مقادير خورخي لويس بورخيس ترجمة هانئ حلمي

Ferdinando Scianna, Jorge Luis Borges, Palermo, Sicily, 1984. Source: nybooks.com

في الشوارع التي تتلاشى في عتمة الغروب
هناك شارع (لا أدري أيها) لابد وأنني عبرته للمرة الأخيرة،
جاهلاً أن هذا زماني الأخير هناك.
غافلاً غير مبالٍ، أطيع جل جلاله،
من يكتب مقادير النهايات الخفية العصية
على كل الظلال والأحلام والصور،
التي تنسج الحياة وتحل خيوطها كرة أخرى.
من ذا الذي يدلنا، إن كانت الأشياء رهينة الأقدار والأوقات،
ومرات أخيرات، وانقطاعات الزمان، وسديم النسيان،
عمن سيرحل عن ذاك المنزل ونلوح له بالوداع؟
.
من وراء النافذة الغبشاء ينسحب الليل
مخلفاً ظلالاً متطاولة لأكداس الكتب المتراصة
على الطاولة الثاوية في العتمة،
ثمة كتاب بينها لن يتسنى لي قراءته.
.
في جنوب البلاد أفنية ديار خاوية على عروشها،
لا شيء سوى بقايا الصبار وهشيم أصص الفخار،
لن يتسنى لي أن أغشاها بعد الآن،
كأنها محض رسم على الجدار.
.
هناك باب أوصدتَه للأبد،
هناك مرآة لطالما انتظرتك سدى لتضم وجهك؛
وطرق متقاطعة تنداح أمامك كأنها تناديك،
بينما يحرسها إله بأربعة وجوه.
.
هناك ذكرى بين حشود ذكرياتك
سقطت في هاوية النسيان،
لن تراك الشمس الساطعة ولا القمر الشاحب
وأنت تنهل مرة أخرى من ذاك النبع.
.
لن يتسنى لك أن تردد ما شدا به الشاعر الفارسي
بلسانه المطرز بالورود والبلابل،
عندما يدفعك الحنين، في الغسق، قبل تبدد الضياء،
للبحث عن كلمات تبوح بما لا يطويه النسيان.
.
وماذا عن النهر الذي ينساب وتلك البحيرة الساجية،
وذلك الأمس المترامي الذي أتكئ عليه اليوم؟
كل ذلك سينتهي كما سقطتْ قرطاج
بسياط النار والملح على يد الرومان.
.
عند الفجر أخالني أسمع
طنين الحشود الراحلة،
كل الأشياء التي أحبتني ونسيتني،
المكان والزمان وبورخيس يرحلون الآن عني.