مينا ناجي: لماذا لا أحب أوسكار

Stanley Llewellyn Wood’s illustration of Doctor Nikola by Guy Newell Boothby. Source: British Library app

.

الحالة الغريبة لليندا صرصور

.

ليندا صرصور هي نسوية معروفة ذات توجهات إسلاميّة تعيش في أمريكا، ومن منظمي مسيرة النساء الشهيرة بعد فوز دونالد ترامب بمقعد الرئاسة. في نهاية العام الماضي، وفي سياق حملات الكشف عن الانتهاكات الجنسيّة، خرجت موظفة سابقة في “منظمة الأمريكان العرب” التي تديرها صرصور تدعى أسمى فتح الباب لتعلن عن قصة تحرش جنسي واستخدام نفوذ متكاملة الأبعاد وتقول إن زميلاً لها في العمل تحرش بها أكثر من مرّة، وحين أبلغت مديرتها صرصور، اتهمتها الأخيرة بالكذب وقالت إن شيئاً كهذا لا يحدث لواحدة (سمينة) مثلها. وحين ذهبت لرئيسها، غضبت صرصور وطردتها من العمل وتوعدت بأن تمنعها من العمل مرة أخرى في أي مكان آخر في ولاية نيويورك، وهو بحسب أسمى ما حدث بالفعل.
وبغض النظر عن صحّة القصة، يبرز سؤال حول غياب أي رد فعل تجاه صرصور، ومرور اتهامات مطابقة للحقيقة في سياق الحملات الحاليّة كأنها لم تكن، رغم اكتمال نصاب كل التعديات والانتهاكات التي تتم مُحاربتها من تحرش وتكتم واستهداف للضحايا واستخدام النفوذ. ولم تدمر القصة مستقبل صرصور المهني مثلما دمرت قصة مماثلة مستقبل عشرات الأسماء من الذكور بسبب اتهامات أخف وطأة من المطروح ها هنا.

.

الرجل الجيد هو الرجل المخصي

.

في مونولوج الافتتاح لحفل الأوسكارز هذا العام، يقول المذيع والكوميديان جيمي كيميل نصف مازح: “أوسكار هو الرجل الأكثر حباً واحتراماً في هوليوود وهنالك سبب جيد جدا لذلك، فقط انظر إليه [يشير إلى التمثال الذهبي الضخم بجانبه على المسرح]، إنه يضع يديه حيث تستطيع أن تراهما، لا يقول أبداً كلمة خارجة، والأكثر أهميّة أنه ليس لديه قضيب على الإطلاق.” يصفق الحضور ويضحكون. يكمل كيميل: “إنه حرفياً تمثال الحدود، وهذا هو نوع الرجال الذي نحتاجه أكثر في هذه البلدة”.
تلك المُزحة التي ألقاها كيميل ربما تشير إلى المنطق الضمني المسكوت عنه الذي يحرِّك الخطاب النسوي المهيمن الحالي، والذي أصبح يخرج إلى السطح أكثر وأكثر بصور مُختلفة. فكثير من تحركاته الخطابيّة والعمليّة تصل في النهاية إلى موقف هو على غرار “الهندي الجيد هو الهندي الميت”، حيث الموقع السليم أو الحيادي الوحيد للرجل هو  ألا يكون رجلاً، أو لا يكون له قضيب (رغبة جنسية) مثل العم أوسكار.
يمكن ربط ذلك بتزايد أعداد الشباب الذين يعلنون على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة اعتذارهم عن كونهم ذكوراً، ويكتبون في صيغة اعتراف عن شعورهم بالخزي والعار لذلك. ربما بسبب تنشئتي الكاثوليكيّة، كان هناك شيء مألوف في تلك الاعترافات، سرعان ما تكشّف عن بنية الشعور بالذنب بسبب خطيئة لم تقترف بشكل شخصي، خطيئة أصلية عامة لا مهرب منها كامنة في الوجود (كرجل) و الوجود ذاته، لا يتم الخلاص منها إلا بالتطهر وجحدها باستمرار بشكل علني.
في الحقيقة، هناك سبب آخر لكون هذا الموقف التطهري مألوفاً، فالخطاب الذكوري البطريركي الفج من ناحيته يرى المرأة المثالية هي المرأة منزوعة الرغبة (ويتم جراء ذلك نزع مادي لجزء من العضو المعني متمثلاً في الختان) وهي دوماً في موقع الخاطئ والموصوم مهما فعلت أو بسبب أنها فعلت – تماماً مثل الذكر في الخطاب النسوي الحالي – ولحل تلك الخطيئة يتم إخفاء جسدها بالكامل (بالنقاب مثلاً).
ليس هذا المنطق الذي يبرز إلى السطح – أو “المركزية القضيبية” المعكوسة – بجديد، فقد حضر في الأصوات الراديكاليّة من الخطابات النسوية منذ الستينيات والسبعينات، التي ترى الفعل الجنسي بين رجل وامرأة في حد ذاته مُهيناً وسُلطوياً؛ فيه يسيطر الذكر على الأنثى ويخضعها ويخترقها، ولذلك فالحل هو الاتجاه إلى السحاق حيث لا يوجد قضيب وما يصاحبه من سيادة ذكورية وامتهان للمرأة. لم يلق هذا التوجه رواجاً في فترة الانفتاح الجنسي، الذي كان يسعى إلى المزيد من التحرر لا الحدود، ومزيد من أنسنة الفعل الجنسي لا تجريمه ووصمه.
لكن الأمور تغيرت ويبدو أن هذا المنطق قد دخل من الشباك الخلفي ليهيمن على الخطاب العام للنسوية لأسباب عديدة ومتشابكة. وكان الحدس به والإعلان عن حضوره الخطر هو النقطة الأساسية في البيان الفرنسي الذي كتبه نسويات فرنسيات وأثار الكثير من الجدل، أي النزعة التطهريّة المحافظة التي تساوي بشكل ضمني بين إعلان الرغبة (الذكورية) والجرم الأخلاقي، وبالتالي تتبنى مفهوم الذنب كمولِّد أساسي لزخم وقوة الخطاب والذي ينتهي دوماً إلى كراهية تصل إلى كل الأطراف.
ولذلك لا يوجد غرابة في المقارنة المتكررة بين حملات فضح ومقاومة التحرش والاغتصاب (والتي لابد من التأكيد على أهميتها وضرورتها المبدئيّة) وبين محاكم التفتيش الدينية ومطاردة الساحرات.

.

 جوة وبرة

.
يشير مهابنصر في مقال له إلى الهشاشة المُطلقة لمفهوم الجسد الحالي، وكيفية التعامل معه في المجال العام كقلعة الكينونة ووجودها المحض، الأمر الذي يؤدي إلى التعامل مع أقل احتكاك خارجي من قِبل الآخر بصفته تعدياً وانتهاكاً. ربما ساعد على ذلك هيمنة المجال الافتراضي للعلاقات الإنسانية التي تستبعد الحضور الجسدي وتسهل عملية تجنب الآخر من ناحية، ومن ناحية أخرى تؤّزم المجال العام في سياق نيو-ليبرالي يسعى باستمرار إلى خصخصة العام و“تجوين” internalization of البراني، تلك الحركة التي يمكن إدراكها بوضوح في المخيال المهيمن على مجالات التخطيط العمراني والتقسيم السكاني في العقود الأخيرة بدواعي أمنيّة وخدميّة كتقسيم بايو-جغرافي بين الطبقات والفئات.
صاحب أيضاً صعود تفكك المجال العام وتجزيئه – مع تزايد العنف – شكل من أشكال التهجين البيتي domestication، أي تحويل الخارج/المجال العام، إلى الداخل/البيت في مرحلة تالية تاريخياً للتحرك النسوي نحو إدماج قيم أنثوية في أماكن العمل والفضاءات العامة، بعد خروج المرأة إلى المجال العام وكسر حصارها في دور التربية وأعمال البيت، وهو ما يعني إدخال قيم مثل التعاون في مقابل التنافس، الانفتاح على الآخر في مقابل السيطرة، التنظيم الأفقي في مقابل الهيراركية الرأسية إلخ.. وهوإنسانياً أمر إيجابي ولا يمكن الاكتفاء منه، لكن ما يحدث حالياً ليس تدعيم المجال العام بقيم وتوازنات أنثوية بل تحويل المجال العام نفسه إلى مجال منزلي، يستبعد ما يجعل مساحة الحياة العامة مختلفة عن حياة الأسرة.
فقد كان من نتائج تحويل طبيعة المجال برمته جلب مفهوم المحارم إلى كل تفاعل بين الجنسين بشكل مقنّع. وفقاً لهذا المفهوم يعد وجود الرغبة الجنسية والتعبير عنها من قِبَل الرجل أمراً مداناً بذاته، كونه انتهاكاً لتحريم مقدس وفعلاً يستحق الفضح والتشهير كأخ يشتهي أخته أو ابن أمه ويراودها عن نفسها. لكن ما يفتقده المجال العام تحديداً هو ميثاق الدم الذي يربط بين أفراد الأسرة، وللشعور بفقدان هذا العقد التأسيسي يتم التعويض عنه بسعار تقنين العلاقات وجعلها مكتوبة ومثبتة، لتخضع تفاصيل متناهية الصغر إلى نسق قانوني.
لقد تم استدعاء البيت إلى حيث تُحمى القلعة الهشة للذات في جوانيّة افتراضيّة لكن دون فائدة، فقط يتم في يأس تغذية هوس الإدانة والمطاردة المستعرة لإخصاء كل بارقة خطر تلوح.

.

عودة المكبوت

.
كتبت نسوية مصرية معروفة منشوراً على موقع فيسبوك تقول فيه كحل لمشكلة حضانة الأبناء في حالات الانفصال: “ارموا عيالكم”، هكذا كتبتها؛ طارحة هجر الأبناء كحل نهائية للقضية التي ناضل التيار النسوي طويلاً حتى تحصل المرأة على حقوق قانونية ومجتمعية في الحضانة. ليس من الصعوبة رؤية عنف المنطق الذي يقف وراء هذا الحل، أي قطع الذراع الذي يؤلم، قطع أوصال العلاقة الغريزية التي تجمع أماً وأبنائها. فالذات المعاصرة مكتفية بذاتها ولا تلقي بالاً لما هو آخر (بما فيه الأبناء) إلا كعوائق للتحرر وحمولة فائضة تثقل غايتيْ الخفة والإشباع.
لكن الأهم أن هذا المنطق هو بالضبط تبني المفهوم للذكوري، وهو في قلب تماهي الكثير من الخطابات النسوية مع فجاجته وعنفه، بما يتضمنه من تبني مفهوم “الضعف” و”الاحتياج ” إلى الآخر كعار، والفجاجة والتوحش كتفوق وقوة. ما تقوله تلك الخطابات في الحقيقة، موجهة حديثها للذكوريين، هو: “لستم رجالاً بما يكفي ولا أقوياء بما يكفي، نحن رجال أكثر منكم ولا نحتاج إليكم، بل نحن من يجب أن يكون لهن السيادة”. لا تنحصر التباسات تلك الخطابات في مساواة القوة والعنف مع الجنس الآخر، ومن ثم تبنيها واستبطانها، بل الفهم الخاطئ لمفاهيم إنسانية عن العلاقة مع الآخر بما تحويه من احتياج وتضامن وتعاضد.
هكذا يعد تسرب المفهوم الذكوري البطريركي إلى الخطابات النسوية نفسها شكلاً من أشكال عودة المكبوت. وهناك مظاهر أخرى أكثر ضراوة؛ فبعد إقصاء مفهوم الرجل بصفته رجلاً، وفهم الذكورة مثل الأنوثة كمفهوم إيجابي وتكاملي، مع نفي أي ذكورة من الرجل كتهديد خطر، يرجع ما قد أقصي وكبت لا بنفس الصورة بل في أشكال أعنف وأحد. ويمكن فهم ظواهر الشخصيات شبه الافتراضية مثل دان بلزيريان وترافرز بينون بما تمثله تلك الفئة، التي تكتسب شعبية كل لحظة (متابعين بلزيران على موقع انستجرام فقط  تخطوا الـ٢٣ مليوناً) من تمثيل الرغبات العارية للسيادة الذكورية وفكرة الرجل “الألفا” في أقصى صورها فجاجة وكاركاتوريّة؛ العنف المفرط وانعدام العاطفة والقوة الرهيبة والامتهان الأكثر وضاعة للمرأة. وهي أمور يتم هندستها بعناية في كل صورة وفيديو وتصريح، بل وكتابة سيرة ذاتية مُتخيّلة لتقديم تلك الشخصيات.
يمكن متابعة الإعجاب بتلك التمثلات للقوة والسيادة من قبل إناث (يتبنين الخطابات النسوية) بشكل علني، واللهاث من قبل فئات أقل وعياً وراء شخصيات سينمائية تعبر عن الذكر القوي أو الصايع يؤديها تامر حسني ومحمد رمضان وأحمد السقا، بل ويمكن قراءة إحصائيات الشباب والشابات من مختلف بلاد العالم في الأعوام الماضية للنظير الموازي لتلك الظاهرة، مضافا إليها بشاعة العنف في تنظيم داعش، فيكاد يكون هناك تطابق بين فكرة الاحتفاء بالسلاح والقوة وتعاطي المخدرات والتعامل مع الإناث كمحظيات وعبدات جنسيات يخضعن للرجل القوي المحارب. هذا كله مع تصاعد ظاهرة الممارسات السادو-مازوخية وألعاب العبودية والاغتصاب المتخيل والمُمثل في خلط بين العنف والأمان والعنف والحميميّة: التخلي التام عن قلعة الجسد لصالح الآخر، لعبور تلك الهوة التي لا تُعبر، وللتخلص من الهشاشة ورعبها، والاحتياج العميق للآخر الغائب والمقموع. وفي النهاية بالطبع لا تصل كل تلك الظواهرالعنيفة بالذات المعاصرة إلى الإشباع أو التحقق أو السكينة.
وهنا تبرز على الجانب الآخر من الطيف ظواهر البحث عن الحميمية والتواصل مع آخر غير الآخر الذي فشل في الحفاظ على ثباته وحضوره، مع الآخر الحيواني من تربية القطط والكلاب وغيرها كشريك أو كذرية وأنسنتهم (التعامل معهم كبشر)، ومع الآخر “الجماد” من الدخول في علاقات عاطفية وجنسية مع عرائس من السيليكون وروبوتات ذات ذكاء اصطناعي، وهي الصناعة التي تزداد رواجاً وازدهاراً في الوقت الذي يصل فيه تعداد البشرية إلى حوالي ٧,٦ مليار نسمة، وهو الرقم الذي فكرت فيه كثيراً حين رأيت هذا المنتج.
ما تقدمه تلك العلاقات هو تعويض يائس عن الحميميّة الغائبة، محاكاة ساخرة ومريرة للتواصل مع آخر ليس مهدداً ولا خطراً ولا منتهكاً لأنه ليس آخر بالفعل؛ آخر دون إرادة خاصة ولا تفكير غامض ولا مبادرات غير متوقعة أو مطلوبة. ربما كان هذا وحده كافياً لمراجعة التفكير في تنظيم العلاقات الإنسانية، التي تدخل في موقف غير مسبوق من تكاثر عدد الأفراد وسهولة التواصل بينهم والعزوف عن ذلك في نفس الوقت.

.

نسوية لها دور

.

إذا كان الخطاب النسوي الحالي يسعى إلى مزيد من العدالة والأمان والإشباع في العلاقات الإنسانية، فعليه أن يكون مهموماً بإدخال تلك المفاهيم بشكل ناضج وواع في سؤال التواصل والتعبير عن المشاعر والأحاسيس والرغبات تجاه الآخر، في عالم تتأزم فيه العلاقات وتنحل أكثر فأكثر، مستدعية بذلك المزيد من العنف والكراهية والحلول الانعزاليّة اليائسة. وهناك عبء إضافي لتحقيق ذلك في عالمنا العربي الذي يحظى بتشوهات أعمق وتحديات أصعب، بداية من الازدواجية العامة والخاصة التي ترى العلاقات العاطفية محرَّمة رسمياً ومقبولة عملياً، بما ينتج عنه من تغييم يصم أي تقرب بالتحرش وأي اشتهاء بالدونيّة ويعتبر الحب إهانة وانحطاطاً، ولا أجد مثالا على ذلك خيرا من إجابة إحدى الشخصيات النسائيّة المصريّة الشهيرة على موقع تويتر مؤخراً، حين سألها أحد المتابعين إذا كان من اللائق أن يقول لزميلته في العمل إن تصفيفة شعرها أنيقة أو فستانها جميل، فكان ردها أن هذا يعتبر تحرشاً إذا لم يكونا في علاقة عاطفية.
بجانب كل مشاكل التمييز الجنسي الحقيقيّة والمترسّخة في بلادنا، فالمشكلة الحيويّة التي يتم تجاهلها باستمرار هي محاربة المنطق المحافظ الذي يتهم ويصم أي مبادرة بالتواصل بين الجنسين بأنها خطر على الأخلاق ومهددة للسلامة، وهي النتيجة الطبيعيّة لخطابات نسوية فائقة الحساسيّة وانتقاميّة في مضمونها، حيث يُرهَب أولئك الذي يأخذون خطوات خارج السائد في مجازفة نحو علاقات إنسانية وعاطفية أو في محاولة تأسيس وتثبيت قواعد يتعاملون من خلالها. فيتم تدمير هذه الخطوات الصغيرة في سبيل التحرر والتطور عن طريق كماشة يمسك طرفيها فريقان نقيضان: “كل مُفصحة عاهرة، وكل مُفصح متحرش.” ولا سياق أو قواعد تحمي أيهما.

SaveSaveSaveSave

SaveSave

SaveSave

SaveSave

SaveSaveSaveSave

SaveSave

SaveSaveSaveSaveSaveSave