أحمد الفخراني: ضي الماس

Illustration of George C. Duncan’s Pre-Adamite Man, 1866. Source: British Library collection

-١-
عندما ابتلع فرج قرط والدته طفلا، شكلت طريقة استعادة القرط فكرته عن الحياة: الإنسانية قد تكون فاكهة حلوة محشورة بين ثمار شجرة زقوم، جوهرة مدفونة في روث فيل، خاتم ذهبي سقط في قاع الكنيف. قبض فرج على إنسانيته وسط الخراء، لكن الزمن، تكرار الفشل، تفتت الطموح، الشك الرهيب، أشياء جعلت هزيمته سهلة وحزنه غائرا كجرح نتن. قبل أن يعرف بالطريقة الصعبة أن الإنسانية – بالضبط – هي قاع الكنيف.
فرج في شبابه، كان طموحا، وأمل – مثلنا جميعا – أن تنتشله الأحلام من الفقر إلى الثراء، ومن الكنيف إلى الفردوس. ثم سكن كل شىء بغتة، كما تنقطع الكهرباء عن الحي، ويتوقف الموتور عن دفع الماء إلى السادس. فقد طموحه كما فقد وسامته ولطف ملامحه، وتراكمت الشحوم وكتل الدهن العشوائية في جسده، وتكوم عماص اليأس في عينيه، ليصنع مزيجا من البلادة والطيبة. العفونة ابتلعته بالكامل، ولم تترك له خيارا سوى ادعاء قداسة لا وجود لها، ونشاطا ملحوظا في تتبع الجمل الحكيمة، الواعظة. أما شهوته فتحولت إلى لعنة، تتعاظم كلما اشتد عنته، وتقرقضه من الداخل كفئران مختبئة في صدره. رغم أنه لم يعد يشتهي شيئا على وجه التحديد. 
عندما انتبه فرج في لحظة تنوير باغتته كمقصلة، أن مأساته قد انتهت قبل عشر سنوات من الآن، وأن ما يحياه منذ زمن ليس سوى ملهاته، لم يغضب ولم يفجر العالم بالحقد. 
فرج في السابعة والأربعين من عمره، ولا علاج لذلك.
.
-٢-
حتى الواحدة صباحا، يجلس فرج كل ليلة على مقهى، ينتظر عودة السائقين، ليطمئن أن الباصات قد باتت في جراج الهيئة الحكومية.
يعمل كمشرف على السائقين، يسمح لهم باستعمال الباصات بعد مواعيد العمل لزيادة دخولهم. قاوم ذلك طويلا، قبل أن يدرك أن لا فائدة وأن مقاومته ستجعله نقطة تصويب للكراهية، ولن يتأذى سواه. جرب ذلك بالطريقة الصعبة، عندما كشف عقب اللحظة الثورية التي سممتنا جميعا بالأمل والفلسفة، فساد مديره السابق، فعين محافظا، ونُكل بفرج. كما أن فساد العبيد على عكس السادة، مستحق وغير مؤذ، يسد الرمق بالكاد، فصار يقبل نسبة صغيرة من السائقين، لم تجعله ثريا، ولم تتركه فقيرا. بل فاسدا فقط. حتى أنه لم يستطع شراء هاتف ذكي، إلا بالقسط.
كان اكتشافه لقدرات ذلك الهاتف فتحا عظيما، ونقطة تحول في ملهاته أو، إن شئنا الدقة، قارب نجاة مثقوب في اللجة المظلمة.
صارت تسليته الوحيدة في أوقات الانتظار هي معاكسة البنات والنساء، اللواتي لا ينشرن صورهن الحقيقية أبدا، ويستبدلنها بصور لفتيات فاتنات من الممثلات أو الموديلات، ويسمين أنفسهن بأسماء غريبة تدعي العفة أو الغنج أو الغموض غير المبرر، ويمزجن بين الانفتاح الجنسي والتوق إلى الحب وبين تطبيقات الأدعية الإسلامية والمواعظ.
لم يكتف بالمصريات الغامضات، بل بدأ في اكتشاف العالم، عبر التحدث إلى نساء من جنسيات مختلفة، ودون حاجة إلى الكتابة، فقد كان يملي ما أراد قوله على هاتفه الذكي، ليتكفل بمشقة كتابته وترجمته إلى أي لغة أراد، وبالطريقة نفسها، فهم رسائلهن. ولم يكن يراهن جميعا إلا كشراميط محتملات، يداعبن خياله ويجعلنه في هيجان دائم دون انتصاب أو ذروة. يمكن تلخيص حياته في كلمات كتلك.
ظل الأمر مسليا وبريئا، يساعده على رجم الوقت. حتى أضافته “ضي الماس”، وعندما قبل إضافتها تغير كل شىء.
حساب “ضي الماس” عادي ولا يميزه شىء، صورة مزيفة لفتاة نورانية ترتدي حجابا أبيض، وكلمات حكيمة، واسم مستعار. لكن مع الوقت، شعر بتلك الصلة الغريبة بينه وبينها، فكانت كلما كتبت جملة حكيمة على حسابها، يظن أنها رسائل موجهة إليه. تخلى سريعا وبحوادث بسيطة عن نظرية الصدفة، وأمل أن يكون شيئا مرتبا بعناية إلهية. دعم ذلك أن “ضي الماس” هي مَن طلبت إضافته.
أمل – دون يقين – أنه يستعيد اتصاله بملاكه الحارس، الذي أنقذه من حبائل الشيطان قبل عقد على الأقل، وأنه قد عاد متخفيا تحت اسم مستعار وأدعية وآيات وحكمة كإشارة إلى سمو ملاكه عن هذا العالم المترصد.
قبل أن يفقد فرج ملاكه الحارس، كان يشعر به في كل خطوة وكل نفس. بل اعتقد حقا أنه لعب معه طفلا، وطار به دورتين في الهواء، مكافأة له على عمل طيب لا يتذكره الآن، أو لأن الخير متأصل في نفسه كهبة طبيعية. 
يوما بعد يوم، صار الأمل هوسا، والتخمين يقينا لا يبارح خاطره. وإذا حدثته في الأمر سيواجهك بقرائن ومستندات، فمثلا عندما رمقه مديره الحالي ذات صباح بنظرة تجمع بين الازدراء والكراهية، رغم أنه فعل كل شىء لإرضائه، تغاضى وصمت وتملق ونفذ كل الأوامر دون خطأ. أصيب بغم هائل، لم ينجده منه سوى رسالة “ضي الماس” التي نشرتها على حسابها في نفس الليلة: “إرضاء جميع الناس أشبه بطريق طويل ينتهي بلوحة إرشادية، مكتوب عليها عذرا الطريق مسدود”، فانقشعت السحابة الثقيلة، ورفرف البشر في صدره كحمام في برج.
تكررت تلك العبارات المخاتلة من حساب “ضي الماس” لشهور. تمهل كثيرا قبل أن ينقل لها شعوره عبر الخاص. بل ظل يراقب يوما بعد يوم، شجرة اليقين وهي تنمو. قاوم كثيرا جدا، اكتشاف المسرات الكامنة في الحماقة.
لكن اللحظة التي كف فيها عن المقاومة كانت عندما كتبت “ضي الماس” تلك الجملة: ”لا تندمن على طيبتك وحسن ظنك بالآخرين، فما تلعنه الأرض تباركه السماء”. لم يشك أنها جملة موجهة إليه، فقد مسته تماما، وصفت حياته بدقة، وأوقدت حمى الشعور بالخذلان التي يحاول كبتها في روحه. بكى طويلا كطفل، دون اكتراث لنظرات الآخرين.
تجرأ أخيرا وحادثها على الخاص قائلا “وحشتيني يا قمر” لكنها لم تجب. كرر المحاولة بعد عدة أيام، ولم ترد. ربما لأن جملته عكست شكه أنه يخاطب ملاكا، فاكتفى بالغزل. كان قد نسي مع العمر كيف يخاطب ملاكا.
لكن المعجزة حدثت، وحولت هواجسه إلى عالم حقيقي ودافىء، كما يقبض المرء على كوب شاي في ليلة يرتج فيها جسده بالصقيع والهشاشة. عندما تصاعدت تلك الجملة من داخل نفسه كوحي:
“أراقب تصرفاتهم المريضة في صمت. لأني أنا الكبرياء ذاته.”
 أرسلها لها على الخاص، لم تمر دقائق قبل أن تأتيه الإجابة. كانت ابتسامة، تحمل نوعا من الشقاوة والقبول.
بعد ساعة نشرت عبارته على حسابها، داخل صورة تحمل وجه طفل رضيع يبكي دما بدلا من الدموع، وقد زركشت تلك الصورة بخطوط عبثية، منافية للذوق. لكن فرج رآها كآية في الفن والجمال. ورغم أن “ضي الماس” لم تنسب العبارة إليه، وهي على أي حال لم تكن من اختراعه، لم يشعر بالغضب أو الحزن، بل القدرة على التواصل. وعندما نشرت “ضي الماس” صورة أخرى مرزكشة لعبارة حكيمة – “الحياة ليست عادلة، فالتعود نفسك على ذالك” – حملت له، رغم كوراثها الإملائية، العزاء والقوة.
استمرت تلك اللعبة شهرا تلو شهر، أضاءت أيامه بالتسلية والبِشر قبل أن يُغلق حساب “ضي الماس” ذات ليلة، وكان آخر ما تبادلاه: “يبقى الماء ماء سواء قدمته في أكواب من الذهب أو أكواب من الفخار، كن أنت كالماء الذي لا يتأثر بالمظاهر.” وهو ما رد عليه سارقا من جوجل: ”في بيت النملة تصبح قطرة الماء طوفانا.”

.

-٣-
لا يشعر فرج بالحقد تجاه أحد، بل الخذلان فقط، خذلان عميق وغائر يثقب الروح، ويخلف غضبا تافها ومؤقتا، يظهر دوما في اللحظة الخاطئة، يوجهه نحو الشخص الخطأ ويكلفه كثيرا. 
لا يمكن أن نعتبر غضبه حقيقيا، فهو لا يؤذي أعدائه أبدا. وينتظر دوما أن يصفو ما بينه وبينهم. ولا يكف عن احترام مزاياهم، حتى ولو عرض بها مرة أو مرتين، أو شوه بعض الحقائق. فالأمر ليس إلا أداته لتفريغ هذا الغضب الوهمي. يظنه أحيانا نفاقا، لكنه ليس كذلك، بل أفاده هذا الأمر عدة مرات للتصالح مع روحه المثقوبة. يستدفيء بصفاء السلام، فهو لم يتمن مثلا من مديره الذي يؤذيه بكراهية غير مبررة إلا الرضا: أن يعترف بخدماته كند لا كتابع. ربما قناعته الذابلة والراسبة كتفل الشاي في عينيه، أنه ند لكل شىء، تنفّر منه من يقابله، فخضوعه ليس نهائيا، ومرارة سخريته تتكوم في ركن شفتيه مجروحة بالخذلان، أو تتخذ وضعا غريبا بأن تتجمد ملامح وجهه فلا تعرف كنهها، رغم أنها لا تخفي شيئا كبيرا كالرغبة في الانتقام. 
لا تجيء تلك الرغبات لفرج إلا في خلوته، لكن لحظة التنفيذ، عندما يرى وجه عدوه، فإنه يصفو حقا وصدقا تجاهه. أحيانا يظن أن ضحكته الصافية هي سر بلائه، لأنها ليست حقيقية أبدا، فلم يعد شيء يضحكه بقوة منذ فقد ملاكه الحارس. رغم كل شيء يدعو فرج ربه أن يطهره من نفاقه. فكل ما يمر به تجاه الناس صار مربكا ولم يعد يملك تمييزه، كما فقد تمييز رغباته الأصلية.
وعندما اختفى حساب “ضي الماس” شعر بخواء الخذلان مجددا، وفكر أنه لابد قد ارتكب ذنبا جعله يفقد ملاكه مجددا.

اعتصر ذاكرته، حتى وجد الذنب المنشود. 
كانت ليلة أخرى ممطرة، ينتظر فيها سائقا فاسدا، لكنه للدقة لم يكن ينتظر شيئا إلا كلمات “ضي الماس” ورسائلها الخفية عندما مر شحاذ متسخ، يبيع كمامات قذرة ليداري عورة تسوله. لم يكن فرج مستعدا في لحظة مروره لأي شىء. كان منغمسا في حزنه، ومعاكسة حسابات افتراضية لنساء بلا وجوه.
كان المتسول متشحا بأكمله بشحم الطريق وسوداه، كأنهما واحدا، فبدت عيناه الجاحظتان ببياضهما كأنهما بوابتان للرعب. يرتدي رغم برودة الليلة الشتوية، تي شيرتا ممزقا، خفيفا.
عندما جثم فوق صدره طالبا منه شراء كمامة “تقي من وباء الجنون”، لم يرق له قلب فرج، بل جفل من صوته المقبض كجوف القبر، وظن أنه ككل شىء مر عليه في حياته يبتزه عبر إثارة رعب خادع، مما ضاعف نفوره. وخشى فجأة على كل شىء: هاتفه وحياته ومقعده على المقهى وكوب الشاي ذي الأبخرة الدافئة والشجية وآماله المستحيلة ورغباته الدفينة.
اتخذت ملامحه وصوته وضعا قاسيا بلا قلب، صرخ في الشحاذ بعنف: “امش من هنا يا خول” كما يهش المرء بذعر مبالغ فيه قطة دون أن ينوي حقا إيذائها، ففرج ليس جلفا، بل رجل خائف.
حدق فيه الشحاذ بدهشة، ثم انسحب بخاطر مكسور. دفن فرج نظراته من جديد في الفيسبوك، ممسكا إياه بيد، وقابضا باليد الأخرى على كوب الشاي الدافيء.
جاء اختفاء “ضي الماس” من الوجود بعد ذلك بأيام، وانقبض عالمه من جديد، تلقائيا ربط الأمر بذنب اقترفه. فكر أولا في أن ملاكه الحارس قد منحه كل الفرص الممكنة ليكف عن استثارة خياله على بنات لا وجود لهن، وكان فرج يربط بطريقة أو أخرى بين الاستثارة على صورة ومضاجعة الموتى. لكنه سرعان ما رجح أن اختفاء “ضي الماس” سببه قسوته البالغة مع الشحاذ.
قام ليبحث عنه. يتذكر الآن، أنه كان يراه كل يوم على رصيف قريب من المقهى، دون أن يعيره انتباها. قال: سأهبه كل ما معي، ولم يكن معه سوى ورقة من فئة المئة جنيه، وورقة من فئة العشرين، وثلاثة جنيهات من الفضة. في أول خطوة، قال سأعطيه المئة جنيه كاملة. في الخطوة الثانية قال سأعطيه المئة جنيه كاملة وأشتري الكمامات. لكن بعد خطوات واثقة أخرى، فكر في حاجته الماسة إلى المئة جنيه، وأن ما يحتاجه البيت يحرم على الملاك الحارس. ثم قرر أن يهبه العشرون جنيها كاملة، ثم فكر أن يفكها إلى عشرتين. وعندما وصل إليه، لم تطاوعه يده إلا على إخراج الجنيهات الفضية.
 كان الرجل يفترش حصيرة ممزقة، ويلتحف ببطانية لا تغني ولا تسمن من جوع. ما إن رأى فرج حتى هب لارتداء كمامة الوقاية من الجنون، منكمشا أكثر في لحافه المهتريء. وبعينين خاليتين من أي تعبير، راقب يده الممدودة بالجنيهات الفضة، قبل أن يصرخ فيه: “حطهم في طيزك.”
صُعق فرج، ليس من مفاجآة السبة، لكن لغرور هذا الشحاذ الذي وضع مسمارا في نعش آخر المساحات الآمنة، وحول يده الممدودة بالعطاء إلى يد ممدودة بالسؤال. أعاد يده ببطء إلى جيبه، سأله ببراءة: لم السباب؟ اكتسبت عينا الشحاذ الخاليتان من المعنى شيئا من الحيرة. زاغتا قليلا، ولم يقل شيئا.
مضى فرج يجر أذيال الخيبة وفقدان الأمل في استرضاء “ضي الماس”.
في اليوم التالي، ظن أن الشحاذ لم يكن إلا ملاكه الحارس وقد أتاه متنكرا في هيئة كتلك، كي يختبره، للعبور إلى مرحلة أخرى أعقد. فعاد إلى الرصيف لكنه لم يجد الشحاذ في مكانه. لا شيء سوى ظل ضخم على الحائط، لم يكن سوى ظل فرج نفسه.
استمر شهرا أو يزيد يأتي كل يوم، في نفس المكان، في نفس الموعد منتظرا عودة ملاكه الحارس، سيقبل يده ويسترضيه. لكن يوما بعد يوم، لم يعد ينتظر الملاك، بل غرق في تأمل ظله الضخم.