مهاب نصر: قصائد جديدة

Cairo, 1934: Library of Congress image. Source: mashable.com

ماسح الأحذية
لا يقف الرجال الآن مرتكزين على ساق واحدة
بينما تلمع أحذيتهم
فوق صندوق خشبي محوط بالأصباغ.
الرجال فقط، كان يمكنهم قراءة جريدة
إشعال سبجارة
إلقاء نظرة على ميدان
حيث كان الضجر نوعا من الرفاهية
“المساواة” أطاحت بالصندوق فقط.
اليدان المشغولتان بالخدمة
والجذع المحني ليصنع كرامة
والوجه الذي لم نره أبدا
هو الآن يقطع الميدان بالتماعة عيني قاتل
لن تجرؤ على إيقافه
أقدامنا جميعا على الأرض
مفلطحة كديدان
السجائر ممنوعة هنا
لكن الدخان فوق المدينة كلها
.
البناية الجديدة
البناية الجديدة بمحاذاة نافذتي
ماذا عليّ أن أتوقّع…
أن يروا السماء نفسها مثلا؟!
وإذا أرحت ساقيّ على طاولة
هل يصاب أحدهم بلسعة البرد
كمن فرغ من عمله المنزليّ؟
أي نوع من الموسيقي
يكوون على إيقاعه قمصانهم
ثم يتوقفون فجأة
بسبب حريق صغير، كأنه عضة على شفة؟
أمس شببت بجذعي كله
حارس البناية قال: لا…
هل تصور أنني سأفعلها؟
في هذه اللحظة بالذات توقف تاكسي
يا إلهي… لقد مضى يوم كامل.
…..
يبدو القمر من نافذتي تامّا ومستديرا
ليالي متتابعة
هذا غير منطقيّ
أحلامي أجدها على مكتبي في الصباح
أراجع فقرات من أخبار
لم تقع أبدا
تغمغم زميلة بأغنية
أسأل: هل أنت واثقة من المصدر؟
…..
توقف تاكسي كما الأمس
أشرت من نافذتي
لا أعرف لمن
كان هذا يشبه تذكّرك فجأة لاسم
لكن، لأي وجه؟
النسيان ليس مؤلما طبعا
لكنه مهين
….
عندما أكتب عن قُفْل دراجتي
عن سلسة الصلب
عن المسند الذي تميل عليه كأنما تثني كوعا وتفكر
لا أقصد أحدا
لكنني حين أواجه الشمس عند منعطف الشارع
وقدماي على البدال
أكون قد قلت كل شيء
….
“يمكنك أن تزورني”… قالت
لكنني كنت في بيتها فعلا

.

نزهة
“أريد أن أتخذ قرارا”…
هذه كانت فكرتي عن الحياة،
ومن أجلها بالذات تخليت عن عينيّ
رحلتي قصيرة
لدرجة انها كانت تقريبا تدور حول الموت
كما لو كان شمسا؛
هذه المرايا المصهورة
هي كلبي الذي يلعق ساقي بلسان اللهب
هي طوق يسحب يدي،
وينبح
هي عاطفة الليل التي نستعيرها؛
نشير هكذا وهكذا
وما يتكلم فحْم وأكاسيد،
أما النار فبعيدة
وهذا قراري:
لا أودّع، بل أضع عظامي في طبق
وأربت على رأس كلب
غدا يقودني في نزهة

.

مرآة جانبية
كما في مرآة جانبية
تبدو أيامي قريبة وصافية
عند كل منعطف
أخطف نظرة وابتسم
أحيانا لا أعطي حتى إشارة
وكما لو أن فكرة ما طرأت
يُطفأ محرك سيارة
ويترجل شخص غير مبال
سأكمل تدخين سيجارتي هنا
مع حلم
تركت له المقعد الأماميّ،
مرفقه يبرز من النافذة
وكأنه يسأل:
كيف تدير آلة كهذه؟
جارتي وضعت مشبكين على قميصي
“لنكن واقعيين”… قالت.
ولكن أي واقع تعني؟
أهذا المنعكس على البلاط المغسول؟
من الصابون والكلور جعلت قلبي فقاعة
ونفخت في اتجاهها
تنتفض قطتي قبالة النافذة
كلما ارتطم جناح في الخارج
بشيء غير مرئي
أنا أيضا أستيقظ على ارتجافة
وكلما أغمضت
اصطدم وجهي بأجنحة كثيرة
كلها كانت يوما أشخاصا حقيقيين
في المصعد
يفصح رجلان عن ارتياحهما لقرار
أنضم إليهما من طابقي
وأقول: نعم
وغدا أفعل الشيء نفسه
سأموت هكذا،
ورأسي يطأطئ لسر  لا يعنيني
إنها مسألة شرف
الأسرار
من التعب، تُسمَع الأسرارُ حتى في غرفتك، لا أقول “يصبح للحوائط آذان”، بل يكفي أن يوقد أحدهم شعلة ليصنع قهوته، حتى ترى في اللهب الأزرق وجهها قبل أن يفور. رائحة البن المحترق على موقد.
أتعرف كم تشعرني أسلاك المواعين بالوحشة؟!
يتهامس اثنان على ناصية الشارع، صوتهما الخفيض يشبه مُدْية في ظلام، وأنتَ وراء النافذة، لا ترى إلا الضوء البعيد.
أحبتْ امرأة رجلا ميتا، عشقته بخبث كأنها تهين أحدا، كأنها تخطف مدية، تاركة شبحين في عراء الغرام.
أعود من العمل بأكياس عصائر وخبز وممسحة أنحني على مقبضها الخشبي، أذهب وأجيء كمن يجلي حروفا سقطت هنا مثل بقع الصلصة، بينما الأفواه نفسها لم تعد هناك. الأفواه صُنعت منها نقانق، أفكار مخيطة، لها رائحة الزنخ فوق النار.
يرحل أناس في سفينة، وفي عرض البحر تخرج أسماك طيارة، سائلة “من أنتم؟”، لهذا يولد الناس الآن على هيئة أسماك، والمدن على هيئة أحواض صناعية مكشوفة.
من التعب لا تعود هناك أسرار، وينهض الواحد نشيطا، كمن لم ير حلما، راحتاه تحت الصابون، ليستا للمصافحة. وحين يقول لك: “تفضل”، لا يعني أكثر من كلمة. أنت نفسك ستجيبه: “بالتأكيد”،كمن يناوله منشفة.
.
الحقائق الكبرى
أنا مشوش تماما
تجاه الحقائق الكبرى
بما في ذلك أنتِ
مثلا: لا أخطئ بالأيام
الأحد يظل الأحد، والاثنين كذلك
ولكنني أعرفهما من الظهر
من غياب النظرة التي تقول: أنا يومك
لذا أنا مطرود من الأيام
نشيط وعفوي
وربما مت دون أن أتنبه
ربما مثلا أنا في مقبرة
لكنني مستثار كما لو بين فخذين
ثم إنني أدخن،
كمن يريد استرجاع التفاصيل.
الموتى من حولي
مجبرون على الإنصات؛
لا أعني أن حياة أخرى كتبت لهم
إنها حياتهم نفسها وقد صارت إلى الأبد،
أما أنت فقوية،
أنت الأربعاء مثلا، بنسمة باردة
هذا يجعلني أثق بك
لأنني أتمكن من النوم
دون أن أفقد وعيي كله
حتى إنني لا أراك في حلم
أستيقظ أحيانا
فأسحب الغطاء إلى رأسي
هكذا الإيمان بفكرة
يوقظ لذة الاحتماء
وإن بقيت الأطراف باردة

.

قل لهم
لقد حاولت…
هذه عبارة حزينة
كأنها يد تتخلص من مصافحة
يقول رجل لصديقه: أتذكر؟
وهو يقصد شيئا آخر.
لو أمكنني أن أفهم
لكتبت قصة،
لكنّ قصةً ما هي سجن آخر
أريد أن أقبض على قطعة الثلج في يدي
أن أبقيها ولو لدقائق
حتى تختفي العروق من كفي
ومعها المصير كله
أمسِ كتبتُ بحروف لا تنطق
يجب أن ترى هذا.
المجانين يتفوهون أحيانا بكلمات
وأنا أريد الحجارة التي يلوحون بها
الحجارة فقط
قل لهم هذا

SaveSave

SaveSave