عبود سعيد: أنساب

Daniel Arsham, Mobile Phone (Future Relic DAFR-01), 2013. Source: gsfineart.com

لطالما حاولت البحث عن أناس يفهمونني وأفهمهم، أشاركهم أفكاري، أتناغم معهم ويتناغمون معي.
في أول طلعتي على الدنيا، أعجبتني صورة غيفارا واليسار وشرب البيرة. أخذت فرصتي الكاملة معهم، أقصد مع اليسار، ولم أشعر أنهم الذين كنت أبحث عنهم. فكما يقول العشاق لا يوجد كيميا بيننا.
ذهبت إلى الجامع، حضرت خطبة الجمعة. صلّيت وتركت الصلاة وصار عندي أصدقاء متديّنون، ملّوا مني ومللت منهم، وذهب كلّ منّا في حال سبيله.
ثم أصبحت كاتباً وصار عندي أصدقاء مثقفون من مختلف الموديلات، لكنني مرفوض تماماً. لا كيميا ولا فيزيا ولاحتى رياضيات بيننا.
كثرت التجارب وتعدد الأصدقاء والأفكار أشكال ألوان. أجلس مع صديق مؤمن بالروحانيات، يقول لي إن الشمس روح عظيمة وكلّنا سنصبح شمساً ذات يوم.
صديق تركي يعيش هنا في برلين، يحب أردوغان ويشجع فريق فنربخشه، يطعمني البيتزا ويقول لي نحنا المسلمين والسنة مظلومين وفي مؤامرة علينا من كل الدنيا.
وصديق آخر علماني يجرجرني معه على أفكاره الحرة في العدالة والمساواة وحرية التعبير والإنسانية وأننا أخوة وإلى ما هنالك من هذا الكلام.
ثم أصبحت من محبي كرة القدم وصرت أشجع فريق برشلونة. قلت لنفسي: أكيد جماهير برشلونة يفهمون عليي وأفهم عليهم. لكن عبثاً، صديقي الذي يشجع معي برشلونة نصب عليّ بـ ١٠٠ يورو ولم أعد أؤمن بكل الرياضة.
كل تلك الأفكار لم تغرني ولم أجد من أتناغم معه ويتناغم معي، ولم أشعر بالجاذبية إلا لهؤلاء القلة القليلة الذين مازالوا يحملون موبايلات غبية، تلك الموبايلات التي تستخدم للاتصال والرسائل، فقط لا غير. وبعض هذه الموبايلات لازال بالأبيض والأسود مثل موبايلي.
صرت عندما أرى شخصاَ يحمل موبايلاً غبياً، ينفتح قلبي له وأشعر بالانتماء. فالمسألة ليست مجرد مسألة موبايل. أسرق عيني لبنطاله فأجده مثل بنطالي: من غير المعقول واللائق والمنطقي أن يرتدي شخص بنطالاً بـ ٢٠٠ يورو وموبايله غبي. طالما موبايله غبي فبالضرورة بنطاله غبي وجاكيته غبي وكنزته غبية وحذاؤه غبي، هذا هو صديقي الغبي الذي أبحث عنه.
فنحن أصحاب الموبايلات الغبية لدينا أفكار مشتركة، أفكار عميقة وكبيرة تتجاوز الأذواق والاختلاف واحترام الرأي الآخر. نحن مثلاً لا نبالغ بتلك اللحظات السعيدة والمناظر الخلابة التي نصادفها في يومياتنا. بدليل أنه ليس لدينا أجهزة ذكية تلتقط الصور والفيديوهات لتوثق تلك اللحظات، نحن نلتقط المناظر الجميلة بعيوننا وليس بعدسات هواتفنا لأنها غبية كما تعلمون.
لا يوجد لدينا لا انستغرام ولا واتس أب ولا فايبر ولا ألعاب ولا تسالي نتسلى بها في قطارات المسافات الطويلة. لذلك لدينا الوقت الكافي لنتبادل النظرات مع الآخرين ونقع في قصص الحب، نجلس قرب الأصدقاء والأحباء بكل احترام واهتمام كبير ولا نضع رؤوسنا في شاشات موبايلاتنا لأنها موبايلات غبية كما تعلمون.
مرة رأيت فتاة جميلة في المترو موبايلها غبي، تمنيت لو أستطيع أن أعانقها وأهمس في أذنها: أنتِ أختي بالرضاعة!
أحبكِ. نعم أحبك. أيتها الغبية، أنتِ فتاة أحلامي.
فتاة أحلامي امرأة بموبايل غبي، لا تعرف السيلفي ولا مهووسة بالأنا، ترى وجهها كل يوم مرة واحدة في المرآة، تنشغل بي وليس بالشاشة.
يوماً عن يوم كان يزداد انتمائي إلى أصحاب الموبايلات الغبية. صرت أبحث عنهم في المحطات والبارات، حتى في دروس اللغة. نادرون نحن ويجب أن يكون لنا صوت في هذه الحياة.
وإلى أن يتم تأسيس الجمعية العالمية لأصحاب الموبايلات الغبية، ليعلم الجميع أننا دعاة سلام، ليست لدينا مشاكل مع أصحاب الموبايلات الذكية، ولسنا ضد التكنولوجيا. على العكس نحن نستفيد من أخوتنا هؤلاء في جلب المعلومات لنا وإرشادنا حين نضل الطريق، نحترم الرأي الآخر ونحترم العلم والتكنولوجيا والتطور. ونحترمكم يا أهل الموبايلات الذكية أنتم وخياراتكم… حتى أنكم تتزوجون منّا ونتزوّج منكم.

SaveSave

SaveSaveSaveSave

SaveSave