أحمد الفخراني: حكاية الرجل الذي أصيب بشهوة الكلام

Jean-François Rauzier, Bibliothèque Babel, 2013. Source: espazium.ch

لا أعرف كيف أصبت بشهوة الكلام. الشهوة التي سعرت الجحيم من حولي. فبسببها خلعتني زوجتي. هرب أولادي إلى بلاد بعيدة. لفظني أصدقائي. أجبرني مديري على استبدال معاشي قبل استحقاقه بعشر سنوات
أنا لم أكن متكلما ولا صموتا، كنت مثل الآخرين تماما: أنم عند النميمة، أصمت عندما يكلفني الكلام ثمنا ما، أواسي في العزاءات مدعيا الحزن، لا أفوتيرحمكم اللهولايهديكم ويصلح بالكم، أهنئ في الأفراح، أتحدث منافقا ومتملقا في المواضع التي تستوجب ذلك، أسب الدين عند الغضب
لكن كل شيء تغير في لحظة. لم أعد قادرا على التوقف عن الكلام أكثر من عشرين ثانية، وصلت بالتمرين إلى نصف دقيقة. كنت كمن يحاول حبس أنفاسه تحت الماء
أتذكر اليوم الذي أصابتني فيه شهوة الكلام. كان يوما عاديا مؤهلا للمرور بسلام كسائر أيامي. أنهي عملي في الثانية ظهرا، كما تعودت منذ عشرين عاما.
أتساءل فقط إن كان الأمر يتعلق بذنب ما لخروجي عن مسار يومي المعتاد. أراجع كل تفصيلة في هذا اليوم. لا شيء استثنائيا. حتى اشتهائي لأكلة ممبار خارج البيت لا يمكن التعويل عليها. ليس بإمكاني التصديق أن حياة المرء كما عرفها يمكن أن تنهار من أجل شهوة عابرة
في الرابعة عصرا، موعد قيلولتي، عرفت أن عهد النوم قد ولى إلى غير رجعة وبدأ عهد الكلام
جمعت زوجتي وأولادي في صالة البيت. توقعوا شيئا أعتبره كالعادة شيئا جللا في مصير العائلة، ويرونه تافها، أو أن ألومهم على تقصير ما اكتشفته فجأة بأثر رجعي وفق عاداتي في الحديث، لكني سألتهم عن الطقس
دون أن أسمع إجابة وقبل أن أمنحهم الفرصة للدهشة واصلت حديثي من سؤال الطقس إلى الكلام عن التغيرات المناخية وأثرها على كل شيء، ذكرت معلومات أذهلتهم بشأن الأمر. أنا الذي لم أقرأ يوما كتابا أو جريدة، أنا كاره القراءة العتيد، أنا الشخص العادي الذي إذا رأى كتابا في يد شخص، سيفترض أن الاحتمال الوحيد لذلك هو كونه مقبلا على امتحان دراسي ويسأل الله له التوفيق
من التغييرات المناخية فتحت معبرا لحديث آخر لم ينته عن كارل أوف وكيف كتب كارمينا بورانا، أنا الذي لم أستمع طيلة حياتي إلا إلى أم كلثوم، والتي أرى ما عداها دربا من الكفر والتعالي والخنوثة. فيما بعد سأدرك أني لم أكن دقيقا، سأعرف رغما عني أن أم كلثوم كانت الاثنين معا: ذكرا وأنثى… الكمال والجمال كانا هنا بالضبط فيما رفضت الاعتراف به: الخنوثة
من الرابعة عصرا وحتى الرابعة فجرا لا أكف عن الحديث مع عائلتي، أنام جالسا وأنا أحاول استكمال روايتي عن التاريخ من أي مدخل: الطقس، كرة القدم، فِساء أطلقه أحد أفراد العائلة، طبيخ الزوجة، حيضها، العادة السرية التي يمارسها ابني الأكبرحكيت عن مغامراتي الجنسية صغيرا، وطول قضيبي، والأوضاع التي تفضلها زوجتي، تجربتي للخشن ذات مرة، شعور ابني الأوسط بالنقص، أنانية الأصغر وهوسه بذاته
من كل شيء يمكن أو يصعب تخيله، كنت أجد طريقا لحديث لا ينتهي، بتسامح وبلا محاذير كنت أخشاها في حياتي السابقة قبل أن أصاب بداء شهوة الكلام، وهبت لذلك حياتي التي كانت تنهار من حولي، دون أن أشعر ودون أن أملك شيئا لمنع هذا الانهيار
زوجتي أخبرتني أني لا أتوقف عن الحديث حتى في أثناء نومي
كنت أصحو في موعدي في السابعة للذهاب إلى العمل ولا أكف عن إيجاد مداخل للحديث مع زملائي: من فسادهم وأسرارهم التي ظنوا أن إخفاءها سيجعلهم أكثر احتراما، نميمتهم الفاحشة كمؤخرة لبوة
واصلت حكاياتي ومعلوماتي التي لا تنتهي، رغم تنبيه مديري في العمل. اتخذت تنبيهه كمدخل للحديث عن معلومات ذكرت في كتاب ما عن أن جمال عبد الناصر كان جاسوسا إسرائيليا، لم أهتم حقا إن كانت المعلومة صحيحة أم لا. لكنها ذكرت في كتاب لم أقرأه من قبل
لم أخبر أحدا عن الرؤيا التي صارت أكثر وضوحا الآن لنبع المعلومات التي أذكرها ولا أهتم بصحتها من عدمه: ثمة مكتبة كونية تضم كل كتاب ومخطوطة سطرها الإنسان. كانت الصفحات تنفتح أمام عيني، تقفز من مقطع في كتاب إلى آخر بسرعة البرق، تأتيني بصورة واضحة مهما كانت اللغة المكتوبة بها. كنت مجرد وسيط لسيرة الإنسان الحقيقية والمتوهمة لشائعة وجوده
استطاع مديري أن يجد نقطة ما تحت بندالإهمال الوظيفيمتغافلا عن المعجزة الكبرى التي أمثلها. خيرني بين الفصل والمعاش المبكر. وقعت أوراق المعاش وأنا أتحدث عن أهمية اللحظة التي قال فيها جاليليو هامسا عقب تراجعه عن رأيه لإرضاء الكنيسة: “لكنها تدور، وعن أن إخناتون لم يكن سوى النبي إبراهيم، والد الديانات السماوية الثلاث والتي حولها البشر وفق كتاب آخر إلى عقبات ثلاث
لم تتحمل زوجتي. فخططت لهجري بشكل مثالي. وجدت نفسي زوجا مخلوعا، وخططت لنفسها ولأولادي طريقة سفر إلى كندا لبدء حياة جديدة بها كلام أقل
لم ينجح الجيران في طردي من العمارة عندما بدأت الطرق على أبوابهم للحديث. لكنهم صعَّدوا الأمر. اتفقوا على طريقة واحدة بعد مداولات استغرقت أشهر: اقذفوه بما تيسر. زجاجة ماء، كولا، كرسي قديم، صفيحة قمامة. كان على الرسالة أن تكون واضحة كي أعود أدراجي. كان جمهوري يلوذ بالفرار
لكني توصلت إلى حيلة عندما أدركت حاجتي إلى مستمعين جدد. مستمعون لا يتمكنون من الفرار بسهولة كما أن تعذيبهم بالكلام المتواصل سيرتبط بمدة زمنية محددة، سيكونوا بعدها أحرارا
أعجبتني الصفقة التي رأيتها عادلة
لذا كنت أقضي يومي متنقلا في المواصلات العامة: ميكروباص، ترام، قطار، أتوبيس، مترو. بدأت فيها بالتحدث إلى الجميع. مع الوقت كونت خبرة في اختيار ضحاياي المستعدين للاستماع قبل أن يدركوا أي رمال متحركة قد غاصوا فيها، من خلال عبارة أقذفها كبالونة اختبار بنفس التقنية: الطقس، كرة القدم، فِساء أطلقه أحد الركاب، لأتحدث عن كل شيء عبر كل شيء. جُبت مصر كلها من أقصاها إلى أقصاها متحدثا
لا أعرف إن كان المستمعون العابرون هم من ألهموني أن أبدل وظيفتي في كل مرة، لأصبح موجودا في الأحداث كبطل أو شاهد. كنت أصبغ على نفسي صفة تقنع الآخرين بثقافتي وأهليتي لما أتحدث عنه: طيار… سفير… عالم… ضابط مخابرات متقاعد، أي شيء إلا كوني مجرد موظف. أنا الآن مونتير لسيرة الإنسان وخالق لآلاف السير المحتملة التي طمسها النسق
استقرت حياتي بعد اكتشافي لحيلة المواصلات، حتى انطفئت بغتة شهوتي للكلام، كما تنقطع الكهرباء عن الحي.
كنت في حديث عابر صار روتينيا في حياتي مع شخص لا أعرفه بجواري في ميكروباص. أقرأ عبر المكتبة الكونية آلاف الاحتمالات لحقيقة الكون واثبا من مقطع إلى مقطع، حين قفزت الكتب فجأة من فوق رفوفها في هلع، خوفا من كتاب ضخم يبتلعها واحدة تلو الأخرى أو يصوب تجاهها بندقيته، كتاب شره وقاتل محترف لم أتبين حقيقته
الكتاب نظر إلى عيني بقوة، دون أن يملك عينين حقيقيتين. ثم كشف لي صفحة موجزة لسيرة حياتي الضحلة، وتاريخ موتي الذي اقترب، فأصابني الخرس.
لم يرعبني تاريخ موتي قدر ما أرعبتني ضحالة سيرتي في حكاية الكون. أنا شخص تافه، يليق به أن يكتب قصة حياته صحفي تافه مثلك. لا أملك سوى القبول بك دون أن أعرف اسمك حتى.
لم تنته حكايتي هنا، فبعد أن أصبت بالخرس عاما كاملا، عاد الكتاب المخيف، انفتح لي مجددا، لكن لم تكن هناك سوى عبارة واحدة تسود كل صفحات الكتاب الضخم: لافكاك من البحر. لم تبد لي ذات معنى كبير، لكني هوست بها.
ظللت أردد تلك العبارة في كل لحظةلا فكاك من البحر… لا فكاك من البحر، بلا توقف. أرسلتها إلى زوجتي السابقي وأولادي في في برقية، فعادوا. أرسلت برقيات أخرى خاطبت بها المسؤولين، فأعادوني إلى وظيفتي. أرسلت الآلاف منها إلى كل جهة. أما جيراني فنصبوا لي مصطبة أمام البيت، ليستمعوا في نشوة وترقب للعبارة الوحيدة التي لا تتغير: لا فكاك من البحر.

SaveSave

SaveSave