دينا ربيع: فصل في العذراء التي في عقلها شيء‎

Mona Hatoum, Coiffure Dame (Kairouan), 2001-02. Source: alexanderandbonin.com

كانت المرأة لا تحبّذ أحاديث الهوى لما تحويه من مساخرَ وقلة تهذيب، يغفر لها ما شابت عليه من عرف، بتولا لم يمسسها إنس ولا جان. وكانت تمقت المحبين وتشمئزّ من سيرة الحب، إن حدّثتها عن عاشق أثارت غثيانك نظرتها الأخلاقية العاتبة، كأن عينيها الثاقبتين ترى عورة جسدك وروحك من تحت الثياب والوقار.
إذا كان العاشق كهلا، قالت: “شوفي يا أختي الرجل العايب”، وإذا كان شابا سلّت له عصا كلام العيب والحرام ووجهت إليه اتهامات حب السفالة والمسخرة: “ما أنت عينك منها يا وسخ”، كأن التبتّل الذي فرضته على نفسها أُنزل على الخلق أجمعين، وإلا صاروا عندها شهوانيين، وهذا لا تقبله؛ لا يعارضها في ذلك جسدها الذي بردت نيرانه وولّت فوراته إن كانت له فورات.
كانت السيّدة تفيق منتصفَ الليل على مواء القطط الشهوانية في الشارع، فتسبّها بصوت يسمعه كل من في الشارع، ثم تصبّ عليها الماء البارد في ليالي الشتاء: “عشان يهدوا كدا ويبطلوا زنّ”.
ربّت السيدة فتيات الحي على منهجها الرصين، وكاد يقتلها – فعلا لا قولا – فعل البنت التي شطّت عن رهبانيّتها وصاحبت رجلا كانت تضاجعه ويضاجعها كفعل الرجل وزوجه تماما تماما غير أنه بغير زواج. تكاد السيدة أن تنجلط كلما نتفت المارقة شعر إبطها أو حاجبها، أو حلقت من عانتها، أو حتى غسلت بدنها بالماء. تارة تقول إنها “لسّه صغيرة ع الحاجات دي”، وتارة تصبّ عليها أبشع الألفاظ إذا فعلت فعلتها تأهبا للقاء الرجل إياه.
كانت فكرة أن البنت تفعل معه ما تفعل خارقة لطاقة احتمال المرأة، وعندما فشل السبّ وتكسير المجاديف مع هذه “الشحطة” التي ليس لها عليها كلمة ولا حكم -“كانت عاوزة راجل يقطم رقبتها”- أصبحت تكتفي بقراءة القرآن حتى ترجع البنت من النكحة المباركة، تشهد الله عليها وتتبرأ من نجاستها وتدعو لها بالهداية، والبنت لا يليتها من هذا شيئا غير أنها تتكيّف ولا يشغل قهر المرأة من بالها، بل زاد أنها كانت تتمشّى عريانة بين العنابر بعد الاغتسال، تراها المرأة وتلعن جسدها الغثّ المقفع: “أمّال لو كنتِ حلوة شوية كنتِ عملتِ إيه، استري نفسك يا معفّنة”.
كبر إحساس القرف من الجسد عند بنات أخريات آثرن السلامة مع العجوز العاتبة، فكن يكتفين بلمس بظورهن في الظلام بسرعة والهمس إذا ما سمحت لهن أن يغلقن أبواب العنابر عليهن بغير أن تسمّم أبدانهن العفنة الآثمة باتهامات الوساخة والتخفي من أمر معيب وراء الأبواب… يسرقن لحظة انبساط في ستر الليل إذا واتاهن الحظّ ولم ينفتح الباب عليهن فجأة بغير استئذان لا يحقّ لهنّ في كبسة بوليسية أليفة.

SaveSave

SaveSave

SaveSave