إبراهيم فرغلي: قَدَر الكونترباص

Umm Kulthoum, 1910. Source: retro-vintage-photography.blogspot.com.eg

“أراك عصي الدمع، شيمتك الصبر…”
أعدت الإنصات للأغنية الشهيرة لأم كلثوم، ولكن بإحساس مختلف قليلا عما اعتدته من قبل – رغم كثرة استماعي إليها – عقب حضوري حفل كلثوميات في دار الأوبرا الكويتية، الذي أعاد تقليد حفل الخميس الأول من كل شهر على امتداد الموسم الماضي، وصادف حظي أداء الفنانة إيمان عبد الغني لمجموعة من الأغنيات التي أحبها. 
خلال الحفل نفسه لفت انتباهي وجود عازف الكمان سعد محمد حسن، وهو أحد العازفين الذين عزفوا خلف أم كلثوم في حياتها. ورغم اختفائه في الصف الأخير خلف النوت الموسيقية انتبه الجمهور الحساس لوجوده وحياه بقوة على الفقرات الموسيقية الصولو. 
وفي الوقت نفسه لفت الانتباه أيضا اثنان من العازفين في فرقة عماد عاشور الموسيقية. الأول إلى أقصى اليسار: البيانيست، الذي شارك في هذه الأغنية فقط. أما الثاني فقد انتبهت إليه قبل أن يبدأ العزف، وهو عازف الكونترباص. كان يقف خلف آلته الموسيقية العملاقة، وحين بدأ العزف كان يتطلع إلى السماء بإباء فيما شعره الإفريقي المنفوش المصفف بطريقة مميزة ينتفض. كان يزم شفتيه مع حركة يديه على الأوتار كأنما يتلقى الإلهام من مراقب خفي يتطلع إليه بين الفينة والأخرى، وبشكل يوحي بأنه يؤدي عملا عظيما. كان في مظهره نوع من التباهي والاحتفاء بما يفعل، على عكس الشائع عن عازفي هذه الآلة.  
خلال الحفل نفسه توزع اهتمامي كالعادة على الفنانة إيمان عبدالغني، نجمة الحفل، بشكل أساسي، خصوصا وأنها أدت الأغاني بشكل رائع وموهبة كبيرة بإمكانات صوتية تليق بمن يختار أن يغني لأم كلثوم أغنيات صعبة مثل “أراك عصي الدمع”، و”ما تصبرنيش” و”الأطلال”، وبصوت لا أعرف كيف أصف رقته وجماله وقوتهمع إخلاص نادر في الأداء.
أصابني التيه في عالم أم كلثوم مع صوت إيمان عبدالغني وتأملي للطريقة التي تمكنت بها أم كلثوم من جعل تراثها فنا تحافظ على أدائه بنفس الطريقة والمخارج اللفظية والعُرب الصوتية أجيال متتابعة مع الفنانين، وتوقفي عند مقاطع بعينها أشعر كيف استفادت أم كلثوم لأدائها من تجارب الإنشاد الديني خصوصًا في المقطع الذي تقول فيه: “قتيلك؟ أيهمُ فهم كثرُ؟”
ومع ذلك لم أتوقف عن مراقبة العازفين، وخصوصًا عازفي التشيللو والبيانو والكونترباص. من أين أتت للملحن هذه الفكرة المجنونة بإدخال هذه الآلات الحديثة مع أغنية تراثية لشعر أبي فراس الحمداني الذي يعود للقرن العاشر؟ كانت بصمة رياض السنباطي جليّة جدًا، لكني اكتشفت لاحقًا أن هذا اللحن هو الثالث الذي غنته أم كلثوم لنفس الأغنية، إذ غنتها في العشرينات بألحان عبده الحامولي، ثم لحنها لها زكريا أحمد لحنًا ثانيا في الأربعينات، وفي 1965 غنتها مجددا بألحان رياض السنباطي. 
حين أعدت الاستماع للأغنية في حفلات مختلفة انتبهت إلى أن الوقفات التي تقف فيها أم كلثوم في مقاطع بعينها يتم تضخيمها، بالتعاون بين البيانو والكونترباص. وعدت إلى الأغنية لكي أشاهد عازف الكونترباص الأصلي فرأيته يقف قريبا من أم كلثوم في الخلف، وعرف باسم “عظمة” الذي ورثه عن أبيه وأسماه به محمد عبد الوهاب، وهو العازف الذي كان يعد وجوده  حدثا في فرقة موسيقية شرقية تقليدية، تماما كما كان دور البيانيست في هذه الأغنية، التي خلع فيها السنباطي العمامة ووضع قبعة ينقل بها لونا من الحداثة والرغبة في المضي قدما بالقصيدة التقليدية إلى آفاق الحداثة دون إخلال بعراقة التقاليد الموسيقية الشرقية. 
ليلتها فهمت لماذا كان ذلك العازف الشاب صلاح الدين موسى في فرقة عماد عاشور يعزف بهذه الطريقة التي يبدو فيها وكأنه يؤدي عملا عظيمًا راقيًا. فالكونترباص، مع عازفي التشيللو الأربعة، والبيانو بالفعل يؤدون دورا محوريًا، لكنه مع ذلك لا يتوهج بضوء صوت الفنانة نفسها مثلا، أو بأصوات العود والقانون التي تخطف الأسماع والأبصار عادة، وهو ما أحالني إلى رواية بديعة للكاتب الألماني باتريك زوسكند بعنوان “الكونترباص”. 
رواية الكونترباص، التي صدرت ترجمتها العربية سنة ٢٠٠٥ بتوقيع سمير جريس، قد تبدو للوهلة الأولى مملة، فهي عبارة عن مونولوج طوي، لشخصٍ واحد هو بالصدفة عازف لهذه الآلة الغريبة. لكن في الحقيقة لا يشعر القارئ بالملل. فقط يعي بالتدريج طبيعة شخصية مثل عازف الكونترباص، الذي يقف على المسرح لكنه غالبا في الظل، ليس نجما. وإن تحرك بدت حركته لعبا، أو ترفا، لأن صوت آلته ليس سهل التمييز، بالرغم من أنه أعلى الأصوات الغليظة وأكثرها تميزا بين آلات الأوركسترا الوترية بشكل عام، فلا يسمع  صوت آلته بوضوح الأصوات التي تصدرها الآلات الموسيقية الأخرى، كما أنه لا يحظى بأي فرصة لعزفٍ منفرد كما هو شأن أغلب الآلات. 
لكن الحقيقة أن أحدا لا يقدر دوره وربما لن يقدره إلا اثنان: المؤلف الموسيقي، والمايسترو، لأنهما أكثر العارفين بدور الكونترباص ضابطا لمعزوفة كاملة أحيانا، أو مكملا لها في أحيان أخرى. ولعلهما أيضا الأكثر معرفة بمدى غلاظة صوت هذه الآلة الوترية بين آلات الأوركسترا والدور الكبير الذي يمكن أن تقوم به، ولعل مثالها الشهير في افتتاحية “إنت عمري” حين يلعب الكونترباص افتتاحية ترد عليها آلات الكمان في شكل سؤال وإجابة موسيقية متكررة تنبني عليها المعزوفة لاحقا.
وكلما تخيلت الطريقة التي اختلق بها السنباطي دور هذه الآلة من العدم، أو من خياله الصوتي والموسيقي، قبل أن يوجد لهذا اللحن صوت في الواقع، تبينت مدى عبقريته، ومدى الحرية التي كان يتمتع بها الفنان إبداعيا أيضا لكي يبتكر مثل هذه الإضافة الحديثة للموسيقى التقليدية. 
وانتبهت إلى أن المبتكر الحقيقي، أي مبتكر وربما في أي مجال، لا يهتم بالمركز فقط، ولا ينبغي له أن يفعل، بل يهتم بالتفاصيل الدقيقة جدا، وبتوزيع الأدوار على أطارف بعيدة ومتنوعة قد يبدو أحيانا أنه لا جامع بينها بينما الإحساس بالهارموني والتناغم بينها ينبع من إلهام عميق في قلب هذا المبتكر، لأنه على يقين ومعرفة بما قد تمثله تلك العناصر الماثلة في الظل من إضافة حقيقية وملهمة للتطوير أكان ذلك في الموسيقى، أم العلوم، أو الفكر والبحث العلمي أو حتى السياسة، فجوهرها جميعا إيمان بالعمل الجماعي وتوزيع الأدوار بشكل يعرف فيها موزع الأدوار الإمكانات الحقيقية لكل فرد في المجموعة.
هذا هو دور القائد الثوري أيضًا، في أي مجال ينتج عنه تغيير: أن يرى الهامش والأطراف جيدا على قدر تام من المساواة والتقدير، ويشعر بها، بل ويعرف قدر وأهمية دور هؤلاء الذين يبدون كما لو أنهم يقفون في الظلال، ومهما بدا دورهم للآخرين بلا قيمة. فالكونترباص هو عمود فقري تنتصب عليه معزوفة تتحدى الزمن منذ خمسين عاما ولا تزال بسبب هذا الوعي الدقيق بالعلاقة بين المركز والأطراف وتوزيع الأدوار على الجميع وإخلاص الجميع في الأداء مهما بدا للآخرين أنه أداء الأشباح الذي لا يراه أحد… بلمسة تنقل تراثا من طابع تقليدي إلى عالم الحداثة بضربات ماهرة.