جمهورية صماء: إيليا كامينسكي ترجمة يوسف رخا

Jerome Sessini, Kiev, 2014. Source: magnumphotos.com

.

-١-
هي ذي الحكاية، شُغل عناد مع هواء قليل،
حكاية يغنيها الذين رقصوا أمام الرب على الهادئ.
الذين دوّموا ووثبوا، وأنطقوا حروفا صامتة تتصاعد
بلا حماية سوى آذان بعضهم.
نحن على بطوننا في هذا الصمت يا رب.
لنغسل وجوهنا في الريح وننسى الأشكال الصارمة للمودة.
لتمسك المرأة الحبلى شيئا من صلصال في يدها.
فسر الصبر هو صبر الزوجة
ليركع رَجُلها على السطح متنحنحا،
هو الذي يحب السطوح، الليلة والليلة أيضا، يضاجعها وهي تنسى،
رجل بدَقّة قلب سريعة، امرأة ترقص بالمقشة، تنفُّس غير منتظم.
ليستعيروا نورا من العميان.
ليقبّلوا جبينك، مشْرفا من كل الزوايا.
ماذا يكون الصمت؟ قطعة سماء داخلنا.
ستتوفر الأدلة، الأدلة ستتوفر.
دعهم يتكلموا عن الهواء ومسوغاته. أي شيء يفتحونه سينفتح.
-٢- قصف التاسعة صباحا
جاريا عبر شارع ”فاسنكا“ وملابسي في كيس مخدة
كنت أبحث عن رجلٍ الخالق الناطق أنا
لأعطيه “سونيا” التي لي، أعطيه اسمي وملابسي.
جاريا عبر شارع فاسنكا وشفتاي تتحركان،
أحد الهاربين من ترام ينفجر كمصران في الشمس،
الذين يغلقون الباب بالمفتاح، بمفتاح ثانٍ،
ويحاولون الكلام، يتأتئون لكنهم يحاولون الكلام.
زوجة تصرخ وكأن الطلق جاءها وهي جاءها الطلق.
جاريا عبر شبابيكَ فيها نساء اشترين الليمون والسمك والثوم،
إلى اليمين مدام ”غورنيك“ ترسم أيقونات تباع صباحا،
إلى اليسار تعيش ”فيرونينا“، أم الولدين
التي تسرق شطائر الطماطم من ولديها.
تأتأنا وشربنا وضحكنا كفلاحين حفاة
وشربنا بهدوء أيضا، لاعنين الأرض وحدها وبهدوء
صنعنا فودكا من الكرز، فودكا من الكراسي الخشب.
ها قد بدأنا: إنهم يتسلقون التراموايات
في سوق اللصوص، قاصمين
لحظاتهم نصفين. بينما ضبات الجيش
في العربات الرنانة يطلقون النار على وجوه جيراننا
وفي آذانهم. ضابط الجيش يقول: أولاد! بنات!
كل واحد يبعد بصاحبته خطوتين. اضرب.
بدأنا: رأيتُ كيف يحط كناري بلادي الأزرق
ليلقط فتات الخبز من شعر كل جندي
يلقط فتات الخبز من عيني كل جندي.
المطر يغادر الأرض ويهطل إلى أعلى، كما ينبغي له أن يفعل.
أن يكون لك بلد، مهم فعلا،
أن تصطدم بالحيطان، بعواميد الإنارة، بأناس تحبهم، كما ينبغي.
شاهد أرجلهم وهم يجرون ويسقطون.
لقد رأيت كناري بلادي الأزرق
يشاهد أرجلهم وهم ويسقطون.
-٣-
لا تنس ذلك: الرجال الذين عاشوا تلك الفترة يتذكرون سعر كل زجاجة فودكا. نور الشمس على القناة خارج  محطة القطار. على سلم جارنا، أنا وأخي “توني بعوضة” نتسلق شجرة الحور في الحديقة العامة بزجاجة ونصف فودكا وهناك نشرب طوال الليل. نور الشمس على وجه فتاة صغيرة نائمة فوق سلالم الكنيسة. يلقي توني قصيدة، ينسى أنني لا أسمع. أشاهد نور الشمس في مرايا عربات الترام وهي تمر.
لا تنس ذلك. على شجرة الحور جلس أخوان، حلاق وخبير أقدام، وهما مغرمان بالمرأة نفسها. شربا هناك، ألقيا كل قصيدة يعرفانها. ولم ينتبه لهما صرّيخ ابن يومين. ولا صريخبنيومين.
-٤-
“لا يجب أن تحكي فقط عن هول الخراب
بل عن نساء يتباوسن وسط الحشيش الأصفر!”
سمعت ذلك ليس من فيلسوف كبير
ولكن من أخي توني
الذي كان بإمكانه إتمام أربع قصات شعر في ثلاث عشرة دقيقة
وعيناه مغمضتان، بل وهو يلقي على المرآة نشيدنا والوطني.
“عليك أن تشرب فودكا الخيار وتغني عاريا طوال الليل
أن توحّد نساء كوكب الأرض مع أولاده!”
كان يعزف نشازا على الأكورديون في بلاد
آلتها الموسيقية الوحيدة هي الباب.
“لا تحك فقط عن هول الخراب”
هكذا قال أخي الذي لم يكن يكتب أو يقرأ
ولكنْ يُمضي أيامه مغطى بشَعر الآخرين.
-٥-  ويسحلون الجسد الحي في الميدان المشمس
أشاهد عظام حيوان فجة في وجوههم، أشم الأرض.
أولادنا يريدون قتلا علنيا في الميدان المشمس
يسحلون شرطيا صبيا، ولافتة تتمايل في ساعديه
              “أنا أوقفت بنات فاسنكا”
فالأولاد ليس عندهم أدنى فكرة كيف يقتلون رجلا
والأصلع في دكان الحلاق يوشوش: أنا أقتله بـ
              صندوق برتقال.
ذات صباح مشرق يدفعون صندوق برتقال.
يصل الأصلع ببشاكير بيضاء وصابون وزجاجة
              نبيذ أبيض.
يأكل بيضا نيئا مكسورا في فنجان.
وهو يشم الليمون الذي يقطر في الجليد
وهو يقذف تلك البيضة في حلقه ككأس تكيلا
إنه يغسل يديه، إنه يضع لسانه حيث كانت سنته.
وبناتنا يبصقن في منخري الشرطي
هو ذا بصاق شعبنا يتجمد في الطرقات.
الشرطي وسيم، كان يلعب كرة طائرة حين أمسك به الأولاد.
وتحط حمامة على إشارة ”قف“، تهز الإشارة.
أولادنا يشيرون: ابدأ.
وبناتنا، مبلولات ومنمشات، يرسمن الصليب.
ها هو الأصلع يكلم الحائط بأصابعه.
العرق يبلل عينيه في المطر.
يقفز فوق الصبي ويعانقه، يطعنه في رئته.
يطير الشرطي فوق الرصيف.
ها الأصلع يطعن في الهواء، يجرف في الحشد الواقف حفرة بذراعين
              وساقين.
في الأذن الصماء لا صوت كصرخة حفرة. يقّبل
جسد زميل صفه الذي يزن مئةً وخمسين رطلٍ.
وحدهن البنات يأخذن التراب
ويضعنه في قمصانهن.
 -٦-
خلال فاسنكا: قطيع أولاد يجري. بأيديهم الثلجية يجُرّون شرطيا ولقاء تفاحة لقاء نظرة يجعلون الرجل فرجة على الأسفلت. الجليد يسقط في منخريه. أشاهده. دائرتان حول عينيه بالقلم الأحمر. يعلّمون جيرانه أن يبصقوا في الحفرتين الحمراوين. أشاهد ندف الجليد تذوب في شعرهم. الجار يجعل من الدائرة الحمراء نيشانا، يبصق. أقف على مقعد المنتزه أمضغ جليدا. يمشي الأولاد غربي ”تندا“ حاملين ندف الجليد في شعرهم. جار يجعل من الحفرة نيشانا، يبصق. ماشون ليلا وأذرعهم مرفوعة عن أجسادهم. وكأنهم على وشك مغادرة الأرض. يختبرون الريح.
-٧- سونيا تتدبر السعادة
يريد الدكتور ”ألفونسو بارابينسكي“
أن يَخرج
أمنعه بجسدي الأصغر من جسده.
يمشي، يهرب من حذائه إلى مطبخي.
إنه يشرب في مطبخي،
يسبح في مطبخي برجليه السمينتين المصابتين بالدوالي.
ألفونسو يا أحمق. تظنها
شَجاعة أن تشرب
فودكا طول النهار على معدة فارغة.
حيطان شقتنا تبرق. حيطان شقتنا
تنتصب. إنهم يقصفون مَشفاه.
ها هو يغسل وجهي
يتهجى بأصابعه أسماء المرضى.
وظلال أصابعه هائلة على الحائط المكلّس.
تبرق حيطان شقتنا.
حين تسقط القنابل
نصنع أطفالا.
ها يركع ويقبّل
عبر جلدي
هيئة وحيدنا.
إنهم يقصفون مكتبه.
يخلع نظارته ويلقيها على المائدة كسلاح لامع.
يرمي تي شيرته
على قطتنا، يتدلى الشحم فوق حزامه.
يُخرج ليمونة مسروقة
من جيبه.
إنهم يقصفون مكتبه في مشفاه،
ولكنني امرأة يانعة
لأي رجل أن يكون سعيدا.
-٨-
أنظر إليك يا ألفونسو
وأقول
لديدان الفراشات
المتأخرة
صباح الخير أيها السيناتورز!
هذه معركة
جديرة
بأسلحتنا.
-٩-
لستُ شاعرا يا سونيا أنا أتفحص
الأقدام العطرة للسيدات الأصغر سنا
فيما يطن الصمم كمحرك صغير
أشاهدها تقف تحت الدش
تمسك ثدييها
في يديها كانفجارين صغيرين
أنا ابنها الذي يغرق.
في هذا البلد لا يعرف
الكلمة التي تعني ”يغرق“، ويصيح:
”أنا أغوص للمرة الأخيرة!“
-١٠-
قبلت امرأة
نمشها
يثير جيراننا.
تعني شفتاها المرتعشتان
تعال إلى السرير.
يعني شعرها الذي يسقط وسط
الحديث
تعال إلى السرير.
مشيت في مشفى أفكاري.
نعم، حملتها إلى السرير
على عرش ذراعي الأشعرين. لكن الشفتين المنفرجتين
كان معناهما قبِّل شفتي المنفرجتين
قرأت هاتين الشفتين
دونما أفهم
تعني الشفتان الطريتان
قبل شفتي الطريتان.
هو ذا صمت
امرأة
تتكلم ضد الصمت، تعلم
أن الصمت هو
ما يحركنا لنتكلم.
-١١-
اليوم ٨ ديسمبر وأخي توني قتله الجنود. ٨ ديسمبر والشرطة تعيد افتتاح الترام الجنوبي. ٨ ديسمبر حين ترفع زوجتي جسد توني عن الأرض، ذراعه مربوط في كتفها — وجهها رطب، شعرها متسخ. والجنود يقصون شريط الترام الملعون، وأنا واقف أشعر (مارش سريع من الخبطات عبر ظهري وفخذي) بلا شيء.
حين تعود إلى البيت، أملأ البانيو لسونيا وأغسل شعرها، خفيفا أمزج أرقى ما يملك أخي من شامبوهات بإحكام هادئ بينما سونيا تبكي وتبكي.
-١٢- سونيا تتكلم ببطء، وكأنها لم تتأثر
أتذكر توني يتجادل أمام مراياه، كان الجنود
يدهنون الأشجار، جلس توني
على أرضية من الشعر الأبيض، وكل الأشجار كانت
مدهونة بالأبيض. وبصق على تهكم ألفونسو، لكن حين
عزفوا الأكورديون، كان رابعنا بلا اسم.
”أنا أنام مع توني! ببساطة يقص لي شعري!“
— لكن عشاءنا سمكة زرقاء منمنمة ونحن، مع أخي زوجي النحيل
نلعب الورق، أسحب سبيد وراء سبيد لكن
هذا العصفور الهزيل، هذا الحلاق بروح ليست بسيطة، يأخذني
بأصابعه من أنفي ويقبلني، بسرعة، على شفتي!
حين غسل توني شعري، حين قبل ألفونسو
بين أصابع قدمي، حين ارتعشت
شفتاي، حين ضحك الرابع، حين نام توني، نام داخل الأرض،
في الشوارع الخالية لحيّنا، كان قليل من الريح
ينادي الحياة التي لم يعرفها أحد، حياة
كل يوم تأخذ واحدا منا: جاري
أُخذ، زوجته أُخذت، شقتهما ساكنة.
أقول ذلك بهدوء، وكأنني لم أتأثر:
شقتهما ساكنة، على الأرض، مياه وسخة من حذائيهما.
-١٣- من أجل أخي، توني
أَحِب المدن، هذا ما علمني أخي
بينما يقص شعر الجنود، ثم يرتّب الطماطم
وهو يشاهد سونيا وأنا نرقص على أرضية مصبنة —
أفتح الشباك، وأقول بصوت واطئ، يا أخي.
الصوت الذي لا أسمعه وأنا أكلم نفسي هو أوضح صوت.
لكن ذات يوم كانت السماء تحوطنا بالكامل.
لعبنا الشطرنج بعلب ثقاب فارغة،
كان يكتب رسائل غرامية لزوجتي
يجري إلى الخارج ويعود جريا، صائحا لها، ”وصل بريدك!“
أخو زوج متهور، حلاق زوجة متهورة
(أنا لا أتكلم، أنت لا تتكلم، نحن
لا نتكلم، نحن لا نتكلم، نحن لا)
متهورا في الابتعاد عن نفسه
على طوب فاسنكا الدافئ —
لقد باركنا بوحدته، كائن خفيف بجناحين.
”ساقاك يبرزان من بنطلونك أكثر من اللازم!“
— توني، ازعق في. أحتاج دفعة إلى الأمام
في شغل الأرجل الشعراء هذا. رجل على الأرض يفر ويجري ويزعق
ويقف في صمت — الصمت
الذي هو ضجيج روحٍ.
في الجنازة، محرجا من مقاتلي المقاومة
وهم ينهضون ليصافحوني، هكذا قلت
ألبس بنطلونك، في جيب اليد اليمنى خرم.
ألفّ سماعات أذنك في هذا التي شيرت الأبيض
بهدايا وجيزة
تذهب يا أخي يا أخضر العينين.
وأنا الأحمق أعيش.
——————————-
ست كلمات
يا رب:
سلاسة
الأغنية
على لساني.
-١٤-
لكل رجل هدوء يدور
حوله وهو يضرب رأسه في الأرض. لكنني أضحك
بشدة وهياج. أصب كأسا من فودكا الفلفل
وأشرب نخب الحائط الرمادي. أقول إننا لم نكن
أبدا صامتين. كنا نقرأ شفتي بعضنا ونقول
كلمة واحدة أربع مرات. ونضحك أربع مرات
محبين التكرار. كنا نقرأ شفتي بعضنا لنكشف
فقر الضحك. المسْ الأسفلت بالأصابع لتسمع برودة
أرض فاسنكا
أودع آذانا في قطرات المطر على رأس الصياد حيث الشعر تبغ
ومن يسمع لي: أن تكون
هناك، ولا تكون، مفقودا يعثر عليك
لتُفقد من جديد: أشكرك على ريشة فوق لساني،
شكرا على المجادلة التي تنتهي،
شكرا على الصمم يا رب، هي ذي النار
من عود ثقاب لم تشعله أبدا.
-١٥-
الموسيقى القعيدة بلا ذاكرة لنساء ورجال
يلمسون جبهات بعضهم، ينفخون روحا في الآخَر الذي لا يحده شيء،
على الأرض حيث نحن أيها الغريب، عبر جنون عصي على التحقق
أو نِعمة، وسط المرور الصعب، الوصول إلى كل آخَر لا يحده شيء
لا أحد على الأرض (يا للمرارة، يا للرغبة، — من يقود السفن؟ —
أو، من —) يلمس كتف الرب، وينفخ روحا، يقيس
الموسيقى القعيدة بلا ذاكرة للنساء والرجال. هكذا
علي (ماذا ينام خلف العينين؟) أن أستعير من العميان نورا.
-١٦-
لكنني أكون. أنا عنده
جسد،
حين أرى
ساقي زوجتي الرشيقتين الصبيانيتين
يجف
سقف فمي.
تلقط إصبع قدمي
في فمها.
تعض خفيفا.
كيف نعيش على الأرض يا بعوضة؟
لو كان يمكنني أن
أسمعك ماذا كنت لتقول؟
جوابك يا بعوضة!
قبل كل شيء، احذر
من الحزن
على الأرض يمكننا أن نفعل
— ألا يمكننا؟ —
ما نريد.

 


ترجمت هذه القصائد لجريدة العربي الجديد. سيصدر كتاب ”جمهورية صماء“ Deaf Republic، المشروع الأكبر للشاعر الأوكراني إيليا كامينسكي Ilya Kaminsky عن دار ”جراي وولف“ Graywolf Press في بداية ٢٠١٩. وهذه ترجمة المقاطع-القصائد الستة عشر الأولى كما يوردها موقع مؤسسة الشعر الأمريكية poetryfoundation.org. فقد كامينسكي الجزء الأكبر من سمعه في عمر الرابعة جراء خطأ طبي وقع في مدينة أوديسا حيث ولد تحت حكم الاتحاد السوفييتي سنة ١٩٧٧. وحين هاجر مع أسرته إلى أمريكا سنة ١٩٩٣، آثر الكتابة بالإنجليزية كما يقول لأن أحدا في محيطه المباشر لم يكن يفهمها. يقول كامينسكي: ”هذه الحكاية عن امرأة حبلى وزوجها وهما يعيشان وباء من الصمم والقلاقل الأهلية عُثر عليها تحت ألواح الأرضية في أحد بيوت أوروبا الشرقية.“