مؤمن سمير: الجامح والشرير والمذهول

August Sander. Source: nytimes.com

كانوا الأبرز والأهم في حياتي، هؤلاء الذين جمع بينهم الموت المفاجئ ثم ترنحي في الطرقات بين حروف غيابهم. ولأني الحائر دوماً، المندهش والمصدوم، سأظل الشاك والخائف والمنكر الأبدي لمداخل ومخارج كلمة “يقين”… وأظل أسأل هل صاغت الصدفة حياتي بهذه الكيفية أم أن الأمر اعتياديٌّ وهناك كثيرون غيري لا يستطيعون تلمس الأرض وسط الضباب إلا وأمامهم المرشد والدليل والمُعلِّم الذي سيمسك بالكف ويفتح العينيْن ويصيغ الروح.
كان أولهم هو الأسبق في كل شئ: في معرفتي به وفي الحَفْر في روحي وفي المغادرة بالموت العابث بعد أن تجاوزنا الثلاثين بثلاث سنوات. بحثت عن محمد ربيع وبحث عني قبل أن نلتقي. كان معي في نفس المدرسة ثم لاحظ صديق مشترك تشابه اهتماماتنا فجمع بيننا. كان محمد يقول أنا محظوظ بلقائك لأن هدوءك سيخفف اندفاعاتي لكن الحقيقة أن حياتي أنا هي التي اختلفت. أَنَايَ قبله غريبة وفارقة عني بعده. أنا المحظوظ باللقاء والمفجوع حتى الثمالة بالغياب. لم أكن أحلم بهذا النموذج لكنه اقتحمني وزلزلني وكان يبهرني كل لحظة. في نفس يوم تعارفنا وبعد وصولي لمنزلي بساعة واحدة فوجئت به يدق الباب ويطلب لقائي، الأمر الذي اندهش له أبي الذي يعلم أنني بلا أصدقاء. وقفتُ على السلالم بين أبي وصاحبي الجديد صامتاً كالتمثال وبلا دماءٍ تقريباً ثم خرق هو الصمت ببساطة وثقة طالباً من أبي أن نخرج. كان مجرد الفعل معجزاً بالنسبة لي والأغرب أن الأب سَرَحَ قليلاً ثم لم يرفض. خرجتُ معه لأشاهد بلدتي التي لا أعرف عنها شيئاً. كان منطلقاً بشكل غير طبيعي، لا يلهث أبداً ولا يتعب. ندور على الأصدقاء والأماكن ونلقي التحية على الحياة الصريحة والحياة المخفية. نمشي في الحواري والأزقة بل ويقرر فجأة أن نرى أحداً يسكن في الأقاصي فنركب أي شئ للوصول للقرى والنجوع النائية والناتئة في الجبل الكبير… أي شيء. دائماً ما كان يردد: لا تجعل أي أمرٍ يتعافى عليك مهما كانت كينونته. الأراضي والسموات ألجها معه للمرة الأولى وبالتأكيد كل الأماكن التي يُشتبه أن تحوي كتباً نقتحمها ونتعرف على مثقفين عاديين ارتضوا من اللعبة بمتعة القراءة ونستغل فضولهم للكتب الجديدة فنقايضهم بكتبٍ قرأناها أكثر من مرة. أقول له وهو يجلس وأنا بعده على أي شيء، الرصيف أو الأرض أو أي دكة مركونة أمام أحد البيوت أو حجرٍ مسنودٍ على حائط: محمد، نفسي أخش الكنيسة. يضحك ويكمل قضم سندوتش الفول ثم يمسك بيدي ويقول: يلا بينا. ندخل وأفتح عيني مذهولاً من صداقته بالجميع ونحن ندلف إلى المكتبة فأجد اسمه هو الاسم الأول في كشوف الاستعارة! اخترت كتاباً عن عصر الشهداء وتغلب خوفي وخجلي فكتبت اسم الشهرة “مؤمن سمير” الذي يحتمل الديانتين بدلاً من “مؤمن محمد محمد علي” المسلم الصريح ثم خجلت أن أغيره فصار الأول هو اسمي دائماً وطول الوقت. ونتيجة حتمية لسهرات القراءة والنقاشات وأغاني المقاومة التي نقاوم بها الكون كله فشلنا سوياً في الحصول على مجموع يؤهلنا لقسم الفلسفة في كلية الآداب كما أردت أنا وقسم الصحافة كما كان يود هو فدخلنا كلية الحقوق وصرنا النموذج الأغرب في كليتنا البسيطة. لا نُشاهَد إلا ونحن نحمل كتباً ومحمد يغني بأعلى صوت وأردد وراءه كأننا وحدنا. نجلس على الأسفلت إذا تعبنا ونجاهر بآرائنا الصادمة للجميع: البوابين والعساكر والبنات قبل الشباب. نضحك على النكات الحارقة التي يصطادها محمد من الهواء ساخراً من كل شئ، منا ومن كل ما حولنا ومَنْ حولنا. ولأنه بشكل فطري لا يعرف أي فوارق بين الناس وبعضهم ويغضب حتى الرعدة من كل ما يقف في وجه حرية البشر اللصيقة بتنفسهم كما كان يقول، أَحَبَّ الشابة المسيحية التي اختار الكتابة لأجلها. وجدته يقول لي: يلا بينا، الكلمة السحرية التي أعد نفسي دائماً بعدها بمتعة أو بدهشةٍ خالصة. وجدتني واقفاً إلى جواره وهو يدق باب أحد الشقق وفوجئت أن مَنْ يفتح الباب نفس الفتاة المقصودة والتي ارتعبت وتراجَعَت وتراجعتُ أنا مجهزاً نفسي للهرب بينما هو يطلب لقاء أخيها بكل بساطة. بعد ثوانٍ كان صوت دقات قلبي فيها أعلى من صوت اهتزاز القطار الخرب الذي يأخذنا كل يوم للكلية، وجدت نفسي في صالون المنزل مع أخيها الذي لم يمر عليه وقت إلا وفتن بمحمد مما شجعه على إخباره بكل بساطة: أنا باحب أختك! ورغم طيبة الأسرة وميلها إلى التعامل مع الأمر على أن هذا الشاب مجنون إلا أن تسرب الأمر جعل البلدة تنشال وتنهبد وكادت تصل الأمور إلى فتنة حقيقية لولا أن الأقدار رأفت بأهالينا… شجعتني الحالة التي خلقها في حياتي هذا السهم الشهم المنطلق على الاجتراء على قصائد التفعيلة واقتراف قصائد أقرب لي وأكثر بساطة عرفت بعد ذلك أنها تسمى قصائد نثر، وهكذا كنا نتعاطى كل ما يفوت على أبصارنا وبصائرنا من الكتب والأحلام ومن حواف الحياة وقلبها الساخن النابض سواء بسواء. جربنا العمل السياسي السري معاً وراجعنا الأديان والفلسفات معاً. آمنا ونقضنا وانقضضنا على كل شئ معاً. شككنا واختبرنا. ذقنا وتقيأنا. طرنا وحططنا معاً… ووفقاً لتصوراته عن عدم منطقية فكرة الرقابة لم يعرض روايته الأولى على أية دار نشر – ولا حتى الطليعية منها – واتساقاً مع طبيعة النص المنفلت الذي يكتبه قرر أن يكون هو الناشر الوحيد لكتبه فكان يصور الكميات التي يريدها ويوزعها على الشخصيات التي يود أن تقرأه ويخفي الأصول في دولابي القديم. واهتزت البلدة للمرة الثانية بسبب محمد ربيع. وكسبنا عداوة الجميع: الرجال والشباب، المسلمين والمسيحيين، لأنه انتقم في الرواية من جمود رجال الدين هنا وهنا بالسخرية المُرَّة ولأن الجميع  ظن أنه المقصود بالسخرية. ودخلت الجماعة الإسلامية أحد فروع جماعة الجها على الخط وقررت إنهاء كل هذا العبث! بالتساوق مع كل هذا كان الأب قد أعلن أنه لا يستطيع تحمل المشاكل التي تأتي من تحت رأس هذا الشاب فترك لهم محمد جميعاً البلدة ومشى في البلاد سوَّاحاً أياماً وساعات مرعبة غطاها بالصعلكة والروح المنطلقة. تحمل قلة المال والطعام وانعدام المكان الثابت للسكن ببساطة وهدوء ولم تفتر ضحكاته ولم يدرك الكثيرون الذي كانوا يتعاملون مع تفاؤلِهِ البادي على أنه مؤشِّرٌ على انضباط أحواله مدى ما يعانيه هذا الصعيدي الذي لم يعتد الشكوى ولا يستسيغها أساساً ولا يستوعب فكرة أن تكسر الظروف انساناً يتنفس… حتى استقر به المقام صحفياً في جريدة البديل في نفس الوقت الذي صرتُ أنا فيه موظفاً. وأصبَحَت أوقات غيابه عني يطول حبلها وتطول أوقات نكوصي وارتدادي عن الحياة التي من لحم ودم وتتوحش وتتوحش. عدتُ بغيابهِ خجولاً متلعثماً أخاف من خيالي كما كنت سابقاً وصرت أمثل الصورة الذهنية الراسخة في الوعي المصري عن الموظف التقليدي الكافي خيره شره ولكن بإضافة رتوش بسيطة قوامها أن هذا الموظف قليل في كل شئ، في ثقته بنفسه وفي الكلام وفي عدد الأصدقاء وفي مرات الخروج من المنزل… حتى ارتبَكَ داخلي والدنيا كلها بخبر موته العجيب. قيل إن الغاز قتله وهو يستحم لكن ملابسات الموضوع الغريبة والمتشابكة سوف تجعل من الحقيقة لغزاً مفتوحاً للأبد وكأن هذا الشاب الذي كان عصياً على التأطير والتهجين سيظل يمارس سخريته من الجميع دائما. واكتَمَلْتُ بموت محمد على النقص الدائم وتمت صياغتي كما كنتُ من قبله بالضبط، وكأن وجوده في حياتي كان وقتاً مستقطعاً وَهَبَهُ القدر للحياة المدفونة في الداخل لتطلع ويعلو صوت تنفسها. وماتت الحياة التي كان اسمها محمد ربيع مرة واحدة ومات مؤمن الذي رجع مؤمن محمد محمد علي كثيراً وكثيراً.
ومَرَّ الزمن وتقابلت مع واحدٍ من الشباب الغامض في بلدتنا. كان ابن أحد زملاء أبي في العمل ويسكن بالقرب منا وأعرفه ويعرفني بالنظرات فقط حتى جاءت الصدفة العادية وهي تعيينه تحت رئاسة أبي في العمل فأصبح يأتي وأبتسم له ونتجاذب حديثاً بسيطاً إلى أن طلب أن نخرج سوياً. كان متلهفاً على صديق دائم لأن الجميع يستريبون منه ويتركونه بعد فترة بسيطة من التعارف فكأنما لسان حاله يقول هذا الطيب الغلبان هو ضالتي، لن يخذلني ولن يجرؤ على أن يخون. وفعلاً قامت صداقة قوامها اثنان لا يفترقان أبداً وكأنهما متوافقان في كل شيء والحقيقة التي كان الجميع يدركها أنهما مختلفان في كل شيء، ظاهرياً على الأقل: أنا بسيط لدرجة انعدام الأثر والبرود وهو شرير ومربك بكل المعاني. كانوا يشاهدوننا معاً فيندهشون. لم يعلموا أن كلانا ظَهْر عملة الآخر. أن كلاً منَّا يسدُّ نقصاً حاداً في خِلقة الآخر وفي روحه. معه رأيتُ كل ما لم أتخيل أن أقترب منه ولو في الأحلام . ركبنا سيارة وحاولنا قتل أحد أعدائه – كان بريئاً كغيره بالطبع! – وأفسدنا الإطارات جميعها والفرامل وقصصنا حبال الغسيل القريبة من الأرض وشربنا كل أنواع الخمور والمخدرات ومررنا على البيوت السرية وأنرنا ظلامها بضحكنا الملتاث والداعر. كنتُ مذهولاً من نفسي لكني لا أقاوم سعادتي الداخلية وأحس وألمس الْتِمَاعةَ عيني وطيران فؤادي وهو يصف لي نشوة الإيذاء ولذة مراقبة أشكال المفاجأة عند كل من تسوقه الأقدار للمَفْرَمة… والأكثر بهاء ولذة أن تُصَدِّر للسماء حماقتهم هم وذكائك أنت، ذلك الفاتن، بقدرتك المسيطرة على ألا يشم أحد رائحة الفعل في قميصك: القدرة على أن تكون المشتبه به الأبعد عن التصور أمرٌ ليس سهلاً أبداً. وأنا معهُ، كنتُ أندهش ثم أرتبك ثم أؤدي من خارجي وفي النهاية أشارك من داخلي الأبعد والأعمق. كنا نقف وراء كوارث كثيرة وأشياء عجيبة سوف تبقى للأبد مصدر حيرة وغرابة للجميع. وحدث أن التقط امرأة ثرية من على الانترنت تعاني الملل مع زوجها أغرمت به ودبرت له عملاً ليكون جوارها في البلد الشقيق وسافر ولم يَشُكَّ أحدٌ في شئ بل والغريب أنه جلب زوجته وأولاده وأخوة زوجته هناك بعد فترة واستقر به المقام مع الجميع . كيف سيطر على الأمور،لا أدري. والسؤال الأهم: كيف اختفينا من حياة بعضنا بهذه السهولة؟ ولأكن صادقاً وأقول كيف شطبني هو من دفتر حياته بجرة قلم وكأني لم أكن أبداً. ولأكن منصفاً أكثر وأقول أنه ليس لي حق الغضب والخجل من نفسي لأنه علمني أن الشر هو منطق الأمور وأنه لا عزيز لديك إلا ذاتك. فلأشجع اللعبة الحلوة ولأهنئه على ذكائه وسيطرته العظيمة. ويوماً بعد يوم صرت أكثر حياداً مع اختفائه إلى أن صارت أخبار صلاحه تملأ البلدة وبعدها جاء خبر موته أثناء العمرة لتكتمل له حسن الخاتمة. كان عنده حق إذن في أن يبتعد عني أو عن كل ما يذكره بالشيطان الذي كانه. لكن أين صرتُ أنا بعد حقبة الشر وصدمته التي مثلها لي وكشفت عن خنادق في شخصيتي كنت لا أعلمها ولا أتوقعها. ارتبكتُ تماماً ومرضت بأمراضي العضوية النادرة إلى أن تعافيت وعدت موظفاً لا يخرج من المنزل إلا بالكاد: يخاف من خياله، ويكمل الجملة بمشقة هائلة ولا يرفع نظره للدنيا المربكة إلا للضرورة.
ومرَّ الزمن ودخل حياتي مولانا كما كنا نسميه في نادي الأدب في قصر الثقافة. كان مثقفاً أسطورياً مَرَّ على كل الأفكار والفلسفات واختبرها ووقف أمام الجميع وأعلن موقفه النقدي من كل الأديان وخسر الجميع وسافر بعيداً في كل السكك إلى أن استقر به المقام في التصوف عن يقين تام وعجيب ومعجون بلحمه وعظمه. قال لي شدني لكَ الحزن والقلق اللذان يغلفان بؤبؤ عينيك. لن تخسر شيئاً إذا انضممتَ إلينا في الحضرة. تعالَ يا أخي حتى لتتفرج. قلت: هذا شرطي الوحيد. قال وابتسامة تنير وجهه: اللهُ شاهدٌ علينا. وأصبحت أداوم على الحضور ثم صرت أقلدهم وهكذا جات رجلي في الطريق. أسأل هل كان فخاً يا معلمي فيقول نعم، الله يستدرجنا جميعاً هكذا. يبدو أنني كنت أهفو لمن يكون مسئولاً عني، يكلفني وأنفذ. وقد كلفني دليلي في هذه الجولة مع الحياة بأورادٍ تذكر في الصباح وفي المساء كثيرة حتى أنها تملأ الوقت والخواء الذي في الداخل. وتحمست وصرت مجتهداً رغم روحي المجهدة. كان داخلي يراقب وعقلي يسجل الهمسات والخلجات وكل حركات وحيوات أخوتنا السالكين. أما أنا فبعيد بعيد، أنفذ وأراقب فقط. التقط هذا مرشدي ولم يقلق. كان يدرك وفق قانون الاستدراج الإلهي أنها مسألة وقت ليس أكثر وبعدها سأصير جزءاً من اللعبة وهي جزءٌ مني. ثم جاءت لحظة تم التمهيد لها طويلاً وهي لحظة اللقاء مع شيخ الطريقة. وجلست بين يديه وكانت المفاجأة أنه نظر لي طويلاً ثم أعرض حزيناً. فَسَّرَ مرشدي الأمر بكوني دخلت الطريق وأنا مالكٌ لنفسي ومتمسكٌ بها ولم أتخل عن غروري. كان الشرط أن أبذلها، أن أتخلى عن الجسد بحاجاته الطماعة والنفس بأوهامها الثقيلة حتى أصل إلى الأصل البعيد… النور الساري فينا وفي ما حولنا لكن تحجبنا عنه بشريتنا وآثامنا. كانت أسئلة عقلي الدائمة تقلقهم وتضعني في مرتبة الضيف غير المقيم الذي سيغادر حتماً. ألححتُ على لقاء آخر فوافق الشيخ. كنت أريد اختباره وكان يريد أن يلقنني درساً يخرس عقلي. جلستُ بين يديه بعزيمة وقوة وقررت أن أسأله أسئلتي كلها وأنا صامت. ومرَّ الوقت وأحسست أني سأنتصر وسأقوم بلا رجعة لكنَّ ما جرى كان عجيباً حيث فوجئت به وقد أجاب على سؤالي الأول بصوتٍ هادئ ووجه مبتسم ثم استمرت اللعبة بيننا وأجاب على باقي الأسئلة المختلفة، الغريبة والبعيدة كلها. قمت وأنا مرتبك لكني موقن بشفافيته وكراماته. لكن افتتاني به لم يغير من الأمر شيئاً حيث اكتمل عامي الأول معهم وغادرتهم أقصد غادروني هم. قال الشيخ لمرشدي فجأةً: أعد الحقوق التي عليك فقد تقابله قريباً. وأشار بأربعة أصابع. وفعلاً مات معلمي بعد أربعة شهور ولم أعد إليهم ولم يسألوا هم عني. أتذكر دائماً وطول الوقت شكلي وأنا أتمايل يميناً ويساراً في هذا المولد أو ذاك مردداً “الله الله” إلى أن أتوه في السموات، أو منظري وأنا آكل طعاماً لا أسأل ما هو معتقداً في بركته أو أنام في بيوت الناس أو في السرادقات أو في الطريق أو تحت شجرة… أو كيف كنت أثناء هذه السنة أرى في منامي مَن سأقابلهم فأمد يدي قبل ظهورهم وأحدس ماذا يقولون وفي ماذا يفكرون. كنتُ أحس بمَنْ حولي وماذا يخفون في طياتهم الغائرة بطريقة نفَّاذة وملحوظة، أسمع تنفس مَنْ في الشارع المجاور وأشم كيف سيكذب بعد برهة. كنت أتحاور مع مرشدي في كل الأمور. وكان يحكي لي أسراره كلها وعندما ظن مرة أنني غضبت جاء مهرولاً معتذراً قائلاً فيك سِرٌّ ولا أقوى أن أُعَاتَبَ فيك. لكن رغم كل هذا هل صرت صوفياً حقاً أم أن حدس الشيخ كان صحيحاً: أنا أنفذ فقط. لا شئ عندي غير إتباع الدليل أياً كان تموضعه في الوجود وأيا كانت الهيئة التي يتزيا بها، سواء كان جامحاً أو شريراً أو زاهداً.
ما يجمع بين أَدِّلائي أنهم كالشمس الكبيرة بإزاء عابري السبيل فوق أنهم نسوني أو لفظوني بالغياب كأنما كان تركهم لي في وسط الطريق علامة كي أكمل أنا لكن المفارقة أنني لم أكمل. إنهم يثبتون غربتي في هذا الكون وخوفي وبحثي الدائم عن ممارسة الطاعة العمياء وإلقاء ثقل وجودي كله عند أقدام المرشد والمعلم. بطبعي المستكين، الأصيل فيَّ لدرجة المرض، انتصرتُ عليهم جميعاً وفزتُ بثباتي أنا وتبخرهم هم. لكن اهدأ يا صديقي قليلاً فالحقيقة أنهم سيظلون المنتصرين الدائمين بالحياة التي تلتصق بأقدامهم وبالموت الذي يحيا معك. إنما كيف كانت ممارستي لكل هذه الفِعال المتناقضة بلا تردد ومن أي منطقة في نفسي خرجَت؟ كيف أبيتُ وكل هذا الوجود داخلي ولا أحس بدبيبه إلا بوجود الدليل؟ أنا أَصْلُ هذه الظلال وسببها وربها المقيم وعبدها كذلك. أنايَ أَنَاهم. وبصيرتي هُمْ. كيف كنت سأحيا وأعيش هكذا بلا خبرات ولا إحساس بمداخل ومخارج الدنيا لو لم تدلف هذه الشخصيات إلى حياتي؟ المفارقة أنني عدتُ سالماً من كل هذه الحروب وكل هذه الأنماط. عدت للحقيقي داخلي: الخواف المتلعثم المرتبك من هذا الوجود لكن وقد شابت روحه وامتلأت حوصلته بالذكريات والمواقف التي كلما مَرَّ الزمن يشك إن كانت حدثت أم أنها ألعاب الخيال التي لا تهدأ، وأحوال العجوز ذي الأذرع الطويلة، ذلك الذي كلما لا يجيب أبداً يسمونه القَدَر.

SaveSave

SaveSave

SaveSave