مهاب نصر: قصائد أجدد

img_1850

Lue Orange, 1903 US Department of Agriculture Yearbook. Source: etsy.com

المجتمع
“المجتمع”
لا أعر ف يا أخي ماذا أصنع بهذه الكلمة؟
لأنني أقطع المسافة من حجرتي إلى المطبخ
دون أن أشعر بها على الإطلاق
وحتى حين تغمز لي زوجتى
أو ترفس كاحلي أسفل المائدة
أحاول أن أبدو متفهما
فأدير رأسي
كأنه سيمر من هناك
“لا يجب أن يراك هكذا” تقول،
وأنا أطفئ سيجارتي على عجل
..
حينما تكون الريح قوية
بحيث نضطر إلى الركض باتجاهها
تقول لي: إنه وراءنا مباشرة
لكنني أحس بنفسي خفيفا،
إشاعة لم يعد أحد قادرا على ملاحقتها
..
أحيانا أمثّل وزوجتي:
يقف أحدنا فوق مقعد
والآخر يقعي بعينين متطلعتين
أحدنا يفتح ذراعيه باتجاه السماء
والآخر يبكي
يا إلهي… المجتمع جميل جدا
..
لأنها تصدق
كانت تحلم، وتتذكر أحلامها
المجتمع يأتي في النوم أيضا
وعليّ أن أستمع حين تستيقظ
لأنني أيضا
آمل أن يكون شيء ما هناك
..
كلما تكلمنا
تحدث وقائع غريبة
حرب مثلا في بقعة نائية
انتحار شخص
لم يكن موجودا حتى هذه اللحظة
ثورة
وفي كل مرة
يفاجئنا العجز نفسه عن التعبير
الخوف نفسه
من الوحدة التي تصنعها الكلمات
الشعور نفسه ببرودة القدمين
“صدقني” تقول لي
وأنا أصدقها فعلا
وأناولها جوربين
حتى لا يراها المجتمع مكشوفة هكذا
.
.
عربة تسوّق
بعربة التسوق
أعبر عن امتناني للحب٠
صفير عجلتها الأمامية
مجرد تعبير عن القلق،
عن انحراف ضروري للمزاج
تحت ثقل العطاء
الزيت هنا، واللحم في المقدمة،
وقلبانا يا حبيبتي
يرتعشان أمام ثلاجات العصائر
الضوء هنا قوي جدا
ونتساءل: أيكون كذلك أمام الله
حين نقف بعربة الوفاء هذه؟
حيث لا أسرار
حيث الموت
ممشى متحرك لأرواح أصدقائنا
وصفير العجلات
يأتينا من أسفل
مثل مظاهرة للندم
.
.
الضوء
عندما أعبر إلى الرصيف المقابل
لا أحد يعبأ بذلك
ظلي نفسه لا يغير اتجاهه
الضوء لا يرانا وحدنا
لا يعرف بأي ألم نقطع خطوة
ثم ها أنت تنظر إليّ
وكأنني لم أعبر بعد
كأنني سقطت هناك من الإعياء
كأنني جئت ألهث فقط
لأخبرك بذلك
.
.
مدينة محترقة
نعم، أنا يوناني أصلا
لكن بلا شعب
أنا ابن جزيرة رأيتها من فوق السحاب
فقلت: سأولد هنا
أبي نفسه لم ينكر
مال على أذني: “أنا مشّاء”
واختفى في كتاب
ومن الكتاب وُلِدتُ
قدماي حافيتان
مع كل كلمة أحرك ذراعي
روحي كسولة
ومن الكسل تولد الأفكار
كذراعين يطردان اليأس
كاترينا أطول مني
علي إذن أن أكون فراشة لأقبلها
من الحب تولد روحي
مضطربة كما في كتاب
يا إلهي
أهذا حي “كفيسيا”؟
أهذه الأشجار خرجت من المدرسة؟
أهذه كتبهن المضمومة إلى الصدر
مِن أعشاش العصافير هذه وُلِدتُ
آكل الديدان
وأثرثر على أفاريز الشبابيك
سفسطائي ومعلم
مدينتي احترقت
في جيبي عملة،
شمس صغيرة جدا
أبي نفسه لم ينكر
وفي نومه كانت كفه تقبض على شيء ما
جزيرةٍ ربما،
قلبٍ خارجيّ،
عملة ترِفُّ في شوارع مدينة محترقة
.
.
تحقيق
ما رأيك لو حُمِلت على شاحنة
مع رسالة فاكهة إلى خارج الحدود؟
ثم ها قد كُشف أمرك
لكنك طوال يوم وليلة
كنت تفكر كبرتقالة
الآن هم يحاكمونك لا على الهرب
بل على كونك سريع النسيان
التحقيق لم يترك سوى قشرة
أما أعضاؤك فعشرة فصوص
غير بذور لا يعرف أحد
أي مطر سيمنحها القدرة على الكلام
لكن أهو ضروري أصلا؟
ضعوا البرتقالة في صحن
وقولوا لضيوفكم: تفضلوا
.
.
شمس
لو كانت لي حديقة
سأبيعها
بثمن الشمس التي كانت هناك
يدي في جيبي
كلما تذكرت أغنية
صارت خطوتي أبعد
شمس من ورائي
وأحدهم ينادي: إلى أين؟
كأنني شخص حقيقي
.
.
في انتظار كلمة
هل فكرت يوما أن تصنع سفينة من طراز قديم؟
أن تعيش أعواما متنقلا بين الغابات
تتشمم لحاء الأشجار
وتتوسد حراشفها في الليل
أن تحلم بأنصاف آلهة يضربون المجاديف في الهواء
أن تصبح لحيتك طويلة جدا
بحيث تتخذ شكل موجات تصلبت
أن تبلل إصبعك
فتعرف ماذا تحمل نوايا الله
ومن أين تأتي غضبته
أن تعود إلى مدينتك وقد نسيت الكلام
وهو ما يجعل عينيك مخيفتين أكثر
أن تصافح وكأنك تختبر حبل الصارية
أن تترك وحيدا مع أظافرك
أن يكون لك نوع من صلاة
تشبه التجشؤ بعد وجبة دسمة
في الشمس جفت الألواح
بين ثغراتها مزق من الخيش والقطران
الطلاء أبيض
لكنه في النهار يضوي كالذهب
الأشرعة أيضا قلوب بيضاء كبيرة جدا
تعكس اتجاهها مع كل ريح.
لكن أين البحر؟
إنه عيناك الجاحظتان
أذنك المصيخة إلى خطوة الغريب على الدرج
بابك المفتوح
كفم ينتظر كلمة
.
.
يوماً ما
يوما ما سأكذب وأغش
يوما ما سأغني في مشفى
وأغيظ الملفوفين في الضمادات
يوما ما سأضرب بجناح فوق أسلاك سجن
وأطير قبل أن أسمع ندءات اليأس
يوما ما سيُفعل بي
ويتورّد خداي من النعمة
سأضع طاقية الصباح
لتوقظ روحي
روحي كانت حصاة في جبل
والجبل عنقه يحمل الشمس
استيقظي يا حصاة
انقري هذه النافذة باسم الحب
وتلك من أجل غموض الأحلام
ضاعت حياتي
كنسمة أسفل الذقن
كنشوة ذراع
ودعت رفيقها منذ لحظة
كإهانة أراقت الكأس على ملابسي
وها نحن نضحك
كل شهوة قسوة
ولكن انظر… اقترب بعينيك أكثر
أي وحشة هنا!
نادني
نادني دائما
أيها الجبل الذي يحمل الشمس
يا إلهي
.
.
أسلوب
أريد أن أتذكر فقط،
كنوع من الاحتقار
كأسلوب في إهانة خصم
كـ”لا”
تسير إلى الأمام
ولا تدير وجهها
“لا” دون أن تُسمع
ما أعيشه هو ما يصبح بعيدا
كأنما رأيته من قبل
هكذا يدرك الواحد حدوده
لا يعود شيء حقيقيا
حتى الرعب يطير عن الكتفين
ويعود كبرودة في صدر عار
يدي صغيرة في راحة الماضي
يدي غاضبة
وقدماي تسرعان جوار قدمين كبيرتين
ولا ينطق أحدنا بكلمة

SaveSave

One response to مهاب نصر: قصائد أجدد

Comments are closed.