاديثمه ما يشبه السوق الصغيرة، تضم متاجر وحوانيت تبيع بضائع وخدمات مختلفة: بقال كبير وآخر صغير، متجر للأدوات المنزلية، تاجر دواجن وسباك ومتجر خضروات وفواكه، ومقهى شعبي لا يؤمه سوى سائقي التاكسي، وعربة الكبدة الزجاجية التي احتلت رصيف المشاه عند التقائه بسور المحطة. وفي ذلك الحيز الذي استقطعته بين العربة والسور وضع الرجل طاولتين يأكل عليهما الزبائن. على واحدة منهما، وإذ وصل أصدقاؤنا الأربعة وجدوا حمادة المغربي وعلي حمد جالسين إلى طبق به هرم من السندوتشات وآخر به حفنة من قرون الفلفل الأخضر. جلس الركب إلى الطاولة المجاورة، وتقاطعت التحايا والأحاديث الصغيرة بين الطاولتين. وما إن انتهت عتاب من التهام عدد من السندوتشات، حتى كان حمادة وعلي قد انضما للطاولة الأخرى، وللرحلة نفسها. تحركوا جميعًا من لدى بائع السندويتشات بحثًا عنمُكنة؛ الركب الذي بدأ  بعتاب مع عاطف ويونس، ارتفع إلى أربعة أفراد بعد أول منعطف ثم صاروا ستة بعد مغادرة المطعم كعصابة من قطط ذكور تزحف خلف رائحة الشهوة لدى قطة حائض يزدادون قطًا جديدًا عند كل ركن. صرحت عتاب بأكثر من طريقة أّنها لا تقبل مضاجعات الهواء الطلق. وعليه، فكما تم استبعاد ملعب الرهبان، تم استبعاد فناء مدرسة فيكتوريا الذي يسهل التسلل إليه، والمناطق المهجورة على شريط السكة الحديدية، وحديقة شارع القنال المظلمة، وصحراء دجلة القريبة.
قال حمادة المغربي إنه يعرف شابًا من طرة يعمل في محل الحلواني القريب اسمه خالد الخواجة سيستطيع أن يدبر مكانًا بالتأكيد، فهوصايعكبير. توجهوا جميعًا إلى الحلواني، ودخل حمادة المتجر ليخرج لهم بخالد الخواجة. كان شابًا نحيفا طويلا وفي الضوء الكابوسي لمصابيح الفلورسنت الخضراء التي تزين واجهة المحل تبينوا وجهه المليء بالندبات والجروح القديمة. قال الخواجة إنه سيأخذهم  إلى صديق له عنده مكان مأمون في عزبة العسكري. ولم يتطلب الأمر سوى عبورمخرّ السيلأو المجرى المائي الفارغ الذي يفصل المعادي عن طرة، ثم تجاوز نقطة الشرطة، ثم  محطة قطار طرة ثم بانحرافة بسيطة كانوا جميعا في قلب العزبة بين بيوتها الشبيهة بمكعبات رمادية من طابق واحد. وعند أحدها طرق خالد الخواجة بابًا جانبيًا فخرج له شاب قصير بملامح غاضبة وشارب كث مربع لم يكن سوى صلاح أبو حلاوة نفسه. وقفوا هم الستة على مبعدة خطوات: يونس وعاطف وهشام وحمادة وعلي وبينهم عتاب في ملابسها الرجالية لا تبين أنوثتها، فيما أخذ الخواجة يهمس لأبو حلاوة بما لا يسمعون.
بعد نحو دقيقتين اقترب أبو حلاوة منهم وخلفه خالد. وقال: تعالي يا عتاب نومتك عندي الليلة دي. ثم موجها كلامه لجمع الشباب: مع السلامة انتو بقى وما نجيلكوش في حاجة وحشة. وبهدوء شديد واستكانة انسلت عتاب من وسطهم ودخلت تحت جناح أبو حلاوة. فكر عاطف: هذا شاب قصير، هو متين ويكبرني ببضعة أعوام لكنه أقصر مني نحو١٥ سنتيمترًا ونحن عصبة. وكان يونس يفكر: نحن في منطقته، لا فائدة من الاشتباك معه. خسرنا المعركة بضربة قاضية في الجولة الأولى وطارت عتاب. انبرى عاطف متشجعا بتفوق قامته رأسيًا على أبو حلاوة وقال له مُصطنعًا لهجة حادة: يعني إيه يا باشا؟ هو خالد قال لك إيه؟ مش ده الاتفاق! رأى أبو حلاوة تلميذًا في نحو السادسة عشر يتبجح ويسائله مُغترا بطوله. فدفعه في صدره دفعة مؤلمة وقالامشي ياد ياخول منك له من هنا“. ومضى نحو الداخل ساحبا عتاب من ذراعها. وعندما همّ خالد الخواجة بالدخول معهما استوقفه وقالارجع ياله مع العيال دي عالمعادي زي ما جيت بيهم“. عاد الركب مطأطئ الرؤوس، وفي الطريق أخذ عاطف ويونس يقرعان الخواجة بتهكم سام وسط ضحك الثلاثة الآخرين. وبدا الخواجة بطوله الفاره ونحافته وندبات وجهه تافهًا للغاية.
وبعد بواخ المغامرة، واحتقان الآمال، تبقت حقيقة وحيدة وهي أن امتحان اللغة العربية بعد ساعات، وأنه سيفتتح أسبوعين من السهر ووجع الرأس.

 

فاصل عن الضحايا

Actor Hamdi Al Wazir, based on a YouTube image

حصل صفوت بسطويسي على الشهادة الثانوية من السعودية حيث كان يقيم مع أبيه وأمه اللذين يعملان هناك. ولما كان من الصعب في مُلك آل سعود التحاق طلاب أجانب بالتعليم العالي، عاد الولد الوحيد ليكمل تعليمه في القاهرة وجاء معه أبوه في مهمة محددة: أن يسجل الولد بإحدى الكليات ثم يعود إلى الرياض. لديه الشقة في مدينة نصر، واشترى له سيارة جديدة. لكن بعد معادلة الشهادة السعودية اتضح أن مجموع صفوت لن يؤهله للالتحاق بأي جامعة في التنسيق، ولم تكن الجامعات الخاصة قد ظهرت بعد في اقتصاد التعليم المصري، فلم يتبق له سوى المعهد الفني الصناعي بشارع الجلاءلكن الولد أبى واستكبر أن يتخرج في النهاية فنّيًا، أي عاملا يدويا. فإن اقتضى الأمر معهدًا من ذوي العامين والشهادة المتوسطة، فليكن على الأقل معهدًا تجاريًا يجعله محاسبًا، وإن في الدرك الأسفل للياقات البيضاء. لكن حتى المعاهد التجارية في القاهرة لم تكن لتقبله بذا المجموع، وإذا كان مصرّا على هذا النوع من الدراسات فعليه أن يلتحق بأحد معاهد الأقاليم. لم يكن أبوه ليقبل له بغربة فوق الغربة. فهنا في القاهرة شقتهم التمليك، وهناك أعمامه وأخواله في شبرا والهرم ليراعوه بين حين وآخر، كما سيوصيهم الأب.
وبعد بحث واستقصاء، اهتدى الولد ووالده إلى معهد لا يخضع لنظام التنسيق بشارع مجلس الشعب قرب وسط المدينة يقال لهمعهد اللاسلكي، زعم مسؤولوه أنّه يضمن لخريجيه وظيفة ضابط اتصالات في المطارات أو السفن التجارية. كان اللقب مغريًا: ضابط اتصالاتضابط اتصالاتضابط اتصالاتليكن.
وفي ذلك المربع المليء بالوزارات والمصالح الحكومية، والمحصور بين شارع قصر العيني وشارع مجلس الشعب وضريح سعد وشارع المبتديان، تتناثر عدة مدارس من طراز خاص قريبة من معهد اللاسلكي. فهناك مدرسةحُسن المسرَّات الثانوية المشتركةوهي مدرسة خاصة بالمصروفات لا تقدم تعليمًا أجنبيًا أو مميزًا، هي فقط بوابة لدخول التعليم الثانوي العام لمن لم يحصلن أو يحصلوا على مجموعات مؤهلة في الإعدادية. ويجب ألا ننسى مدرسةالإنشاءالتي قامت بالأساس على فكرة فصول التقوية المسائية. وقد لاقت الفكرة نجاحا ساحقا لجمعها مساءا بين طلبة مدارس البنين وطالبات ثانويات البنات في فصول واحدة، فيكون التعارف والتعليق، وتعليق الآمال طويلة الأمد أو قصيرته.
دخل صفوت ذات مساء إلى قاعة المحاضرات ليحضر درس شفرة موريس وهي من فنون البرق والتلغراف، ليجد الطلبة جالسين وأمامهم سندانات الإسكافية التي توضع عليها الأحذية مقلوبةً ليدق الجزمجي مساميره فيها يركب نصف النعل مقصوصًا من إطارات طائرات أنتينوف الروسية البالية. كان الطلبة يدقون بالمطارق على الأحذية صبيانًا وبنات. لم يفهم صفوت جيدًا وظنّ أنه أخطأ المكان. ما للجزمجية والأحذية باللاسلكي والشفرات، لكنه تعرف على زميلته منى الدَنَف تمسك بشاكوشها كأمهر جزمجي. وقبل أن يدرك تماما الموقف رأى أحد الطلبة ينسحب من أمام سندانه وحذائه المشهور في وجه السقف ليجري خلف طالبة خرجت بعد اسئذان المحاضر وهو يصيحأنا وراك لما أدوبك يا سكروأطلق صفيرًا رفيعًا إذ يمرق من باب القاعة.
منى الدنف تخرجت في حسن المسرَات المشتركة إلى معهد اللاسلكي، وغني عن القول أنها كانت من طالبات الإنشاء المسائية أيضًا. ومدرسة حسن المسّرات اسم على مسمى. كنتَ ترى الطلبة متأنقين والطالبات متزينات بماكياج كامل في الصباح الباكر تدق كعوبهن العالية أرصفة شارع المبتديان وتسمع في الجو  همسهن رقيقًا كاليمامات. تسكن منى حي المنيل المشهور، وتعبر جسر قصر العيني سيرًا على الأقدام مع عشرات البنات في المرايل الكحلية يغبطنها على التبرج المتاح في حسن المسرات، والذي تحظره كلّ المدارس بصرامة لا تطبق على أي شيء آخر في العملية التعليمية. بنات المير دو ديو الفرنسية يلبسن قمصانًا صفراء، وبنات قصر العيني الثانوية ومدرسة السنية التاريخية يلبسن المريلة الكحلية أو تنورة من اللون نفسه مع قميص أبيض. أما طالبات حُسن المسرّات لا، كل يوم في هندام وذوق مختلف. وهكذا، ظلّت منى تتحرك في مربع حي سعد زغلول والمنيرة طوال فترة الثانوية وما بعدها.
سيارة صفوت من طرازبونيأولى إنتاجات شركة هيونداي الكورية. لم تكن للسيارات الكورية سمعةٌ طيبة وقتها، لكنّ تصميمها الذي يحاكي طرز يابانية أكثر جودة وشهرة انطلى على منى الدنف. ومع الأداءات المتعالية لصاحب البوني، وسط أغلبية من الطلبة البائسين، وإذ كان الصلف والغرور جذّابين للجنس الآخر زمنها، سرعان ما اشتبك صفوت ومنى في علاقة. كان اسمه يدهشها، تجده مثيرًا في حد ذاته، صفوت صفوت صفوت. اسم نادر، لا تذكر أنها عرفت شخصًا يحمل هذا الاسم إلا لاعب كرة شهير اعتزل من سنوات وإذا أضيف لهذا الاسم اسم عائلته صار جرسه الموسيقي علامة مسجلة على تلك الطلّة الواثقة التي تعجبها: صفوت بسطويسي!
وفي الليلة المشؤومة رفضت رفضا باتا أن تذهب معه إلى شقته في مدينة نصر، وتحججت ببعد المسافة بين المنيل وبيته. فكر في المعادي، فشوارعها المشجرة يلفّها ظلام لا يقطعه بصيص ولا يمر به عابر. وبالفعل أقنعها أن المعادي قريبة من المنيلسيجلسان هناك في سيارته فيهدوء، يشربان زجاجتي بيرة ويتكلمان قليلا ثم يعيدها إلى المنيل قبل العاشرة. وهناك ركن السيّارة البوني في شارعالقنالالمظلم تحت أشجار الكافور العتيقة. “الدنيا كحل!” قالت منى خائفة ومستثارة في الوقت نفسه. قال لها صفوت: “أحسن“. ثم فتح زجاجتي البيرة وقدم لها واحدة آملا في أن يجعل الكحول ليلته لينةً. بدأ بقواعد التهذيب وإمساك الأيدي الرومانتيكي. لاحظ استسلام يدها في كفه العريضة؛ تركتها دون تفاعل ولا انسحاب، فاعتبرها علامةً طيّبة. لم تكن العتمة تامةً، فبخلاف أضواء المدينة التي تترامى من بعيد منعكسة على السماء، فيستطيعان تمييز خياليهما، كانت ثمة لمبات حمراء وخضراء متناهية الصغر تومض وتنطفئ في نظام غامض من  جهاز الكاسيت في السيارة. إيقاع أضوائها يتراقص وفق لحن الأغنية الدائرة، لكن لما كان الصوت منخفضًا عند درجة الصفر لدواعي التخفي، بقيت تلك الذبذبات الملونة تتراقص بشكل عشوائي غير مفهوم وتاهت وداخت خلفها رأس منى تمامًا وزجاجة البيرة سعة ٧٥٠ سنتيلتر القديمة لم تبلغ منتصفها. قبّل خدها قبلةً خفيفة استكشافية فبقيت ساكنة، فتشجع وهبط بشفتيه على عنقها وأمعن في التهام الشرايين الحساسة تحت أذنها فبدت أمارات الاستجابة أخيرًا، إذ وضعت كفها على وجهه تقربه، برقة، من عنقها أكثر فأكثر، وتضغطه عليها. بلغ مؤشر الحرارة أوجه وجنَّ جنون اللمبات الصغيرة في كاسيت السيارة الفخيم، وعندما أخذت يده تنزلق من على صدرها نزولا حتى زرّ بنطالها الجينز تحله فالسوستة تفتحها، أفاقا بغتة على أشباح تدق على زجاج السيارة ووجوه والغة مخيفة تتطلع إليهما. ولم يكونوا سوى صلاح أبو حلاوة وخمسة من أصحابه. كان ذلك بعد شهور من واقعة عتاب فتاة الكبدة واللحم المفروم. وكان يونس وعاطف قد نجحا في الامتحانات نفسها، وبلغا الصف الثاني الثانوي (شعبة أدبي) بقدرة قادر.

نفدت حبات القرنفل المُسكّنة، واستيقظ الألم عفيًا أطار النوم وجعل أبو حلاوة يعضّ في البطانية الميري التي يرقد فوقها. وكأن سيخًا رفيعًا من حديد ينغرس في فكه الأعلى وحتى المخ. يسمع نبض قلبه في عظام وجهه كدقات ساعة طنانة فتطفر الدموع من عينيه رغمًا عنه. يدعو الله أن يأتي الصباح سريعًا، فيستيقظ السجن ويأتي له العم مصيلحي بحبات قرنفل جديدة أو قرص أسبرين أو ربما بخبر من الإدارة عن إحالته إلى المستشفى. ولكنه يعرف أن الله لن يلتفت إليه، وربما كانت تلك الآلام القاتلة تكفيرًا عن ذنوبه التي لا تحصى قبل أن يلقى وجه كريم، وعليه أن يعانيها للنهاية. ولكن ها هو الأمل يبتسم، ويستجيب الله لعبده الخطّاء، إذ انفتح باب الزنزانة بعد الفجر بقليل عن وجه عم مصيلحي وبجواره طبيب السجن في معطفه الأبيض؛ أخيرًا سيأخذونه إلى المستشفى. ولكن لماذا يجيء المأمور بنفسه أيضًا لهذا الشأن؟ ومن هؤلاء الضباط والرجال الآخرون في بدلهم الملكية؟ لا يستلزم التحويل إلى المستشفى كلّ هذه التشريفة! فهم الأمر بعد لحظة من وجوههم الجادة، وتراجع إلى عمق الزنزانة مذعورًا وخارت كل قواه. لم ينم طوال الليل. أمسكه عسكريان قويان من تحت إبطيه وأخرجاه  شبه محمول. احتضنه العريف مصيلحي على باب الزنزانة وربت على رأسه وقالاجمَد يا صلاح وخليك راجلكلها دقايق“. كان ألم الأسنان الممض قد طار تماما وتبخّر. ما من مسكّن أقوى من خوف بهذا الحجم.

بعد أربع سنوات من الواقعة التي هزت المجتمع المصري عام ١٩٨٥، أعاد المخرج سعيد مرزوق إنتاجها في فيلمهالمغتصبونمع تغيير لبعض التفاصيل كالأسماء والأماكن. احتفظ للمجرم الأول باسم عائلتهأبو حلاوةوغير اسمه الأول. لعبت دور الفتاة الضحية نجمة زمنهاليلى علوي“. وأراد المخرج، الذي عُرِفَ بتوجهه شبه النسوي، أن يجعل جسد المرأة نقطة ضعيفة تتقاطع عندها صراعات المجتمع وتردياته، كما سبق وقدم في أفلامه القديمة منذالخوف،مكان للحبوحتىالمذنبونومرورًا بـأريد حلاُالذي قيل وقتها إنه ساهم في تغيير قانون الأحوال الشخصية الظالم للنساء. ولكن السينمائي الطليعي القديم لم يتبق منه في هذا الفيلم سوى موسيقى تصويرية وضعها الملحن محمد هلال في محاكاة صريحة لألبومأوما جامالفريق الروك الإنجليزي الأشهر بينك فلويد، والذي كان مرزوق قد وظفه من قبل في فيلمهالخوفدون إشارة تحمي حقوق الملكية الفكرية ولو رمزيًا. جاء الفيلم متماشيا مع التيار الرئيسي لسينما الثمانينات في مصر. فلا هو اقترب من الموجة الطليعية التي كانت في ذروتها بأسماء كمحمد خان ورأفت الميهي وخيري بشارة وعاطف الطيب، ولا هو جنح ناحية سينما المقاولات الهزلية قليلة التكلفة. كان فيلما عاديا يمكن أن يخرجه أحمد فؤاد أو نادر جلال أو محمد عبد العزيز. استعان مرزوق لتجسيد عصبة المغتصبين بنجوم الصف الثاني السابق ذكرهم: حمدي الوزير ومحمد كامل وحسن العدل مع الممثل المخضرم محمد فريد. لعب محمد كامل دور المتهم الأول صلاح أبو حلاوة، الوحيد منهم الذي حُكِمَ عليه بالإعدام، وهو بالفعل يشبهه قليلا على الأقل في شاربه المستطيل، وإن كان كامل أطول كثيرًا وأقل شراسة في الملامح من أبو حلاوة الحقيقيثم بعد عامين لعب حمدي الوزير دور مغتصب آخر في فيلمقبضة الهلالي(عام ١٩٩١) من بطولة لاعب الكونغ فو يوسف منصور وإخراج إبراهيم عفيفي. بدا ذلك التسلسل انحدرًا في مسيرة حمدي الوزير الفنية من محمد خان وعاطف الطيب إلى إبراهيم عفيفي مخرج الأفلام الرخيصة، مرورا بسعيد مرزوق في لحظة تدهوره الفني. كما أدى تكراره لدور المغتصب في فيلمين تجاريين على التوالي إلى ترسيخ تلك الصورة عنه. حاول بعد ذلك، في عام ١٩٩٧ وفي احتفالية بالمسرح القومي لتأبين الكاتب السوري سعد الله ونوس، أن يستعيد صورة الممثل الجاد، فلعب دورا رئيسيا في مسرحيةطقوس الإشارات والتحولاتالتي أخرجها شقيقه حسن الوزير لهذه المناسبة، لكن العرض قُدِم بالتوالي مع نسخة أخرى للمسرحية ذاتها وعلى خشبة مسرح الأزبكية نفسه قدمتها فرقة مسرح المدينة اللبنانية من إخراج نضال الأشقر. كانت المقارنة بين العرضين مجحفةً، لا لحمدي الوزير وشقيقه فقط، لكن لكل تراث المسرح المصري العريق. وفشلت محاولة الوزير في إنقاذ مسيرته من بين براثن صورة المغتصب وطواه النسيان بعدها، خاصة مع اضمحلال صناعة السينما والدراما التلفزيونية في مصر، وظهور أجيال جديدة من الممثلين يفوقون كميًا حاجة السوق المنكمشة. حتى شاعت السوشيال ميديا جماهيريًا بالتزامن مع انتفاضات الطبقة الوسطى سياسيا على المستوى العربي. ومع تلك الوسائط ظهر جيل جديد من فناني الجرافيك والكاريكاتور والفيديو يتلاعبون بالصور ويخطفون معانيها لسياقات مختلفة فتتولد مفارقات مضحكة، ويتخلق نوع جديد من الكوميديا المكتومة. ضحكٌ كالبُكا لا من مرارة السخرية، لكن من توقف المفارقة عند درجة الصفر، من ارتدادها على ذاتها والتهام مُطلقها لنفسه مُلتفا وعالقًا في سخافته التي هي سخافة الحياة نفسها. كأنّه يقول لها ها هي بضاعتك أردّها إليك أيها المجتمع. وكأنها، إن صح التعبير، نوع منالكوميديا الدادئية“. وفي هذا السياق بُعثت صورة حمدي الوزير من جديد على السوشيال ميديا. صار أيقونة كوميدية عن المٌغتَصِب تطابقت مع أيقونة صلاح أبو حلاوة المنسية بعد إفراغها من محتواها المأساوي. أُخذت لقطة ثابتة له من فيلم قبضة الهلالي، وهو يلوي شفته العليا جانبًا ويغمز بإحدى عينيه، من مشهد يتوعد فيه غريمه في الفيلم يوسف منصور في إحدى المواجهات القتالية بينهما، ووظِّفت كاريكاتوريا في عشرات المفارقات بعد أن أُزيحت دلالتها من منطقة الحرب والشجار إلى المنطقة التي تخص فكرة الاغتصاب والذكورة والجنس. هي قصة عن الانزياح. تحرك حمدي الوزير من السينما الطليعية نحو سينما الأكشن التجارية، من ابن البلد الطيب إلى المغتصب، من المغتصب الثانوي ترقى إلى المغتصب الرئيسي ليزيح  محمد كامل في الذاكرة الشعبية الضعيفة. لقطة من فيلم قبضة الهلالي تشتهر باعتبارها لقطة من فيلم المغتصبون. وعاد حمدي الوزير إثر ذلك للظهور على شاشات التلفزيون في البرامج الحوارية، لا للحديث عن أدواره ولا عن نفسه كممثل، لكنه عاد كأحد نجوم السوشيال ميديا الشعبيين، كأحمد التباّع وسعيد الهوا والخليل كوميدي. وبدا غير مستاء، بل وسعيد بتلك التوظيفات الكاريكاتورية لصورته، فعلى الأقل أخرجته من أدراج النسيان. حتى ظنّ بعض الناس أنه يقف خلف تلك الحملة الكوميدية بنفسه، ليعود إلى الأضواء من جديد. ولكن أنى له بهذا الوعي الفائق، هو المنتمي لحقبة الثمانينيات الإشكالية، وأنى له بالقدرة على تطويع تلك الوسائل والوسائط المعاصرة لمصلحته!

قطع عاطف الضاحية بطولها سيرًا على الأقدام في ربع ساعة، من أقصى جنوبها حيث بيته، إلى أقصى شمالها حيث بيت يونس. يريد أن يعيد له كتابثرثرة فوق النيلحسب الاتفاق، فالرواية تخصّ والد يونس وهي من كتبه المفضلة، لكن بخلاف إعادة الكتاب كان توّاقا إلى أن يزفّ لصديقه بُشرى الخلاص. كان يونس قد نسي أمر أبو حلاوة منذ وقتها، ولم يندهش كثيرًا عندما تم القبض عليه مع الخمسة العاطلين الآخرين في القضية التي عرفت إعلاميا بقضية فتاة المعادي. لكن بالنسبة لعاطف، كان أبو حلاوة هاجسا يوميا منذ ليلة عتاب في الربيع الماضي. فعاطف هو من تهور وكاد أن يشتبك معه في منطقته وأمام بيته. وللحظ التعس فإن موقع بيت عاطف بنهاية شارع ١٥ يتاخم حدود طرة البلد وهو نقطة عبور شبه يومية لأبي حلاوة عند مروره بين الحيين خارجًا من طرة أو عائدًا إليها. وفي الأغلب، كان يصادف عاطف واقفًا في شباك غرفته كعادته، فيتوقف أمامه ويتأمله بابتسامة باردة ويمسد جانبي شاربه كمن يتوعده. كان عاطف يرد بابتسامة استهانة مناظرة، لكن مع الوقت تسرب إليه الخوف كمرض نبع من الداخل. تصاعد من هاجس بسيط حتى صار رعبا مقيمًا ، فأمسى يسارع بإغلاق النافذة ما إن يلمحه قادمًا. لم يكن يخشى شخصيًا من ذلك العرص، ففي اشتباك حقيقي وإذا سقطت الأحكام المسبقة قد يصرعه. وتذكر نصيحة عطوة صديقه حارس مرمى فريق المدرسة: إذا تشاجرتَ مع من هو أقوى منك لا تلتحم معه جسديا وناوله الضربات من بعيد، ركلا ولكما. ووفق سيناريو مماثل، ونظرًا لفارق الطول بينهما، فعاطف كان ليهزم أبو حلاوة لو أتيحت مثل تلك المواجهة، وواتته أثناءها سرعة بديهة المتشاجرين المهرة. لكن خوفه، وبشكل غامض، كان متعلقًا بأمه وشقيقته وببيتهم في العموم. لم يكن على يونس، لحسن حظه، أن يعاني من كل هذا؛ فنظرا لموقع بيته على الطرف الآخر من الضاحية، لم يصطدم بوجه أبي حلاوة منذ ليلة عتاب، إلا على صفحات الجرائد وفي التلفزيون.
جلس الاثنان في الشرفة المثلثة الملحقة بغرفة يونس، وقال عاطف إن أنيس زكي بطل ثرثرة فوق النيل شخصية مذهلة وإنه يفكر مثله تماما، لكنه كان يظنّ أن الناس في الستينات كانوا سعداء. قال يونس إن التعاسة قديمة. واتخذ الاثنان سمت كهلين عركتهما الحياة، وصمتا قليلا يتأملان الشارع في الأسفل. وجدها عاطف لحظة مناسبة ليلقي خبره السعيد، فقال: “مش أبو حلاوة خلاص! باي باي!” قال يونس :”غار في داهية، قريت في الجرنال النهاردة“. وفي لحظة تذكر الاثنان وجه عتاب دون اتفاق، وقال عاطف مقلدًا صوتها الأخن: “آكل كبدة، آكل سجق، لحمة مفرومة، فول بقوطةأي حاجةوبعد كدة اللي عايز يخلص يخلص“. وانفجرت ضحكاتهما في الشرفة.

 

حلمت أنني قابلت الفنان حمدي الوزير وجها لوجه في ذلك البار بوسط القاهرة الذي يديره رجل عراقي غامض. كان الفنان يجلس وقد شاخَ على طاولة اصطفت عليها أطباق شرائح الخيار والجبن البيض بالطماطم والفول النابت وأمامه زجاجة ستيلا من الطراز القديم سعة ٧٥٠ ملليلتر . كنت واقفًا أمامه كمتهم ماثل أمام وكيل نيابة وهو يجرع من البيرة ويقضم شرائح الخيار، ويتأملني بين الغضب والتهكم. قال ليتُنصّب نفسك مؤرخًا وناقدًا سينمائيا وأنت تزيف الأحداث وتغير الحقائق. قلت لهلستُ ناقدًا سينمائيًا ولا أرغب في كتابة أي تاريخ. أنا فقط أتأمل الأحوال وأصف الأفعال كما قال الشاعر، ولي فيها مآرب أخرى كما قال موسى النبي“. دعاني للجلوس وهم في بدء حجة جديدة، لكن الشلة كلها وصلت لحظتها، الفنانون أحمد عبد العزيز ومحمود مسعود ومحمد كامل وحسن العدل وحسن الوزير، فانشغل بأصدقائه، ووجدتها أنا فرصة وانسحبت خارجًا من المكان. استوقفني العراقي مدير البار عند الباب وقال:لم تدفع حسابك!قلتُ: ”لم أطلب شيئا والحساب عند الأستاذ حمدي“.

تذكر تقارير الطب الشرعي في عدد من الدول التي تُطبِق حُكم الإعدام شنقًا، أن نسبةً كبيرة من المشنوقين، إذ تسقط أجسادهم في البئر بعد فتح غطائها المعروف في لغة السجون المصرية بـالطبلية، وإذ تتدلى تفارقها الحياة ببطء، فإن الذكور تنتصب أعضاؤهم التناسلية لدرجة قذف المني عند الموت أو بعده بقليل. كذا المشنوقات من النساء، يعتورهن انتفاخ في الأعضاء التناسلية الخارجية كالشفرين والبظر. وفي إنجلترا القرن التاسع عشر، زمن تشارلز ديكنز، حين كان الإعدام شنقًا لا يزال معمولا به، سُميت هذه الظاهرة شعبيًا بـشهوة الملاك“. وهي الظاهرة التي يفسِّرها العلماء بتأثير ضغط حبل المشنقة على المخيخ. فإصابات المخيخ والحبل الشوكي،لدى الأحياء تصاحبها عادة حالة الانتصاب المتواصل والمؤلم المعروفة بالقساح. وأشهر حالاتشهوة الملاكفي تاريخ الطب الشرعي المصري، والتي أشار إليها المؤرخ الأديب صلاح عيسى رُصِدَت لدى المشنوقين الثلاثة محمد عبد العال وعرابي الصوامعي وعبد الرازق يوسف من الرباعي الذي شكل عصابة ريا وسكينة لقتل النساء وسرقة مصوغاتهن في الإسكندرية بين عامي ١٩١٩ و١٩٢٠. أما حسب الله مرعي رابعهم،  وزوج ريا، فلم يمرّ بهذه الخبرة لحظة إعدامه. وكان التفسير الشعبي لذلك وقتها هو انعدام رجولة حسب الله الذي كان معرّصًا قوادًا بالسليقة. ولأن ولدنا وابن مناطقنا صلاح أبو حلاوة مجرم محترم، ولا يقل جلاله الإجرامي في سجل الجنايات المصرية عن عرابي الصوامعي أو محمد عبد العال فمن المرجح أنه ختم تاريخه المشرف بشهوة الملاك، واستحق اغتسالاً رمزيًا لم ينله، إثر جنابة ما قبل الطبلية وجنابة ما بعدها.