رؤيا شعبان: ليس كل من يأتي من إنكلترا يحبُ الروك أند رول

Rolling Stones cover art by Andy Warhol. Source: recordart.wordpress.com

كنتُ أحب تدخين السجائر مع صديقي عباس، كُنا نحب السجائر والموسيقى الجيدة. أدخنّ في الخفاء، لم يكن مسموحًا لي بالتدخين لأني فتاة ولأني من عائلة مُحافظة. لا تسألوني ما علاقة التدخين بكون الفتاة شريفة، فأنا أيضًا لا أعلم، لكن أخي عبد القاسم ينعت كل مُدخِنة بالعاهرة. كان عباس هو من يجلب لي السجائر، يتستر عليّ، يشاركني تلك البهجة العابرة.
نصعد لسطح المبنى المجهور في نهاية شارعنا. نجلس على حافة السطح، نراقب المدينة، نتسابق في قذف الحجارة لأبعد نقطة ممكنة، نتبارى في البصق على المارة بينما دخان السجائر يُحلق فوق رؤوسنا. أغنية صادحة من أغاني الرولينج ستونز تلعب في المُسجل الصغير خلفنا. لا أحد يعرف لم توقف العمال عن إنهاء البناء المهجور، يقال إن حادثة فظيعة قد جرت أثناء عملهم عليه في مطلع التسعينات. كُنا نحب الجلوس هناك، خاصة في المساء. كانت موسيقى الروك أند رول تجعلني أحلق مثل سحابات الدُخان. أحيانًا يسبقنا الآخرون للسقف. وأحيانًا نستبقهم ونطردهم. كان المبنى المهجور في نهاية شارعنا ملاذًا لمعظم العُشاق ومدخني الحشيش من المراهقين والصغار. يتألف المبنى من ثلاثة طوابق. واسع وكبير. كانوا يختبئون فيه بحذر، يتبادلون القبلات ويمارسون الحُب ويتعاطون المُخدرات. أحيانًا نختبئ أنا وعباس في الطوابق الأخرى بين الشقق ذات الجدران الأسمنتية المتآكلة لنراقب الشبان والفتيات وهم يتضاجعون من بين الثقوب. أجسادهم تتهاوي ويكتمون الصيحات… تلك البناية، باختصار، كانت مثل ستار يحمي جميع المتمردين في حينا مِن عيون المُجتمع التي تترصدهم، كل شخص يأتي إليه يحاول إخفاء شيء ما، تمامًا مثلما كُنت أخفي حبي للسجائر.
أنا وعباس كُنا صديقين مقربين منذ الطفولة. لم يكنّ عندي صديقات ولا أعرف سواه. فشلت في كسب محبة البنات، ربما لأن واحدة منهن لم تحب الموسيقى نفسها. كنت أقضي معظم وقتي معه، السبب الذي يجعل أمي توبخني حين تراني عائدة من المدرسة برفقته نقهقه حول أمر ما، أو نجري خلف بعضنا البعض ونتصارع. تقول لي: أنت لم تعودي طفلة، عيب تمشي مع ولد في الشارع، الرجال ما فيهمش أمان. وهو خلاص أصبح رجلًا… أما أخي عبد القاسم فكان يثور مثل البركان حين يرى عباس معي. ضربني ذات مرة في الشارع لأني كنت أتبادل سماعة الووكمان معه، كسر الجهاز وهدد عباس بالقتل لو رآه برفقتي من جديد وفرض علي لبس قطعة قماس فوق رأسي. لم نهتم لكل ذلك. كانت صداقتي بعباس تفوق مخاوفهما. عباس لم يسبق وأن أحب فتاة من عمرنا. كان دائمًا يميل للسيدات. يحكي لي عنهن باستمرار. ارتبط ذات مرة مع سيدة تكبره بخمس عشرة سنة، كانت أرملة وجميلة وتعيش وحيدة. شعرها أحمر وعيناها جميلتان. كان عباس يحبها جدًا ومولعًا بها. كانت الحياة جميلة وقتذاك، حين كنا لا نزال في المدرسة الثانوية. كل شيء مثالي، لا شيء يمكنه أن يحطم تلك السعادة. وكانت هناك حياة كاملة بانتظارنا.
أخبرتني أمي بأنني سأتزوج حين أنهي دراستي الثانوية أي أني لن أنهي تعليمي الجامعي وكشفت عن سبب رغبتها في ابتعادي عن عباس: لا يجب أن تراك إحدى أخواتي معه في الشارع وإلا قد يعدلون عن الخطبة. كانت تريدني لابن خالتي الذي يدرس في إنكلترا، لم يسبق لي أنّ قابلته منذ أن كنت طفلة صغيرة. قالت لي أمي بأنه سيأتي لزيارتنا، سوف نتعرف عن بعضنا، وسوف يأخذني معه لإنكلترا بعد الزواج. كنت أطوق لذلك في الواقع، لم آبه لإكمال دراستي. كنت أريد أن أكون هناك في إنكلترا برفقة رجل وسيم، فإنكلترا هي الجنة. بلد البيتلز والرولينج ستونز وبينك فلويد.
لم تكن عندي طموحات كبيرة في الحياة، كل ما أردته هو الموسيقى والاستمتاع بوقتي. لمْ يسبق وأن أقمت علاقة عاطفية مع أحد… رغم أنني كُنت معجبة بأحد الشبان في حينا، عازف القيثارة. تمنيت أن أتعلم كيف أعزف على القيثارة مثله، كي أعزف كل تلك الأغاني التي أحبها، أغاني ديفيد بوي، وأغاني دا هو. كان ذلك أول ما رغبتُ فيه. قال لي عباس: ربما ستتعلمين العزف حين تذهبين لإنكلترا.
كنت متحمسة جدًا، أحيانًا أتساءل: هل تظن بأن ابن خالتي سيسمح لي بتدخين السجائر بعد أن نتزوج؟
ويقول لي عباس دائمًا: لا شك بذلك، لابد وأنه مُختلف. إنه يعيش في إنكلترا.
كنا حالمين وصغارًا، ولم نعرف شيئًا عن العالم أكثر مِما اكتشفنا بأنفسنا. كنا نظن بأن كل من يعيش في إنكلترا مُختلف، وكل من يعيش في إنكلترا يحب الروك أند رول، وكل من يعيش في إنكلترا يشرب الفودكا ويرتدي الملابس الغريبة… حتى جاء ذلك اليوم الذي التقيتُ فيه بخطيبي المُنتظر. كنت متشوقة لأسأله عن الحفلات الموسيقية التي حضرها هناك، هل سبق وأن شاهد ميك جاجر أو بول مكارتني على المسرح يغنون ويرقصون؟
كان ابن خالتي حاد الملامح ووسيمًا بعض الشيء، ضخم البنيان لكن لا يبدو فيه أي شيء مُميز. كان يلبس قميصًا عاديًا مثل التي يلبسها أخي الذي يطيل لحيته ويشمر سرواله القصير. لا يوجد عليه شعار لفرقة من تلك الفرق التي نحبها أنا وعباس أو التي لا نعرفها. لم يكن يضع قرطًا على أذنه مثلًا، أو يلبس قبعة أو يضع تاتو في أحد ذراعيه أو يملك تسريحة شعر مختلفة عن تلك التي نراها كل يوم في الشارع. كان عاديًا أو أقل من ذلك، ومهذبًا أكثر من اللازم. كان جادًا أيضًا، ولا يتكلم. جلسنا سويًا لوقت طويل. تبادلنا النظرات بصمت. كان يبدو أكثر خجلًا مني، فقد كُنت متحمسة وكانت تعابير وجهه لا توحي بشيء، جعلتني أهدأ. سألته في نهاية المطاف السؤال الذي كنت متلهفة لطرحه:
– هل تُحب الموسيقى.
رد عليّ:
– أجل. لكني لا أستمع كثيرًا. أعني أحيانًا ليس كثيرًا.
– هل تحب الرولينج ستونز؟
– ها؟
– إنها فرقة روك إنكليزية شهيرة.
– لا أدري، أظن بأني سمعت عنهم، لكن لا أحب الروك أنـ..(تلعثم قليلاً وأكمل ) كما أني أفضل الموسيقى العربية. لا أحب الأجنبية.
– حقًا؟!
– أجل.
وصمتنا. انتهت تلك المقابلة على ذلك النحو. لم يخبرني أي شيء عدا الأطباق التى يحب أكلها، أو كيف يفضل أكل المعكرونة. ولم نتحدث عن أي شيء مهم. كنت وقتها قد شعرتُ بإحباط شديد. تحطم قلبي للمرة الأولى. خفت من أن لا تكون إنكلترا جميلة كما أتخيلها. ربما هي لا تشبه تلك الأغاني التي نحبها. عدتُ لتدخين السجائر مع عباس، يجلب أشرطة الأغاني. نتكلم عن الفِرق التي نحبها، نستمع للألبومات القديمة التي استعرناها بصعوبة من أشخاص مختلفين. نغني بإنكليزية رديئة، نردد الكلمات ونلحنها، نتسأل عن معاني بعض الكلمات. كانت حلقة غير منتهية تتكرر كل يوم فوق سطح المبنى المهجور. أمُسِك بصور المغنين البالية الموجودة على أغلفة الأشرطة. أحلم بأني نِمتُ مع واحد منهم. ما هي الوضعية التي يحبها هذا وما هي الوضعية التي يحبها ذاك، أحاول أن أتخيل. ثم يظهر ابن خالتي أمامي، يأخذ مكان صورة المغني الذي على الغلاف. أدرك بعدها بأني لنّ أكون مع أحد منهم إطلاقًا. شعرت بالتيه، بأن حياتي لن تكون جميلة كما أردتها أنّ تكون في مخيلتي. قلت:
– أظن بأنه لن يسمح لي بتدخين السجائر أيضًا.
– ربما عليك أن تتوقفي عن التدخين.
– كم فتاة تظن بأنه قد ضاجع هناك؟
– ماذا؟
– إنه يعيش في إنكلترا ولا يعرف الروك أند رول.
– هاهاها، ليس كل من يأتي من إنكلترا يحب الروك أند رول.
– أنا خائفة جدا يا عباس.
قذف عباس بسيجارته حتى اختفت في الهواء، قال شيئًا ما لم افهمه قبل أن يمسك كفه ذراعي بقوة، تحسست قبضته ونظرت نحوه فاقترب مني. ظننُت بأنه سيحاول تهدئتي كما يحدث في كل مرة أبدأ فيها في الثرثرة عن مخاوفي وعن حياتي الخاصة. وضع يده على مؤخرة رأسي وباغتني بقبلة على شفتي. شعرت بشفاهه فوق شفتي، أحسستُ بأنفاسه تعبر خلالي مثل الدخان الذي ينفث عبر فتحات الأنف بعد نفس طويل، جعلني أرتعش. كانت تلك أول قبلة في حياتي. أجل أول قبلة. كانت باردة، ومرت بخفة كما لو أنها قطرة ماء وقعت من مكان مرتفع وهزت البحيرة. لم أتحرك من مكاني، ولم أفعل شيئًا. لبعض الوقت، تجمد كل عرق يحتوى الدم في جسدي، بعدها بلحظات ثرت وتدفق الدم بسرعة وأنا ادفع عباس عني:
– جننت…
أطاح بي عباس أرضًا، أسقطني ممددة على طولي، اهتز رأسي، تألمتُ كثيرًا. حاولت أن أنهض بسرعة، لكنه سبقني بمسك يدي وثتبيتهما نحو الأرض، وصار جسده فوقي. صعقني  بنظرة شرسة لم أعهدها فيه. تضاعف إحساسي بالخوف والتيه. كنت أردد: ما بك؟ لكنه لم يكن يجيب. بدا لي عباس غريبًا، كما لو أني لا أعرفه. فكرت للمرة الأولى في حياتي: من يكون عباس؟ كنا دائمًا معًا، لكني من كان يتكلم باستمرار. لماذا يحب عباس السيدات الكبيرات؟ ماذا يريد أن يصبح عباس حين ينهي تعليمه؟ هل سبق له وأن مارس الحب في الخفاء مثل بقية الشبان والفتيات في حينا؟ وقعت السيجارة التي كنت أمسك بها، توقف عقلي! بوسعي الإحساس بحرارة دخانها ينفث تحت يدي. ربما أحرقتْ صورة المغني التي كنت أمسك بها أيضًا. كنا على حافة المبنى وعباس بكامله فوقي، يثبت يدي. رفع قميصي بهدوء وأدخل يده بينما كنت أنا في حالة من الذعر لم أقاومه. شعرتُ في البداية بيده الدافئة فوق جسدي، تتحرك للأعلى، من بطني. خِفت. ثم انحنى بجسده حتى لامس جسدي، وأخذ يقبلني على وجهي وعنقي. لم أفعل شيئًا. كنت أعلم بأن شيء غبي مثل هذا قد يحدث في يوم ما، كنت أعلم ذلك دومًا. لكني فقط لم أتوقع أن يفعل عباس بي ذلك. ربما شعوري بالصدمة هو ما جعلني لا أفعل شيئًا. ظننت أن عباس لا يهتم كثيرًا بي، هكذا كنت أعتقد طوال حياتي، والآن أنا عاجزه أمامه. شعرت بيده تنزل إلى أسفل بعد ذلك تحاول فك أزرار بنطلوني. وكان يحكم القبض عليّ بيده الأخرى وجسده الثقيل يمنعني من الحِراك. صحتُ أخيرًا: توقف يا عباس، هل جُننت؟
لم يتكلم ولم يقل لي شيئًا، بل كان ينظر بحدة، لا ينظر لي ربما، كان يبدو كما لو أنه ينظر لشيء بعيد، أبعد مِني. كما لو أنه انتظر طوال حياته لأجل هذه اللحظة. واصل فعل ذلك بلا مبالاة بكلماتي. كان يستعد للقيام بشيء فظيع، شيء سيهلك حياتي وحياته. واصلت الاهتزاز والصياح: توقف يا عباس. أرجوك توقف أنا خائفة!
لكنه لم يكترث. فك حزام بنطلونه وخلعه، وبدأ بسحب بنطلوني بسرعة ليكشف عن سقي المرتعشتين. بدأتُ لحظتها بالمقاومة بعنف والخدش بأظافري والصراخ بكل ما استطعت، وسمعته يقول لي بصوته الذي عهدته هامسًا:
– توقفي أيتها الحمقاء، أنتِ لي منذ البداية. لقد كنت لي على الدوام.
– أنا مخطوبة سأتزوج!
– لكنك لا تحبينه. لا أحد سواي يحبك.
– عم تتكلم؟
اقترب مني أكثر، بوسعي الإحساس بحرارة جسده تلسعني مثل الدبابير الخفية. قال لي:
– بهذه الطريقة فقط لن يتزوجك أحد غيري. ستكونين لي للأبد.
نظرتُ لعينيه، كان هناك وهج غامض حوله، لم أفهمه إلا في وقت بعيد من ذلك اليوم. شعرتُ بشيئه يخترقني. وكأن الزمن توقف. لقد تمزقت! لبضع دقائق كل ما كان بوسعي سماعه هو صوت ميك جاجر  في المُسجل يغني:
I stood and held your hand.
And nobody else’s hand will ever do
Nobody else will do
Then I awoke
Was this some kind of joke?
صرختُ بصوت عال. وضعت كلتا يدي على صدره ودفعتُه بكل جهدي. كُنا على حافة المبنى، على الحافة تمامًا حيث جلسنا مِئات المرات نستمع لموسيقى الروك أند رول ونترك سيقاننا تتهاوى ونحن نستمع بسجائرنا. لم يكن هناك أي جدار يحيط بالسطح، لم يكن هناك أي شيء بوسعه الآن أن ينقذ أحدًا مِنا. تدافع عباس للوراء كالمخدر بفعل يديّ، لحظات ثم تهاوى للخلف.
***
كانت تلك الحادثة الفظيعة الأخرى التى وقعت في المبني المجهور في نهاية شارعنا مطلع الألفية. وتسببت في إخلائه وإزالته. كيف تزوجت؟ كيف سافرت لإنكلترا؟ لا أعرف. عشتُ حياة متهالكة أراقب العالم من حولي وهو يتغير. أحيانًا أتسأل ماذا حدث، أحيانًا لا أعرف كيف عشتُ حياة كاملة في صمت دون أن أخبر أحدهم بما جرى. ربما شعوري بالذنب، أو الخوف هو ما جعلني خرساء عن قول الحقيقة. كان بوسعي أن أخبر الجميع وأن أتخلص من شبح عباس الذي لم يتوقف عن مطاردتي، لكني لم أفعل. لا أعرف كيف قاومت لجوار زوجي كل تلك الفترة دون أن يكتشف شيئًا عني، كُنت اتحجج . أريد أنّ أنهي تعليمي، ما زلت صغيرة. كُنا على وشك الطلاق عندما مات، في الواقع أنا أيضًا لا أذكر إن كنت أنا من قتل زوجي كما قتلت عباس، أو أنه مات في حادث بالفعل كما دُون في سجل الوفاة.
صِرتُ أرملة ووحيدة، صبغت شعري بالأحمر لأتخلص من ذاتي القديمة، صرتُ تمامًا مثل السيدات اللواتي أحبهن عباس حين كنا في الثانوية. لا أحد سواي يحبك. تتكرر كلماته الأخيرة في رأسي باستمرار، ونظرة عينيه لا تفارقني أبدًا، أراهما على وجه كل رجل أقترب منه. توقفت عن الاستماع للرولينج ستونز، صار صوت ميك جاجر يصيبني بالاكتئاب. الموسيقى كلها تصيبني بالاكتئاب. عدتُ من إنكلترا وأنا لا أعرف شيئًا عن الروك أند رول. لم يعد هناك سجائر أو موسيقى جيدة، لم يعد هناك سوى عباس وهو يسقط.

SaveSave