أمجد الصبان: الأوراق

Lu-Nan, A sceance in Xigaze, Tibet, 1997. Source: magnumphotos.com

كان فايز يتطلع إلي أعلى، إلى لافتة زرقاء تتدلى بسرعة من أعلى المبني وتضرب في الهواء بقوة قبل أن تقف عند نهاية الطابق الأول، معلنة بعد استقرار اهتزازها عن جمعية “معا” للخدمات الإنسانية. انتبه فايز إلي أحد موظفيه يقدم له مقصًا كي يقطع الشريط الشفاف. كان يتوقع بعد قطع الشريط أن يسمع ضجة كبيرة من الجماهير التي تحيط بالمكان، لكن صوت نقيق الضفدع كان أقرب إليه حتى من أصوات الموظفين المهنئة. شعر بحزن لعدم تواجد أي من الجماهير أو الإعلام على الرغم من المجهود الكبير الذي بذل في الحملة الإعلانية.
تأسست الجمعية مصادفة. كان فايز يغرق دومًا في أحلام اليقظة. ومكافأة على ذلك، أصبح كلما انخرط في حلم يجد الحلم مكتوبًا على ورقة. فرح فايز بتلك الموهبة، حتى أنها أصبحت مصدر دخله. كان يذهب إلي أحد المقاهي، يتعرف على الرواد، ثم يدخل معهم في رهان بأنه يستطيع أن يغرق المكان بالورق: ورق أزرق ينزل من السماء، وأحيانا يخرج من باطن الأرض. تحول فايز إلى نجم تتسابق إدارات المقاهي على إغرائه بالنقود كي يقيم مراهناته حصريًا في مقاهيها. 

وذات يوم كان يجلس تحت ظل شجرة، يسحب أنفاس الشيشة بهدوء، حين استغرق في حلم يقظة: أراد أن يملك جمعية مثل الجمعيات الخيرية، ولكن بدلا من تقديم الطعام والملابس، تقدم خدمة جليلة من نوع آخر، ستكون  عبارة عن مكان واسع يجمع فيه أرواح الموتى. فإذا كنت عجوزا تعاني من الوحدة بعد أن ماتت زوجتك وأنتِ إذا كان ابنك مات غرقا أو في إحدى الحروب… إذا كنت فتي مراهقا لديك قصة حب لم تكتمل بسبب أحد حوادث القطارات، فعليك بالذهاب إلي الجمعية، تبحث في الاستعلامات لتدلك على الغرفة التي بها فقديك ومن ثم تكمل ما انقطع. 
حين انتهي اليوم انتبه فايز إلى أن الورقة الخاصة بحلم الجمعية لم تظهر. مكث نهار اليوم التالي، يكرر الحلم يزيد أو يقلل تفاصيلا، دون أن تظهر الورقة. في الليل، ذهب إلي المقهى متوجسا فاستقبله عدد من المتشككين، رفعوا قيمة الرهاناتِ. خسر فايز الرهان، ثم توالت الخسارات حتى ضاع كل ما كان كسبه في الفترات السابقة.
لم تعد هناك أوراق تتساقط، أو حلم يراوده بخلاف حلم الجمعية. في كشكه الصغير الكائن على شاطئ النيل، ابتلع كل الأدوية التي لديه، ثم سلم نفسه إلي أقرب مشفى مخبرا إياهم أنه حاول الانتحار. 
بعد عدة أشهر كان فايز يسير وسط حديقة قُصّت أوراقها، لفتت نظره ورقة زرقاء على الأرض. انحنى يلتقطها فوجد ورقة أخرى سقطت على مقربة، قرأها فوجدها حلم الجمعية. وفي الورقة الأخرى تكرر نفس الحلم، قضى ليلته يتتبع الورق المتساقط، يُشبع قحط الأيام السابقة، فرحًا بأن الماسورة التي تتساقط منها الأوراق من مكان لا يعلمه، قد أُصلحت أخيرا. كان يركض على الورقة. يقرأها بسعادة، ثم يضعها في داخل ملابسه حتى أصبح له كرش ضخم من الأوراق. 
لم ينتبه إلى أنه قطع أميالا طويلة، تبدل خلالها الليل بالنهار، إلا عندما تغيرت الكلمات الموجودة على الورقة. فبدلا من تكرار الحلم بشكل دوري، أصبحت الأوراق تشير إلى توجيهات أخرى: أن يذهب يمينا، يدخل في حارة إثر حارة حتى يجد طريقا معبدا في نهايته ضوء ساطع يضرب في عينيه. وبعد تجاوز الضوء، سيرى مبنى ضخما جدا، قائما وسط خراب شديد. 
دخل فايز المبنى واتبع بقية الإرشادات التي أوضحت له كل شيء، بداية من سجلات الأرواح المقيمة في المبنى وتاريخ دخولها إليه، طريقة التعامل معها، ثم معلومات عامة عن مساحة الغرف، التي كان عرضها مترا وطولها مترين… نوعية الزجاج المخصوص الذي يفصل بين الروح والزائر، إلى وصل إلي المكتب الذي زين بلافتة مذهبة نقش عليها اسمه. فتح الباب، جلس على مقعده الجلدي الوثير. كان على سطح المكتب ملفان: ملف بقائمة أسماء الموظفين المعينين، وآخر كتب عليا “سري للغاية”؛ ثم إعلان عن موعد افتتاح الجمعية. كان فايز مستمتعا لأول مرة بتحقق حلم من أحلامه.
مرت الأيام الأولى على الجمعية دون أي إقبال جماهيري. وحين أجرى فايز استطلاع رأي، وجد السبب خوف الجمهور من هذا المكان الممتلئ بالأشباح، وأنه بالتأكيد كمين مدبر. حينها لم يجد فايز حلا إلا استخدام أحد أوراقه السرية، فأثناء فحصه لسجلات المقيمين في الجمعية وجد عددا هائلا من الفنانين: ممثلين، ومغنين، مسرحيين. فقرر إقامة حفل غنائي يجذب الناس.
نصب الشادر وزينه بالأضواء المبهجة. لكن عندما غني عبدالحليم حافظ (موعود معايا بالعذاب يا قلبي) فر معظم الجالسين، وبقي من لا يخافون شيئا حيث شجعوا السائرين في الشارع كي يدخلوا. بعد حين امتلأ أغلب الشادر بالناس. دفع فايز بفتيات الإعلانات شديدات الفتنة لجذب الجماهير كي يأخذوا جولة تعريفية داخل الجمعية.
في اليوم التالي للحفل، توافدت الأرجل على الجمعية. هناك من جاء يبحث عن حيوانات منقرضة أو قط ضائع منذ ساعة أو قطعة ذهب مفقودة في المنزل، على اعتبار أن الأرواح تعرف كل شيء. وجاء التليفزيون ليجروا حوارا مع عبد الحليم حافظ، لكنه كان يظهر فقط أمام العيون، أما في الكاميرا فلا يظهر منه سوى شعره الهائش وأنفه المفلطح وأسنانه.
كانت الصورة المثالية التي رسمها فايز في خياله تتحقق: طرقات الجمعية ممتلئة بالورود، فتى يعزف على القيثارة أمام أحد الغرف، الحب والسعادة تختلط مع مشاجرة بين أخوة حول الميراث.
لم يتدهور الأمر إلا عندما أخبرت السكرتيرة فايز أن هناك شخصًا يريد مقابلته لأمر ضروري. دخلت عليه سيدة طلبت منه أن يعطيها روحا واحدة، وقبل أن تكمل كلامها أعلن فايز رفضه، متعللا بأن أي روح هنا تتشارك المشاعر والذكريات مع كثير من الناس ومستحيل أن يستأثر بها شخص واحد. على الفور أنهى اللقاء.
في صباح اليوم التالي تلقى فايز اتصالا من السكرتيرة تخبره بأنهم وجودا جثة السيدة التي قابلها بالأمس ملقاة أمام باب الجمعية، وبجانبها خطاب موجه إليه تستعطفه أن يضع روحها مع روح ابنها الصغير، ثم في أسفل الخطاب كتبتْ بيانات غرفة الصبي. غضب فايز، وأمر بإلقاء جثتها بعيدا. ثم علق لافتة كبيرة على واجهه الجمعية كتب فيها:
تنبيه هام
الجمعية لا تعطي ولا تأخذ أرواحًا
يوميًا، كانت تزداد أعداد الجثث الملقاة أمام باب الجمعية، أو المعلقة على أغصان الأشجار المحيطة، أو المربوطة في الأعمدة. هوجم فايز من الإعلام، نعت بالمجرم، والمتسبب في قتل كل تلك الأرواح البريئة.
انزوى في بيته لفترة بعد هذه الحملة الإعلامية المغرضة. حاول أن يخفف من سطوة القلق مستعينا بالأنفاس الزرقاء. كان يفكر بجدي، في حياته البسيطة التي تداعت، خصوصا وأنه لم يعد يغرق في أحلام اليقظة.
في فجرِ أحد الأيام، قُبض عليه. أودع غرفة بها مقعد خشبي غير مريح، ثم اصطحبه حارسان، وسارا به في ممر طويل، عند نهايته باب أخضر اللون. طرق الحارسان على الباب ثم دخلوا جميعا. وقف فايز جوار الباب ينظر إلى الأرض، وتراءى له أن هناك أريكة كبيرة تلتصق بالحائط. وفي منتصف الحجرة طاولة مربعة صغيرة، تحتها سجاد فاخر. كان يبدو تجمعا عائليا. كان يسمع صراخ أطفال، وتعليمات من نساء لهم أن يكملوا طعامهم.
مر وقت طويل حتى نادى عليه المحقق، فرفع نظره عن الأرض. رأي فايز المحقق وهو يحمل طفلا رضيعا على يده ويضع بزازة في فمه. لم يجد المحقق الورق الذي كان أمامه، بحث عنه بعينيه فرأى الملف في يد صبي لم يتجاوز الثالثة، جالس في ركن الغرفة يعبث بالأوراق. ضرب المحقق الطاولة بعصيبة، ثم وجه لوما عنيفا إلى السيدة التي كانت تجلس بجانبه. كيف تترك الفتى يعبث بأوراق قضية هامة. قالت السيدة: إيه يعني! ما هي معروفة شكله نصاب. ثم دخلا في شجار، وتعالت أصواتهما، حتى ارتمي المحقق علي الكنبة من التعب، وفتح أزرار قميصه كله. كان صوت نفسه عاليا وكرشه يعلو ويهبط بسرعه شديدة. ثم أشار للحارسين والتعب بادٍ على وجهه، فاصطحبا فايز إلي زنزانة.
لم يستدعى فايز مرة أخري إلي التحقيق. كلما سأل الحراس وهم يضعون له الطعام عن تهمته أو ميعاد التحقيق التالي لم يتلق أي إجابة، ثم مرت أيام أخرى واختفي الحراس تمامًا.
ذات ليلة تهاوت ورقة من سقف الزنزانة وسقطت أمامه مباشرة. تذكر أنه للتو انخرط في حلم يقظة عن جحافل الأرواح التي ستأتي لإنقاذه. وفي اليوم التالي وجد الزنزانة غارقة في أوراق عليها كل الأسئلة التي سألها بالأمس، ولم يستطع الإجابة عليها. لماذا لم تنجح الجمعية؟ ولم تم القبض عليه؟ ولماذا نُسي في زنزانة صغيرة؟ لماذا لا ينجح أي شيء؟ ثم وجد أن هناك تغيرًا كبيرًا، فبدلا من أن يتساقط الورق عندما يغرق في حلم يقظة، أصبح يجد الورق كلما فكر أو تلفظ بشيء. وللتجربة، فكر في كلمة (موت) فوجد ورقة مرة أخرى عليها (موت). حاول فايز أن يجد حلا، أن يجد فتحة في السقف، أو عقبا لباب، أو ثقبا في الحائط. وحين فشل، دخل في معارك مستمرة مع الأوراق التي اكتسبت أطرافها حدة. يقطعها، يركلها، يبول عليها. ثم توقف فايز عن العراك بعدما هده التعب. وارتمى على الأرض، تاركًا جسده تقطعه الأوراق ببطء.