عائشة أحمد: الرجل الآخر

David Alan Harvey, Dasha in Outer Banks, USA, 2015. Source: magnumphotos.com

من خلال تخريمات شالها الأبيض تتطلع إلى البحر. ترى الطفلة في المايوه البنفسجي تروح وتجيء بدلوها البلاستيكي الصغير، تملأه بالماء وتفرغه على الرمل حيث تبني قلعتها الطينية مع أختها. آثار قدميها الصغيرتين مطبوعة على الرمل في مسار محدد، ووالدهما يرشف مشروبه ببطء من الزجاجة الحمراء مراقبا المشهد من بعيد.
تستلقي على المنشفة السوداء وقد ثبتت أحد أطرافها حقيبة ظهر ثقيلة وفي الطرف الآخر حذائها الفضي اللامع وكتاب كانت تقرأه. الريح تهب باردة والشمس فوقها لاهبة. تشعر بالعطش لكنها أكسل من أن تعتدل في جلستها وتبحث عن عبوة الماء لتشرب، تكتفي بأن تغطي وجهها بشالها الرقيق لتحمي بشرتها من وهج الشمس، وتغمض عينيها. تغفو لوهلة وتستيقظ على أصوات الأمواج المتكسرة على الشاطئ، والنوارس الوقحة تدوم في السماء القريبة وتحط سريعا لالتقاط فتات الخبز الذي يرميه لها أحدهم.
تنقلب الآن على ظهرها وتصالب ذراعيها، تمتد يد لتغطيها بالمعطف لئلا تبرد. بما أن الربيع في أوله، الطقس لا يزال متقلبا والشواطئ شبه مقفرة. تتنفس بعمق من خلال القماش الأبيض الذي لا يمنع رائحة الملح. تنظر للسحب الناصعة المتفرقة تخفي الشمس للحظة، وتفكر؛ تفكر بأنها ستتذكر هذا دائماً، الدعة والاستسلام.

طوال الطريق من سانتا باربرا إلى سانتا مونيكا كانت تفكر به؛ تفكر بأصابع يديه، بحضنه وقبلاته. تشتهيه، وتشيح برأسها محدقة إلى الساحل الممتد والمحيط الأزرق، مثل شريط من فيلم يمر أمام عينيها؛ ترى انعكاس صورتهما على زجاج أحد المقاهي على شاطئ بحر أيضا، في مدينة أخرى وقارة أخرى، يمشيان يداً بيد، هي في ثوبها الصيفي الأحمر وهو في سروال البحر القصير، في يدها سلة منسوجة من القش تحوي مراهم واقية من أشعة الشمس، وثوب سباحة ضيق وأصفر ومنشفة كبيرة تتسع لكليهما. يتوقفان لشراء شيء يشربانه وأثناء انتظارهما للبائع الذي اختبأ في دكانه الذي يشبه الكهف ليعود بالفكة، تشب على أطرافها لتضع على شفتيه قبلة يستقبلها بزهو دون كثير اهتمام بردود فعل الآخرين. تتذكر كل ذلك وتستغرب كيف أن كل الأشياء تتفق والظروف تتضافر لتذكرها به الآن.
الرجل وراء المقود يعلي من صوت الموسيقى الصاخبة، يمد يده من على ناقل السرعة ليربت على ظاهر كفها الأقرب له. إنها تشعر بكثافة حبه من لمسة صغيرة كهذه، تشعر بالعجز والتعب، تتنهد وتغالب دموعها. لا تظن بأنه سيلاحظ أي شيء الآن، فهو مستغرق بمتابعة خارطة الطريق على الشاشة الصغيرة أمامه واللوحات الإرشادية على الأرصفة.
لم يمض سوى شهر وبدأت تشعر بفداحة الخطأ الذي ارتكبته. هو أيضاً لا بد أدرك ذلك. إنه يحاول جاهداً، وهي تحاول أيضاً. تفكر أنهما لا بد أن يستغلا الوقت ليمضيا أياما طيبة على الأقل، لكنها لا تقدر سوى أن تمتعض من الطريقة التي يلقي بها نُكته لينتقص منها، وكيف أن كل شيء لابد أن يكون حسب خططه وما يلائم مقترحاته. تواجهه، فيندفع هو أيضاً في حديثه دون تفكير، وبنبرة ازدراء واضحة يقلل من شأن كل ما يضايقها، مؤكدا أنها تفرط في حساسيتها وبأنها لطالما كانت تبالغ!
تبالغ فعلا، فالبارحة تركته في منتصف الطريق وهما عائدان من المطعم المكسيكي إلى الفندق. كان النبيذ قد صعد إلى رأسها وقالت له أشياء ربما ما كان يجدر بها أن تفصح عنها. إنه يتألم بسبب لامبالاتها وقلة اهتمامها، فينكل بها، وهي لا تتورع عن توجيه سيل من الانتقادات الجارحة له. متى ستكف عن التصرف كصبي؟ وتنضج قليلا؟ تقول له بصوت عالٍ. يلفتان انتباه المارة، عيناه ذاهلتان، وملامحه مضطربة. يلقي عليها نظرة ثقيلة. يمد يده باتجاهها محاولا أن يهدئ من غضبها، لكنها تفلت منه وتنطلق مبتعدة.
تقطع شوارع مركز المدينة المكتظة بالسياح طولا وعرضا. عشاق على المقاعد الخشبية يتأملون المحيط، وشباب ينزهون كلابهم، والأضواء عند المرفأ حمراء وخضراء، وأصوات الموسيقى والضجيج تصلها. ابتعدت كثيراً وهي مستغرقة في أفكارها، تنظر إلى البضائع المعروضة في نوافذ البوتيكات لكنها لا ترى شيئا.
إنها حتمًا تفتعل الدراما كما يقول، لكن كل شيء ينفرها منه الآن، أحاديثه الجانبية مع البائعات والندل وموظفي الفندق، ثيابه التي يرتديها كيفما اتفق، وطريقة تناوله للطعام تثير أعصابها. تشعر بالجوع وتشتهي الطعام، لكن بمجرد أن يصير أمامها تفقد رغبتها تماما. إنه يكترث لها وهذا حقيقي، لكنها لا تستطيع أن تشعر بارتباط حقيقي تجاهه. تشعر بالأسى له، يفيض قلبها حزنا عليه في ساعة، ترغب بأن تمد يدها لتربت على خده كطفل، نعم يشبه الطفل، لكن كل هذا يختفي، ما إن يبدر منه شيء يثير أعصابها، مهما كان بسيطا، تشعر بحقد دفين تجاهه لا يستمر سوى لحظات. تستغرب من أين ينبع كل هذا الكره؟
واصلت المشي مبتعدة عن الطرقات الرئيسية، ولولا ألم صندلها الجديد لما انتبهت لضرورة العودة. التفتت إلى الوراء لكنه لم يكن هناك. هل كانت تظن أنه سيتبعها كل هذا الوقت؟
وصلت إلى الفندق، بحثت عن السيارة، وجدتها في مكانها. هذا حسن، قالت لنفسها. سألت البواب الذي حياها إن كان قد وصل قبلها في الغرفة. لكنه أجاب بأنه لم يره. لا بأس، سأتصل به أنا، لقد دخلت لأبتاع شيئا من محل ما وفقدته. لكن ما حاجتها لتبربر عودتها وحيدة للبواب؟
في مرايا المصعد تواجه انعكاسا لطيفها، راعها ذلك. إنها شاحبة، لا لون في وجنتيها ولا وميض في عينيها. أخرجت الهاتف من جيب معطفها، لا… لا شيء منه. داهمها شعور بالذنب، فأرسلت له أنها في الفندق. وبعد عشر دقائق كان يدق على باب الغرفة. هل نسي المفتاح؟
فتحت له واتجهت رأسًا إلى السرير. سألها والقلق باد على وجهه لم تفعل به هذا؟ لم تجبه. اندست في الفراش وأغمضت عينيها متظاهرة بالنوم. وبعد مضي نصف ساعة تقريبا، دنا منها بحذر، قبلها على خدها، وغطاها جيدا، ثم أخذ مفاتيحه تاركا لها الغرفة.

تسير على الشاطئ وحيدة. سيدة أنيقة تجلس متكاسلة على كرسي مخطط بالأخضر والأبيض ويقبع كلب صغير بجانبها مسترخٍ في بقعته تلك. تمشي مبتعدة باتجاه فندق شبه مهجور، بما أن الموسم السياحي لم يبدأ بعد. يتجمع سرب من النوارس أمام واجهته البحرية.
تقترب من المحيط وتنظر إلى الموجة القادمة تهدر بقوة، لكنها ما إن تصل قريبا من قدميها حتى تتحول إلى زبد ناعم وخفيف. تقترب أكثر باتجاه المحيط، وترفع حاشية ثوبها، هذه المرة يغمرها الماء أكثر، يصل إلى منتصف ساقيها وتخزها برودته، ثم ما إن ينحسر تشعر بالتراب يتداعى تحت قدميها، والأرض تنخفض بها قليلاً. تحاول أن تثبت أصابع قدميها في الرمل لكنها تفشل.
تشعر بدفء ذراعيه وهو يحتضنها من الخلف. يزيح شعرها ويضع لها قبلة صغيرة على رقبتها من الخلف، تقول له بأنها ستشتاق لملمس ذقنه على بشرتها، يبتسم برضا، ويأخذ بيدها عائدا إلى حيث مد منشفته الكبيرة، وتستلقي معه هناك. تراقبهما طفلة صغيرة بطرف عينيها وهي تمشي متباطئة، حاملة دلوا ممتلئا عن آخره بالماء لتصبه على الرمل حيث تبني قلعتها، والأب يتابعها وهي تلهو مع أختها من بعيد، وأمامه أكثر من زجاجة مشروب فارغة.
من خلال تخريمات شالها تتطلع إلى البحر بأمواجه المتكسرة والنوارس تحوم قريبا. تنقلب بتكاسل، وتشعر بالعطش، تبلع ريقها وتشعر بحبات رمل في فمها. تمرر يدها في شعرها وتشعر بذات الحبيبات، وتفكر كم مضى من الوقت على وضعها ذلك؟ تمتد يد لتعدل من وضع المعطف ليدفئها، بما أن المساء حل والطقس صار أبرد. تتنهد وتغمض عينيها ولا تشعر سوى بقبلة صغيرة تحجب أشعة الشمس الغاربة من وراء شالها الأبيض.