خالد الشوري: الجرذ

Lucian Freud, Rat Man (Portrait Of Raymond), 1978. Source: widewalls.ch

إنّ الجُرْذان عندما تتنقّل من محلٍّ لمحل ومن بيتٍ لبيت، لا تخرج بوقار من باب ثم تسير بتأنٍّ وتَنْدَلِفُ إلى بابٍ آخر كأنّ الأمر بتلك البساطة. وإنما تَنْدسُّ في الجحور وتَجُوب الأنفاقِ مستترةً عن الأنظار، ثم تَخرج من شق وتَلِجُ إلى شق آخر. وعلى تلك الحال تقضي حياتها متنقلةً بين الأماكن. تمامًا مثلي، غير أن الجحور لا تسع جسدي، فأسير متواريًا عن الأنظار، في الشوارع الضيقة التي تتخلل الحارات الجانبية على دفتي الطرق الرئيسية.
والجرذان لا تخرج من جحورها إلى العالم المكشوف إلا في أضيق الحالات، وأكثرها حرجًا. فهي جبانة، ضعيفة، خروجها لا يعني إلا موتها. أنا شخص لا أختلف عن الجرذان في شيء غير أنني أتوارى خلف سحنة إنسان، لكنني في الحقيقة لست سوى جرذٍ انزوى على نفسه داخل جحره، وحيدًا.
الوجود لا يعبأ إن كنت إنسانًا أو جرذًا، فحتى الجرذان تستمر حياتها في المُضِيّ دون مبالاة، ولا شيء في ذلك يصعب على الجرذ فهمه فرضخت دون أي رغبة في التمرد. ومع كل سنة مضت من حياتي، كنت أجر سلسلة طويلة من التنازلات، وهذا ما جعلها سنوات هادئة غابت في النسيان، كلما فتشت عنها في الذاكرة لم أجد لها أثرًا غير الدراسة البعيدة، والتي لم أجن منها شيئًا سوى شهادة ظفرت من خلالها بوظيفتي التي أفنيت فيها كل وقتي. انهمكت فيها بقسوة، علها تنسيني، ولو لأحيانٍ قليلة، كوني جرذًا.
المسافة بين بيتي ومقرِّ عملي ليست ممتدة الطول. فأقطعها، كما ذكرت آنفًا، طاويًا الأزقة الضيقة على قدمي. حيث الطرق ، طوال فترة سيري، غالبًا ما يسودها الصمت. لا سياراتٍ ولا مارة، إذن فلا أنظار لأختبئ منها، ذلك ما يروق لي من تلك الشوارع.
مرةً، مرّ أحد زملاء العمل بسيارته من جانبي وأنا متجهٌ للمقرٍّ صباحًا. كان قد سلك الطرق المختصرة بين الحارات، تجنبًا للزحمة التي استولت على الشارع الرئيسي. لما لمحني بطرف عينه أَبْطأ من سرعته، وفتح نافذة السيارة ليرمي عليّ قوله الهازئ: ما بالك لا تسلُك الطرق الرئيسية، توجد هناك أرصفةٌ للمارة، لكنك تسلُك الطرق التي تشبه الجحور كأنك جرذ.
لم ألتفت له، وتابع هو سيره مستعجلًا. وكان ما قاله قد شقَّ الركود الكامن في رأسي. أنا أقتفي أثر الجرذان في طريقة حياتها. إن الشقة التي أسكنها لا يسعني إلا أن أُطلق عليها جحرًا لضيقها، والممرات التي أسلكها في تنقلي بين مقر العمل وشقتي هي شقوق وأنفاق بين مبانٍ متراصةٍ جانب بعضها البعض. كيف لم يخطر ذلك على بالي من قبل؟
لحظتها تنبهت لما أنا عليه بالفعل، ثم ردَدتُ على الزميل في خلدي بعد أن ولّى الدُّبر: أنا بالفعل جرذ! وارتفع طرف فمي بابتسامةٍ هازئة. لكن الابتسامة الهازئة سرعان ما تلاشت بعد أن رأيت في انعكاس المياه الموحلة، والتي طفحت من مجاري المياه العطنة على جوانب الطريق، بدنًا ممتلئًا قصير القامة يحمل بين كتفيه رأس جرذٍ كث الشوارب حاد الأنياب غائر العينين.
ارتعت من السحنة الشائهة التي حلّت مكان هيئتي الأولى، وتراجعت للخلف وأنا أنفض رأسي مما رأيته ثم عاودت النظر في المياه الراكدة لأرى انعكاسي مجددا، فوجدتني عدت سيرتي الأولى. بدنٌ ضامر، وجهٌ شاحبٌ بملامح دقيقة. وغير ذلك، لا شيء يدعو للوجل.
من بعدها، احتلّت الجرذان مكانا بارزا في ذهني. بتُّ معجبًا بها، أقرأ عنها الكثير وأفكر فيها أكثر، حتى قررت أن أقتني جرذًا. وكانت تلك إحدى المرات القليلة التي سلكت فيها الشارع الرئيسي في عودتي من العمل إلى البيت ليلا، فقط لأقصد متجر الحيوانات الأليفة وأبتاع جرذًا.
كنت أقبض بيدي على القفص الذي بداخله ارتعشت حركة الجرذ، قاصدًا البيت. وفي جُنْح ليل الممرات، حيث الظلام يحجب الرؤية، شعرت بدبيب أقدام الجرذ الدقيقة تَمُر من خلال هيكل القفص الحديدي وتنبعث إلى يدي، محدثةً قشعريرةً سَرَتْ في أصابعي.
في الشقة وضعت القفص فوق منضدةٍ ركنتها بجانب الأريكة، في طرف الصالة. وبداخل القفص كان الجرذ داكن اللون، رابضًا، يحدق فيّ بعينٍ تُشعُّ خوفًا، ويبدو ضيقُهُ ووجلُهُ ظاهرًا من انكماش جسده في زاوية القفص. لم ترق لي حاله، وقررت أن أفسح له مجالا في الشقة.
سهرت ليلتها أحفر خنادق ضيقة الحجم وممتدةً على حواف أرضية الشقة، يتوسطها جحرٌ في منتصف أحد الجدران لتكون مرتعًا للجرذ يجول فيه كيفما شاء. ولما أخرجته من قفصه، وأطلقته في الأرض، فرّ من تلقاء نفسه إلى حريته داخل تلك الخنادق.
من وقتها استأنست دبيب حركته أسفل الأرضية، وبين أثاث الشقة الرخيص. كنت أرى صورة لنفسي تنعكس في ذلك الجرذ الضعيف، فاحترمته، واعتنيت به جيدًا.
لكن منذ أن لاذ الجرذ بجحره، لم أره يخرج منه أبدًا. حتى أوقات جوعه، كنت أُلقي له بالطعام داخل الجحر أو في أي ركنٍ من الخندق، ويأكله هو في الخفاء. وتعودت على انطوائه داخل جحره، فكنت أتجول في الشقة بسعةٍ وراحة دون أن أتوخى أدنى درجة من الحذر.
وحدث مرةً أن خرج من جحره، وظل يتجول في الشقة بخفةٍ ودون أي جلبة. وقتها كنت في عجلةٍ من أمري، لأن موعد الخروج للعمل قد فات. وبينما أطوف في الشقة الضيقة مستعدًّا للخروج، مرق ظلٌّ من تحتي، خفيف الحركة لدرجة أنني لم ألمحه. ودون أن أنتبه، وطئت على الجرذ بكل ما في قدمي من ثقلٍ. وانفجرت من تحت قدمي أحشاء جوفه، التي داعبت باطن قدمي.
الحشرجة التي انبعثت من الجرذ خلال موته، كانت أشبه بالصرير المزعج للباب الصدئ، لكن الحشرجة الواهنة سرعان ما خمدت، مثل ما خمد هو جثة ضئيلة هامدة.
وقفت مشلول الحركة والتفكير، أحدق صامتًا في الجرذ الميت كأنني سقطت في هوّة لا قَعْر لها. ولما عدت من تلك الهوّة إلى وعيي، لملمت أحشاء الجرذ وجثته ثم وضعتها في كيس بلاستيكي أسود، وتخلصت منه في طريقي إلى العمل، عندما عرجت على مكبِّ النفايات.
تعاقبت الأيام من بعدها، وانفتقت فجوة في سريرتي ما لبثت ان اتسعت وابتلعتني لداخلها. وخيمت كآبة على الشقة من بعد موت الجرذ.
مرةً خرجت للعمل كالعادة، صباحًا. لكن ما اختلف في تلك المرة، أني وحينما كنت أسلك الطريق الضيقة المعتادة أبصرت، لأول مرة، فرجةً ضيقةً بين بنايتين قديمتين، تُفضي إلى الشارع الرئيسي. وآثرتُ لحظتها أن أسلكه هذه المرة، وأنتشل نفسي من ظلال الأزقة، وألقي بنفسي في الشارع الرئيسي، في الضوء، حيث يمكن للمارة والسيارات المسرعة أن تبصرني.
انسللت داخل الفرجة، ومن بين البنايتين، لأجد أمامي في الشارع الرئيسي الكثير من السيارات التي تنهب الطريق في ذهاب وإياب. ثم أكملت السير كأنني أخطو أولى خطواتي في بلدٍ غريب عني، بتوجسٍ وريبة. وما هي إلا لحظات قليلة، حتى التقت عيني بجُرذٍ داكن اللون، يشبه إلى حدٍّ كبير الجرذ الذي كنت أقتنيه، جانب سلة قمامة، يأكل بقايا طعام أخرجها من شقٍّ في كيس بلاستيكي أسود. ولما أمعنت النظر، خِلْت أنني رأيته يأكل أحشاء جرذٍ أعرفه.
هرولت صوبه وقد جف لساني وحلقي، عندما خِلْت أن ما يوجد داخل الكيس هو جرذي المسكين. واشْرَأَبّت رأس الجرذ الآخر عندما رأى أحدًا من المارة قد لاث عقله فجأة، وأقبل راكضا بجنونٍ نحوه، والذي حتمًا سينقض عليه ويلحق به الأذى. فهرب للناحية الأخرى من الشارع، مخاطرا باجتيازه الطريق من تحت العربات المسرعة.
فاندفعت في سيري، لألحق به، علّي أنقذه من الخطر المحدق الذي يحاذيه من كل صوب، والذي سيلقيه إلى حتفه. ولم أنتبه أنا للعربات المندفعة من خلفي، التي تعالى صخب أبواقها، عندما لحقت بالجرذ.
على حين غرةٍ، دوى صرير احتكاك عجلات سيارةٍ بالأرض الأسفلتية، كأعلى ما يمكن لصرير العجلات أن يكون. ولا أدري كيف ارتفعتُ عن الأرض فجأةً، وهويت بجسدي أرضًا. والجرذ، حتى وأنا مستلقٍ على الأرض، ما زال في مجال رؤيتي.
رأيته يركض مذعورًا، إلى الرصيف. ونجح في اجتيازه دون أن يُدهس، ومن ثم ولج مجرى مياه الصرف الصحي. فخالجني شيءٌ من الاطمئنان.
سائلٌ دافئٌ تدفق من أسفل رأسي. وأقدامٌ انبثقت من كل صوب، تُقبل مستعجلةً نحوي. ورفعت نظري للسماء، فوجدت الصفاء الذي يكتنفها قد اصطبغ ببقعة سوداء قاتمة، ما لبثت أن اتسعت هي الأخرى، وابتلعت السماء، والوجوه المتجمهرة المذعورة، وكل شيء.