أرى لمعة عينيه فأتسمر: كارول صنصور تتذكر محمد منير

.

والحلو أقول له يا حلو في عيونه

.

كنت في أول مراهقتي حين حضرت الحفلة الأولى له في عمان. أعتقد كان هذا عام ١٩٨٤.  في الواقع هي لم تكن حفلة بقدر ما كانت فقرة ضمن عروض سيرك (في خيمة مع الأسود والفيلة والبهلوانات). أتذكر جيدًا ضربات قلبي – أستطيع سماعها الان – فحينها كنت على يقين أنه حبي الكبير وغرام حياتي. ركضت أنا وأختي بعد انتهاء الفقرة لمقابلته خلف خيمة السيرك. أرانا طفلتين في كامل بهجتنا. لازلت أحتفظ بقصاصة الورق التي كتب عليها: “إلى كارول مع حبي، محمد منير”.

السهر والحكاية والحواديت

.

لا أعي متى بدأت السماع لأغاني محمد منير والهيام فيه. في بيت جالا وبين أصدقائي وأقاربي لا أعرف من كان يسمع له غيري. في الواقع كان أبي يوجه لي التوبيخ ويقول دون أدنى حرج “شو بتحبي في هالقرد؟” من أين تعرفت عليه لا علم لي. قد تكون للقناة الأردنية اليد في تقديمه لفلسطين – حيث كانت القنوات الإذاعية والتلفزيونية إما إسرائيلية أو أردنية – من خلال مسلسل تلفزيوني بالكاد أذكر اسمه: “الرماد السخن”. ولا أذكر من قصته غير وجه البطل وأغنية المقدمة: “ماشي ماشي معاك يا زمان ماشي ماشي وكلي إيمان. قوتي بسمة أمل فوق الرماد السخن ممدودة”. أرى لمعة عينيه فأتمسمر.

يا حبيبي مد إيديك العالم ملك إيدينا

.

في أواخر الثمانينات ومع بدء الانتفاضة الأولى وتفاعلي واندماجي التام بالعام الفلسطيني واندماج العام الفلسطيني بكل ما هو شبابي ومنتفض ورافض للقهر ومطالب بالعدل، أصبحت أغنيات منير أقرب لحالة بيننا نحن من اعتقدنا أننا ثوار قادرون على تغيير العالم. فكانت كلمات هذا الشاب تغني الحب، الأمل، الفرحة، القهر والقوة. وعلى الرغم من ترويجنا لأغاني الانتفاضة الشعاراتية التعوبية “هبت النار والبارود غنى، اطلب شباب يا وطن وتمنى” وتماهينا معها فيما اعتقدنا أنه مواجهة للاحتلال، إلا أننا في السر وفي أوقات استعادة أرواحنا وحيواتنا البسيطة كنا نرجع إلى منير. كان وكأنه يرنم ويهدهد “للثورة والثوار”.

لا يهمني اسمك لا يهمني عنوانك لا يهمني لونك

.

مطلع التسعينات وفي مكان إقامتي الشبه إجباري في ولاية كارولاينا الأمريكية رافقتني فلسطين وتلقائيًا رافقني منير وكانا من أبطال ملحمة الغربة. أستعيد ذكريات ليال طوال ووحدة كان  المفروض أن تكون قادرة على استدعاء التفكير بالانتحار ولكنها – ولتعجبي الآن – كانت مليئة بالوثوق بأن احتمال وجود يوتوبيا ممكن وحقيقي. وكانت أغنيات منير وتعابير وجهه تبعث الروح وتذكر بأني – أننا – جزء من وعي أكبر وأشمل وأحلى.

علموني أفضل مهاجر

.

لم تكن غربتي الحقيقية بدأت إلا في أواسط التسعينات مع انكسار كل ما كنا قد كبرنا عليه واقتنعنا بجدواه ومع إدراكنا أن تكويننا شعاراتي وأننا أقرب ما نكون إلى كذبة. كذبة كبيرة. فلسطين ما قبل التسعينات تختلف تمامًا عن فلسطين ما بعد التسعينات وهكذا الكينج. قوانين السوق، والالتفات للشكل قبل المضمون وفكرة العولمة كلها كانت قد أطفأت بريق عيني وخفّضت ضربات قلبي. فترات الصوم والانقطاع والتأمل الطويل استمرت على مدى أعوام لم يكن يليق فيها السماع للأغاني (يا ويلي) حين كان طقس الرقص والفقش في ذروته. وكما هي الحياة دائمًا، كنا على شفا موت.

وده حب إيه اللي من غير حرية

.

ومن عجائب الوجود أن يكون لقائي الثاني في محمد منير بعد ٢٥ عامًا في أغرب بقاع الأرض: أبو ظبي. حشود كبيرة تجمعت على الشاطئ لسماعه. الجمهور لا يقتصر على أفراد في سني. شباب متحمس. أراني فيهم ومعهم مرة أخرى. أعتقد أن هناك أملًا. لا أخاف هذه المرة. أشعر بنشوة في حينها. يصعد منير إلى المسرح. ويبدأ الصراخ والتصفير والترنح. يغني القديم والجديد. ألتصق بحبيبي. أبكي فرحة وحزنًا. انتهينا. انتهينا تمامًا.

SaveSave