أحمد المنيراوي: كأنه يراه

كان شوقي للشاورما طاغياً على كل شيء. ذلك الذي دفعني للخروجِ من بيتي، تحت غطاء من المطر والنّسمات الباردة. لأجل الشاورما سأتجاوز الاكتظاظ البشري وعربدة سيارات التاكسي متوجّهًا من وسط العاصمة إلى حي العوينة على الفور.
بعد وصولي ومقابلتي لصديقتي التي عادت حديثاً من قطر، توجّهنا لمطعم سّوري يعمل فيه صديقي الحلبي عبدو. طلبتُ من عبدو فرشوحتين على طريقتنا بالمخلل ودبس الرمّان والحمّص والطحينيّة، لأشفي قلب معدتي وأهدّئ من روع شوقي للأكلّ الفلسطينيّ. من هناك وفور انتهائنا انطلقنا أنا وصديقتي كل يبحث عن تاكسي. كانت محظوظة في التقاط واحد في أقلّ من خمس دقائق، في حين استمرّيت في المشي ما يقارب نصف ساعة حتى عثرت على الحاج محمد.

الحاج محمد أكبر سائق تاكسي قابلته في تونس، يبلغ من العمر ستة وسبعين عامًا. بدأ العمل كسائقٍ منذ أكثر من عشرين عاما بعد انتهائه من العمل كحلّاق لخمسة وثلاثين عاما في منطقة باب جديد في وسط العاصمة. يقول الحاج عن وصفه للتدهور الميعشي التي تعيشه البلاد: كنت أشتري خبزة تزن ضعف خبزة اليوم بخمسة وعشرين فرنكا، في حين تساوي خبزة اليوم مئتي فرنك. كانت ذاكرته رطبة وحنين ما يشدّه إلى والده. تذكره وهو الذي اعتاد المشي حسبما حدّثني إلى تسعة كيلو مترات يومياً، حيث يبدأ رحلته من نهج الجزيرة هبوطًا إلى باب عليوة ثم إلى معمل التدخين في طريق الورديّة وصولاً إلى محطّة المترو ١٣ أغسطس ومن ثمّ نهج الساحل حتى منطقة ٩ أفريل ثم يكمل مسيرته إلى القصبة: محطّته الأخيرة.

كان يسرد رحلة والده وكأنه يراه.