مهاب نصر: ملاحظات جديدة على موضوع الجسد

Bryan Costales, The Stampede San Francisco Animal Role-Players in the 2016 San Francisco Pride Parade. Source: bcx.news

هذه قصة من الممكن تجاهلها: ماذا لو كنتُ واحدا ممن تعرضوا للتحرش – في سن مبكرة جدا – من قبل الجنس الآخر؛ بما يُعد، بالمنطق السائد الآن، جريمتين مضفورتين معا، حيث يضاف إلى التحرش انتهاك الطفولة؟
أقول: بالمنطق السائد، لأن هذا “التحرش” المبكر أنضج وبسرعة حواسي كلها. وفي غياب أي فكرة عن الانتصاب في سن كهذه، كانت الرغبة كأنها تتوزع الجسم كله، وتبطنه بما يشبه غموض مادة تتخثر، هي مادة الروح ذاتها. رائحة عانة، هي ليست مجرد شيء بدائي، بل ما يترك الظهر عاريا ومكشوفا بلا طريق للعودة.
أتساءل الآن: لماذا لم يعتبر ما كانت تمارسه النساء أمام الأطفال كما شوهد في الفيلم التونسي الشهير “عصفور السطح” انتهاكا، ولا مبالاة إجرامية بمشاعر طفل وحواسه؟ أي نوع هنا من استفزاز الخيال المقموع أو السابق لأوانه؟ ولماذا اعتبر زمنا، كهذا الذي تدور فيه أحداث الفيلم، مثيرا للحنين لا الغثيان؟
ترى لو أننا قمنا بقلب فيلم “عصفور السطح” ليحكي قصة طفلة يتعرى أمامها الرجال  دون حرج ألم يكن ذلك ليعد جريمة مقززة؟
تتوفر رواية “حكايات حارتنا” لنجيب محفوظ، والتي تروى بلسان طفل، على سرد شديد الحيوية فيما يتعلق باستكشاف طفل لمشاعره الجنسية الأولى تجاه أجساد النساء في الحارة. وبالتواطؤ المعلن والصامت أحيانا – والمزاح المبطن للرغبات المبهمة، والمهيج لها أيضا – يترافق ذلك مع انكشاف العالم المحيط بالطفل. يقرن محفوظ بين غموض العالمين الجسدي والروحي المماثل للأشعار التي يتطوح معها أهل الله في التكايا ويرددها الطفل بلغتها الفارسية دون فهم معناها.
“أقترب من مجلسها فترمقني بنظرة باسمة وتقول: (وقعت يا بطل)، وتستلقي على بطنها وتقول لي (دلك لي ظهري). أشمر عن ساعدي، أدلك ظهرها بحماس ورضا، أشم رائحة جسد بشري معبق برائحة الصابون والقرنفل، وهي تتمتم (تسلم يداك)، ثم بمزاح (أنت عفريت من الجنة). ثم تضحك: (الكتكوت الفصيح يخرج من البيضة يصيح)، ويزداد حماسي في العمل، فتقول: (ارفع يديك يا شيطان، هل ستخبر أمك؟)… (كلا)… فتضحك وتقول: (وعارف أيضا أنه يوجد ما لا يقال).”
هنا تتصالح المرأة مع رغبة جنسية “غير متوازنة”، وتعشق جسدها بعيني رجل مستقبلي. بالطبع ثمة ظروف أشد تعقيدا يمكن أن تحيط بالمشهد كله. لكن التعاطي المختلف مع مشاهد كهذه يكشف عن حجم النفاق والانتهازية في دعاوى التحرش، وعن تكريس للوضع الذكوري المزعوم بشكل مقلوب.
غير أن ما أريد الإشارة إليه هو أن الجسد دائما ما “يُدفع” ليصير جسدا حقا (أي جسد إنساني). لا يحدث هذا تلقائيا أبدا، بل بممارسة نوع من التحرش والعنف المبكر هما ما يزجان به ليس في الفضاء الاجتماعي فحسب، بل في فضاء المعنى أيضا، بما يجعله موضوعا إشكاليا، موضوعا للنزاع على الدلالة، والتنازع في المكان. نحن دائما ننضج مبكرا عن موعدنا، لأننا لا ننضج أبدا من تلقاء أنفسنا.
من المؤسف أنه فيما يتعلق بقصة التحرش، بل وبحرية الجسد عموما وعصمته، أنها لا تأخذ في حسبانها إلا البشر “الناضجين”؛ كأنما ولدوا، رجالا ونساء، بلا تاريخ، وفي قلب المسؤولية الاجتماعية مباشرة. ولدوا في إطار قانون المدينة كمحميات طبيعية. وتستخدم الآن كل نفايات العتاد الفلسفي للحداثة المهزومة للتأكيد على نضج بلا أصل، لأن الغاية إفراد الواحد مع ذاته، دفعه بكل قوة إلى جسده وإلصاقه به في وحدة وجودية وقانونية.
يتحدث نوربرت إلياس، عالم الاجتماع الألماني، عن ما يسمية “الأنا الخالية من النحن”، مدينا تيارا متصلا من الأخطاء الفلسفية المتعلقة بتوصيف “الأنا” وفق نظرية معرفية تفضي حتما إلى طريق مأساوية: “إن الصورة الفلسفية لإنسان ساكن غير متبدل، موجود في حالة النضج، بدون أن يسبق أن كان طفلا، وتهميش هذه العملية التي يمر بها كل إنسان، هي حتما أحد الأسباب التي تؤدي إلى طريق مسدودة تقع فيها نظريات المعرفة الفلسفية دائما وتكرارا، ولا تجد لها منها مخرجا.”

هل هي “أخطاء” حقا؟ أم أن هذه الطريق المسدودة هي المطلب غير الواعي للحداثة الرأسمالية المستمرة إلى الآن؟

هذه الطريق المسدودة التي تأتي على شكل ملاك أو شيطان هي مدخل السياسة بمفهوما الحديث أيضا، باعتبارها “ضبطا” للرغبة مرة، وإطلاقا لها مرة أخرى بعد اعتبارها “نشاطا ذاتيا”: حلما يمكن أن تعثر عليه فوق رف في مجمع للتسوق. في الحالين ظل هناك ما يمكن اعتباره عنفا مضمرا. أو بتعبير آخر فإن ثمة مصادرة ينطوي عليها الفعل السياسي تقرن الرغبة بالعنف، وتجعلهما الشيء نفسه، بدل أن تفسرهما وتعيد توطينهما داخل الخبرة الإنسانية المشتركة.
إذا كان العنف (الذي يعد التحرش واحدا من وجوهه) يتمثل في التعدي على “محمية” الجسد، وفي اختراق حدودها، فلماذا يختزل في التحرش الجنسي؟ نحن في حاجة إلى مفهوم واضح لما يعد عنفا وتعديا في التعاطي مع الجسد. ما الذي يضمن أن تكون ضغطة مصافحة أو تربيتة على كتف نوعا من رفع الكلفة لا الإهانة؟ من له حق تأويل تعدي الجسد باعتباره عنفا، أو دعوة غير مرغوب فيها؟
نبهني أحد أقربائي، وكان بمثابة صديق لي، بينما أعلق يدي في ساعده، ونحن نقطع أحد شوارع أثينا (وكانت هذه هي المرة الأولى التي أغادر فيها وطني) أن ذلك التصرف سوف يفهم هنا بطريقة خاطئة. قالها بسحنة مرتبكة وهو يحل يدي من ساعده برفق.
سوء الفهم هو جزء أصيل من العلاقات الإنسانية، بما في ذلك التفاوت في تقبل الحرية الجنسية وطريقة الدعوة إليها، وهو الجانب الذي تقصيه قصة التحرش، وتلصقه سريعا بتاريخ اضطهاد للمرأة، لأنه بات من الواضح جدا العجز عن اكتشاف مفهوم للحرية أو الخصوصية إلا في إطار معركة، بالمضادة مع جهة ما. وهنا، كما أسلفت، يتدخل القانون والتعاقد اللاشخصي، وكأن ذلك يضمن حدودا آمنة للجسد. الأكثر أن هذه الصيغة في التعامل مع الجسد تمنحه صفة المطابقة لـ“الأنا”، وتتجاهل أنه بالنسبة للأنا ليس الجسد ملكا، ولا حتى بديهة واضحة.
سوف أضطر إلى استخدام نوع من المجاز حين أتكلم عن الجسد، مادامت لا توجد كلمة تقول الشيء نفسه في علاقتنا به. “الشرفة” مثلا، باعتباره ما يظهر من الذات للخارج، ما نتكئ على إفريزه لنواجه العالم، ما نقول به إننا هنا، وما يقال عنه “هو يبتسم لك، لكن لا تعرف ما يخفي بالداخل”.
الجسد، الذي هو موضوعنا الآن، يمثل تقريبا هذه الشرفة؛ ما يجب أن يُعتنى به، أن يحاط بأزهار وضحكات، أو ينهال منه السباب والقبضات المهددة. أن يبدو نتوءا ظاهرا ومنافسا في فضاء المدينة: برج المراقبة اللامبالي، ما ننسحب طاوين مصراعيه إلى الداخل بينما يظل في الوقت نفسه هناك.
ما يقال عن حرية الجسد أو الاستمتاع به يتعلق بهذه الشرفة تحديدا. ومن الصعب تصور ان يكون المقصود هو أن يستمتع الواحد بأمعائه مثلا. فما هو في الداخل غريب عنا غرابته عن الآخرين. نفترض وجوده لكننا نفترض أيضا أن يكون مبطنا لهذا الوجود في صمت تام. تجاه الجسد الداخلي نحن أطفال مرعوبون. وفي أفلام الرعب يتم الاعتماد على فكرة كهذه، ينهض الوحش من الداخل، من المهجور الذي اعتبرناه دائما لنا. هذا الجسد… جسد من؟
دانييل بناك في كتابه “مذكرات جسد” يضعنا أمام المسافة الافتراضية بين الأنا والجسد. المذكرات التي يفترض أن تكون بلسان طفل قرر أن يكتب عن جسده، جسده بالتحديد، تتضمن في واحد من مشاهدها الأولى الموقف أمام المرآة. وعلى خلاف الزعم بكون المرآة هي منشأ الهوية الموحدة للإنسان، فإن ما يحدث من مدون المذكرات الصغير هو حال من الإنكار: “نظرت إلى نفسي لأول مرة، بقيت مدة طويلة أمام المرآة. لم يكن الموجود داخل المرآة حقا أنا. كان ثمة جسدي لكن لم أكن أنا… بدأت أردد: أأنت أنا؟ أأنا هو أنت؟”
كان راوي المذكرات يتعرض بشكل مستمر للتعنيف والرفض من قبل أمه، وللمهانة من زملائه.
يمكن لكُتاب التنمية البشرية وأشباههم الآن أن ينصحوه بالطبع: أَحِب جسدك، تصالح معه… دعه يتفتح. وهي مسألة ممكنة بالتأكيد، ولكنها ليست مباشرة على الإطلاق. ما تقوله “مذكرات جسد” أننا لن نتطابق أبدا مع أجسادنا التي نتطلع إليها في مرآة. فما بين المرآة وبيننا عين “الآخر”، هذه العين هي المسؤولة أصلا عن شق هذه المسافة، وعن رؤية هذا القابع هناك باعتباره “أنا” وهي مفاجأة ليست دائما سارة. إن المرآة مسبوقة بعين الآخر وبوصاياه، مسبوقة بالحب والكره والإذعان والهجر الموجهين.
صحيح أن “الأنا” مضمومة في بيت جسد، ولا مكان آخر لها ما دمنا مثلا لا نؤمن بالروح، لكنها الرفيق العاق لهذا الجسد بسبب من قدرتها على رؤيته بالتحديد، بسبب من الهوة التي جعلتها تتعرف إليه وتسأل “أنا هو أنت؟” لأن هذا ما نقوله لأنفسنا أمام المرايا كل صباح، وليس من أجل كتابة مذكرات فقط.
الإرث الديني لقصة الخلق في ديانات التوحيد اعتبر هذه اللحظة (أأنا هو أنت؟) تأسيسية، وقرنها بالندم. أما نرسيس فتقترن قصته بالتدمير الذاتي. كلاهما يحكي قصة العنف: عنف الإنكار أو العشق الذاتي للجسد. لكن دانيال بناك في مذكراته يعيد الطرف الغائب في قصتي آدم ونرسيس: عين الآخر.
الخادمة فيوليت، على خلاف الأم التي ألصقت الطفل بجسده كقدر كريه، تتعهد صحاب المذكرات الذي يظل مدينا لها أبدا. هي لم توقظ حواسه بطعامها أو بروائح جسمها المختلطة. لقد استقرت بطريقة ما بينه وبين جسده فيما يشبه حفل تعارف.
“مسحت فيوليت الجرح، ولم أحس بأي شيء، لأنها أخذت تصرخ بدلا مني، كانت تصرخ صراخ ألم فعليا وكأنما يسلخونها حية. ذهلنا أنا وتيجو، ثم انتهى بنا المطاف إلى الضحك. ثم أحسست بعد ذلك على ركبتي برودة الكحول الذي يتبخر. تبخر معه جزء من الألم. قلت لفيوليت إن الأمر لن ينجح مع الساق الثانية لأني بت أعرفه. هل تراهن؟ هات الساق الثانية. هذه المرة أطلقت صيحة مغايرة، صيحة طائر حادة زعزعت طبلة أذني. النتيجة نفسها. لم أشعر بشيء. يسمى هذا يا صغيري الجسور بالتخدير السمعي.”
يسمح لنا “الآخر” بإمكان تمثيله، بنوع من تبادل الأدوار؛ حتى خبرة الألم لا تعود بعدها “لنا” بالكامل.
يمكننا الإفادة هنا من جان لابلانش (عالم النفس الفرنسي) في تحديده للحوافز الأولى للطفل باعتبارها “تمثيلا” لمؤثر خارجي من مجتمع البالغين ورسائله الجنسانية. الرغبة نفسها لا تنطلق من “الأعضاء الحساسة” كنداء مقموع، بل من موضعة ذاتية لمؤثر خارجي ملغز بالنسبة للطفل.
“إن الفتاة التي تمددت أمامي يوما، والتي تحدثت عنها في الفقرة الأولى، داعية إياي إلى لعب غامض كانت قد أوصدت النوافذ. ضوء خفيض يتسلل من النهار والصخب في الخارج. صمت ورائحة. هذا كل ما أتذكره.”
لقد أُهملت، فيما يشبه العمد، العلاقة الجدلية بين لحظتين: المؤثر الخارجي المرتبط برسائل البالغين المشفّرة، وإعادة تمثيلها فيما يسبق حتى اللاوعي. هناك “هوس” علمي وأخلاقي في محاولة تحويل اللاوعي إلى لغة، لغة بدئية تشكل بها اللاوعي نفسه فيما يشبه الطفرة. هناك عناد مَرضيّ من أجل إفراد الإنسان مع ذاته، أو ما يسمى “قدره”. ثمة كراهية عميقة للغموض المحيط بالتجربة الإنسانية. وكأنه إثم أو عار.
من الطبيعي أن ينتهي ذلك بالتشديد على “الأنا” حد التأليه أو الاحتقار. وأن يستفيد من ذلك مروجو فكرة “اصنع لنفسك حكاية”، حيث تصبح الحكاية مجرد قوة، حصانة، نوع من مضاعفة “الأنا” غير المثبتة أصلا. هذا الإرث المريض ليس أمامه سوى العنف أو الخضوع للـ“صوابية” السياسية والقانونية المتعارف عليها الآن.
حين تموت فيوليت يدون الطفل في كراسات مذكراته جملة واحدة يكررها بلا توقف: “ماتت فيوليت”. هذا خرق للتعهد بأن تكون المذكرات قصة جسد. وهو ما يبرره بكلمات أخرى: “في الواقع ماتت فيوليت. وبالنسبة إلى الطفل الذي كنته ما كان ينبغي لها أن تموت. كانت تحت حمايتي، أفهمتِ؟ ذاك أن القوة كلها التي نهلتها من قوتها الهرمة جعلتني منطقيا حاميها.” لا تعني “الحماية” هنا وهما عن بسط النفوذ على جسد آخر، بل تعني أن هذا الجسد نفسه أصبح جزءا من الذات حقيقة لا وهما، وموته هو خبرة فاصلة، لأننا لا نكاد نعرف ما الذي مات فعلا. “ماتت فيوليت” ليس سردا، بل إثبات لعجز السرد، إثبات ناضج ومسؤول أمام تعقيد الخبرة الإنسانية. يكتب دانييل بناك على لسان بطله: “قررت الكتابة إلى أن تخور قواي. وإذا ما نظرنا إلى الأمر انطلاقا من شكل خطوطي أقول إنه كان قرارا هادئا، ففيوليت كانت قد ماتت، وخطي كان قد نضج تماما.”
لكن بالعودة إلى صورة “الشرفة” كاستعارة للجسد، فإن ما يحدث الآن هو “ابق في شرفت… التصق بها” حيث تختزل الأنا في الجسد، في المرئيّ والمكشوف وما يخضع للقانون بالطبع. نريد الالتصاق بالشرفة طوال الوقت، وهو ما يزيد الخوف من الداخل. نريد أن نُعرف من مكان القوة. وكلما التصقنا بالجسد صار هذا الجسد أكثر حساسية، لأن الذي يشاركنا فيه إنما يشاركنا فيما نعرفه، ونعرف أيضا أنه مسنود على ليل داخلي مهمل.

لقد غادرنا غرفنا الداخلية كصحراء، ونخشى أن من يقبض على الجسد سيكتشف فيه طعم الرمل.

نحن مرعوبون من الهجر، مرعوبون من أجسادنا بعد أن أفرغناها من الـ“نحن”. استدعاء القانون هو نوع من قطع الطريق على حنين لا يزال موجودا لكنه يعبر عن نفسه بطريقة خاطئة، لأنه يتصور نفسه “أصلا” عادة نفسية سيئة لابد من بترها، كذبة تاريخية يجب الاعتراف بسذاجتها. لا يختلف هذا الحنين المستحيل عن الأصل الديني أو الأسطوري المأساوي ولو اتخذ صورة عصرية: آدم أو نارسيس.
وهنا تحدث مفارقة غاية في الغرابة. إن الجنس نفسه يتحول إلى عنف محض، أو رغبة في عنف محض. في أفلام البورنو الـ BDSM لم يعد الأمر يتعلق بممارسة جنس عنيف بل عمليات تعذيب لا يتخللها أي فعل جنسي. الرغبة الجنسية تحولت إلى غريزة قتل وموت خالصين. الأعضاء الحساسة يتم تعذيبها بوحشية حتى إسالة الدماء. الجسد يريد التخلص من نفسه، إلى كومة مستخدمة من اللحم. ما تخفيه وتزيفه دعاوى “ملكية” الجسد هو الحطام والعاجز عن بث الحياة.
لقد كانت الأوضاع الجديدة التي وجد الإنسان نفسه فيها نفسه: نهاية دولة “الرفاه” ومعها الدولة الموجهة: دولة المشروع؛ سيولة سوق العمل، حركة التنقل غير المسبوقة، وسائل اتصال فائقة، ارتفاع معدلات التعليم، الكثافة السكانية المتنامية… إلخ كلها وغيرها تنذر، على عكس ما تبشر به العولمة، بتضاعف سوء الفهم. تخلخلت مؤسسات الهوية، لكن هذا لم ينه الهوية نفسها كفكرة معلقة تنتظر من يتلقفها: الجسد كهوية، المهنة كهوية، الجماعة العرقية، الجندر…
الإله الغائب عاد من باب خلفي في صورة آلهة متعددة. وكما ألمح جيجك لم تعد الأيديولوجيا نظام الأفكار الذي يتبناه الناس عن غير وعي ضد مصالحهم. بل صارت “مصالحهم” نفسها التي حُدِّدت مسبقا وفق سوق العمل وقوانينه هي الأيديولوجيا. الأيديولوجيا تتخلل أو تبطن الفعل باعتباره الفعل الصحيح، تماما كالصوابية السياسية.
وفي التصاقهم بهويات مصنوعة، في رفضهم للتجربة التاريخية، يفقد البشر كل الإرث التاريخي وخبراته. هذه هي التفاهة.
التفاهة التي تمثلت في “يمكنك البدء من جديد”، لكن من أين؟ من يقين هش، هم عاجزون حتى عن مواجهته، ليس أمامهم إلا أن “يمثلوه”. وهنا أيضا القسوة: أنه تمثيل يشبه قناعا التصق بالوجه، وما عاد بالإمكان انتزاعه، لقد ابتلع الوجه نفسه. “الجسد” صار قناعا للجسد، هذه مضاعفة مرعبة، تماما مثل الوحشية اليائسة التي نستيقظ على أخبارها كل صباح.
نحن لا نواجه اليوم “العنف” بل التفاهة. التفاهة هي بذرة العنف، ومن مصلحتها أن تجعل العنف “أصلا” لتتدخل هي على هيئة قانون حضاري أو “حضارة قانونية”… مثل فقاعة توشك أن تنفجر.

SaveSaveSaveSaveSaveSave