حلم الأستاذ خليل: مقطع من أولى روايات محمود عاطف

Sheikh Imam graffiti. Image by Gigi Ibrahim. Source: flckr.com

لما صعد الصوت على جسد الأستاذ خليل هشّه بيده الناعسة. رأى الصوت ذبابة جاءته في حُلم. لكن الصوت حين ازدادت وتيرته وصار طنينه منغما تحركت يد الأستاذ خليل بعنف كأنها أفاقت لكنه لم ينهض. فكر أنه في الحلم وأحدهم يبعبصه في أذنه. أذني؟! أنا؟! يا أولاد الزواني. سبّهم كثيرًا. سبّهم كما لم يفعل من قبل مع أحد.
والقاعدون خارج غرفته لم يسمعوا رطانته. صوت التليفزيون أعلى. مفتوح على قناة تبث من لندن، وتنقل عبر أثيرها بثا لقناة الجزيرة القطرية التي تشوش عليها السلطات المصرية. قناة تبث من شقة في لندن يديرها مخابيل عراقيون يعلنون أن الثوار في مصر “يشاهدون قناتنا ليل نهار”.
قناة تبث من لندن يستضيف فيها المخابيل العراقيون الهارب بالمليارات أشرف السعد ليفتي في أمر مليارات مبارك المهرّبة، ثم يمسّي بالسلامات على الحاج خالد من البحيرة الذي يدعمه في منفاه اللندني، ويمسّي كذلك على أم الزهراء التي تدعو له بالستر لأنها أودعت عنده ألف جنيه في الثمانينات واستردتهم خمسا ولا تعرف لماذا حاصروه واتهموه بالنصب وجعلوه يطفش من البلد! أي والله لماذا جعلوه يطفش ويعيش منفيا؟ تسأل أم الزهراء ويضحك الحاج أشرف ويضحك المهابيل العراقيون، ويشعر القاعدون خارج غرفة الأستاذ خليل أن أحدا يبعبصهم في آذانهم لكنهم لا يقولون.
لكن الأستاذ خليل يقول ويسب. الصوت زحف فوقه، غطاه، فاستفاق منتفضا بإحساس البعبصة. لو أنها مؤخرته، ما كان ليفعل شيئا. لكن أذني! أذني يا أولاد المرة! فتح الأستاذ خليل باب حجرته بعنف وهو يصرخ: صوت أنهي جاموسة دي؟! نظر له القاعدون خارج غرفته باندهاش. إنهم لا يفهمون شيئا. رأى أحدهم يهز رأسه نيابة عن الجميع. صوت البهيمة اللي جاي من تحت ده! قال الأستاذ وصوته يعلو بغضب. أخفض أحدهم صوت التليفزيون قليلا وأصاخوا جميعا السمع. كانت الأصوات الطالعة من الميدان متداخلة: هتافات وزمامير وخطب وصياحات وأغان. لما فلتروا الأصوات أدركوا سؤاله. قال أحدهم: تقصد الشيخ إمام؟ لم يفهم الأستاذ خليل. شيخ مين الذي يغني هذا! صرخ الأستاذ خليل:
باقول صوت، صوت الأغاني يا بهايم.
فأجابه ثانية الذي استقبل الشتيمة: هو الشيخ إمام.
شيخ ويبعبصه في أذنه؟! فكّر. شيخ ويبعبصني في أذني؟! قال. شيخ ويبعبصك في أذنك؟! قلت أنا. ردّ الأستاذ خليل: بس يا خول. فأفاقه الذي من الواقفين الآن خارج غرفته وهو يقول حزينا من شتيمة أبيه له: والله العظيم ده الشيخ إمام.
أحس الأستاذ خليل بشكة دبوس في أبوته، على إثرها هدأت أعصابه قليلا، فقال بين الغضب والمودة: أقصد الجحش الذي يغني.
لم يعلق أحد. حاول الأستاذ خليل أن يخطو بسرعة فوق جثة غضبه التي تهاوت الآن تحت وطأة حرجه، فرمى بعينيه على الشاشة وقال: مش ده أشرف السعد؟ أي والله هو. بيعمل إيه هو كمان. علّي الصوت يا ابني لما نسمع. كباية شاي يا ست. ثم إيه القناة دي؟ ومالهم مشغلين الجزيرة؟ هأو. المليارات فين يا حاج أشرف؟ يا شيخ أشرف؟
ولا أحد يرد. لم ينس الأستاذ خليل الصوت الذي يطنّ من أسفل. تناساه. حاول أن يخطب ود القاعدين خارج غرفته لكنهم صامتون. لا أحد يناقشه أو يعاركه. أين البغل الكبير؟ وحده يفعل. نظر حوله، لم يجده. كان القاعدون خارج غرفته ثلاثة: ابنته الصغرى، وولده الأوسط، والست حرمه التي تخرج الآن من المطبخ بكباية الشاي. إنها قادمة إليك. لماذا لا تنظرين في عيني يا ست؟! فين الولد؟ بالتأكيد تحت. عند الشيخ الذي يغني. عند الجاموسة. شيخ يغني وشيخ يهرب بالمليارات. شخشيخة. شخة.
انتفض الأستاذ خليل. انتفض ورأى الصوت شايا ساخنا يندلق في أذنه.