فرات الحطاب: متّة، عرق، مشمش

By Forat Alhattab

في عالمي الموازي الزيارات لا تحدد مسبقا. تَطرق الباب وتدخل. وإن لم يكن أحد في المنزل تترك محرمة على الباب، غصن شجرة، ليعلم من أردت زيارتهم أن هنالك من مرّ على ديارهم. النسخة المتطورة من هذه الوسيلة هي ورقة “حضرنا ولم نجدكم”. ويبقى سر من وضع المحرمة لغزا قد ينتظر أياما لينكشف صدفة في السوق، أو لا ينكشف. من ترك لنا محرمة قبل يوم سفري؟ نسيت أن أسأل أمي إن كان انكشف السرّ.
في عالمي الموازي، ينبت المشمش في جنينتا دون إذن منّا. المشمشة التي أكلتها منذ أكثر من سنة ورميت بذرتها دون أي اكتراث قد تكون هي أصل هذه الشجيرة. لكن من أكل بذرة الشجرة في الجزء الثاني من الجنينة؟ 
وكيف تمرد مشروع الرمانة لتنبت الشجرة خارج سور الجنينة؟ هل لأننا أكلنا يوما الرمان على الحافة وتساقطت بعض حباته هناك؟ كيف شبّت شتلة قرع لا على البال ولا على الخاطر في حوض بينما الشتلة التي زُرعت مع سابق إصرار وترصد تعاني قصرا في النمو؟ هل طيّر الهواء بذورا كانت أمي تنشفها تحت الشمس، ورماها في واحدة من الجنينات القريبة؟
أمي شكت لي بحرقة مجزرة اليوريا التي نفذها السيد الوالد بحق “مسكبة” البقدونس. اليوريا هو نوع من المواد الكيميائية التي توضع للنباتات. تجاهل أبي كل طلبات أمي بإبقاء البقدونس أورغانيك وقام برش المادة على البقدونس في ريعان شبابه فـ”حرق دينه”. تتابع أمّي بحرقة قلب على مشروع التبولة الضائع  وتزيدني من الشعر بيت: “ولك حدا بيحط يوريا للريحان!” يبدو أن البقدونس لم يكن الضحية الوحيدة.
غرفة شمالية باردة وغير مشمسة تهاجمك برائحة النفتالين في بيت ستّي وجدّي. وجدت في أحد خزاناتها شال فطّوم ستّي، الأبيض ذو الأطراف المطرزة بالأبيض أيضا. لا يزال الشال متمسكا برائحتها ويحارب في معركة مع هواء الغرفة رافضا أن يستسلم. أغمره، أشمّه وأهمس: اشتقتلك أم صطيف، ثمّ أعيده إلى مكانه وأغلق الخزانة.
“الدرسوار” في الصالة، لا تزال فيه علب الكالونيا الصغيرة (ذات الرائحة القاتلة، التي يوزعونها في الموالد ويرتديها الكبار بعد الحلاقة خلف الأذنين) مبعثرة على الرفوف. لم يستخدمها أحد منذ وفاة جدي ولم تتحرك. تجدها تحت علبة البسكويت الخادعة المملوءة بكل الأشياء التي لن نحتاجها حتى ولو بعد قرن ولكن أحدا لا يرضى أن يحركها. مقصّ الخياطة الحديد الكبير الذي يزن نصف كيلو أيضا قابع في الدرج الثالث من الدرسوار. مرة، أرادت ستّي أن أقص لها شعرها. هل كانت أول مرة أقص لها شعرها؟ يجوز. لم أجد غير مقص الخياطة الحديد، وقررنا المجازفة. النتيجة كانت قصّة كاريه طويلة من جنب وقصيرة من الجنب الآخر. ضحكت ستّي وهي تنظر في المرآة: “أوه! يا مشحّرة،” ثم أضافت في محاولة لإقناعي وإقناع نفسها: “ما بيسايل (أي لا يضر) أشّو أنا مين بدو يطّلع عليي مرا كبيرة. وبعدين بحط هالأمطة (الشال) على راسي وخلصنا!” لازلت أحتفظ بشعرها.
في بيت ستّي وجدّي ليس للأنماط البصرية أي قواعد. تضارب الألوان الفاقع يصبح محببا. السيراميك الأزرق بالزهور الرمادية. يلتصق به قماش مخملي أصفر ذهبي وبني وأسود للأريكة، البلاط منقّط بألوان رخامية غامقة. الصالون ذو الموكيت البني والبيج فوقه السجادات الملونة. جحيم أي مصمم بصري لكنه مساحة أمان.
هنالك نقول عن خزانات المطبخ: خُرسْتَان. عن وسائد الأرض: دَوْشَك. عن الأريكة: ئْاطِع. عن مغرفة الطعام: كُبْجَايِة. أدعوا على أحدهم بأن “تجيه نكبة” وأتفاجأ قائلة: “أُوه! يا حزيني”. وعندما يسألني أحدكم كيف الحال أقول لهم: “برنجي”.  فتسترخي عضلات في وجهي لم أكن أعلم أن اللهجة الشامية البيضاء قد شنجتها.
هناك أشرب المتة قبل وبعد وخلال كل نشاط. ودوما في آخر الليل يقول أحدهم: “قوموا نشربلنا كاسة متة والله ما تهنيت بولا كاسة من الصبح.” أحاديث المتة واهتماماتي تشمل كل شيء: ارتفاع سور التحويطة للكروم والقصص التي ترافقها، من نَزل إلى كرمة السارقون لأن سورها منخفض، ومن تلاسن مع رئيس البلدية لهذه الأسباب؛ زيتون الزيت الذي لا يصمد في برد الضيعة وإمكانية تحمل شتلات عفرين للصقيع؛ هل ستمنع البلدية أيضا أن تركن السيارات على يمين ويسار السوق؛ من بدأ الشغل على خط لبنان-الضيعة؛ كيف تبقي إبريق المتة في درجة الحرارة المناسبة للصبّ؛ من خطب، من تزوج، من طلّق (بغض النظر إن كنت أعرفهم أم لا).
في عالمي الموازي، أسأل صديق العائلة قبل أحد السهرات إذا ما كان ممكنا شرب الكحول معهم في تلك الليلة فيغيظني ويقول: “لا نحنا منحط منشرب عرق، وإنتي بتحطّي حسرة بقلبك” ثم يمضي السهريّة وهو يسلل لي كأس العرق خفية حتّى لا تبقى حسرة بقلبي. أتنذّر بالمجتمع الذكوري فيضحك ويمدح عظمة هالعرق.
أستيقظ يوما على صوت طرق الباب. أجد أبو عبدو (الملقّب بديغول لشدة شبهه به وهو لقب أحبه جدا لأنني ظننت لفترة طويلة من حياتي أنّ هذا اسمه الحقيقي) يقول لي: “أوه، لساتك نايمة؟ اسف أنا فيقتك.” وقد جلب لي رزمة من ورق العنب قطفها من كرومه لأنني كنت أتحدث قبل ليلة إنني لا أجد ورق عنب لليبرق في تونس.
من يمرر لي العرق خلسة ويجلب لي ورق العنب ويصبّلي كاسة متة في عوالمي الحالية؟