إبراهيم فرغلي: مفتاح الحياة | فصل من الرواية الجديدة

Jesus and Minas, 6th-century icon from Bawit in Middle Egypt, currently at Louvre. Source: Wikipedia

بعد أن انهيت صلاة التسابيح وأنهينا القداس في كنيسة الدير، بدأت الأم كلاوديا بتوزيع المهام، وكان عليّ أن أذهب إلى المطبخ. قالت لي أن الأكل اليوم لن يكون للراهبات فقط مثلما تجري الأمور، وقبل أن نسأل أوضحت أن الحكومة خصصت للدير حراسة خاصة بسبب الأحداث، وأن الطعام الإضافي للجنود الذين سيتولون الحراسة.
أخرجنا الأواني والأوعية، وحددنا ما سوف نقوم بطهيه، وقررنا زيادة مقدار حساء العدس، وكذلك الأرز، وحتى مقدار الخبز المتعارف عليه.
قلت للراهبة الصغيرة بجواري أن حظ الجنود جيد أننا لسنا في أيام الصيام.
ابتسمت وقالت: صحيح، ولو إن مافيش لحم الأسبوع ده.
هززت رأسي، وبدأنا نضع الأوعية على النار بعد أن تأكدنا من نظافتها. وقلت لها أن تأتيني بالدقيق والخميرة لكي نشرع في خبز الخبز.
كنت متوترة.  أزعجني أن الدير الذي أعدّه أكثر الأماكن في العالم أمانًا، قد يصبح هدفا للخطر، “نجّنا من الشرير يا يسوع”. وقلت لنفسي أن تصمت، صمتًا يماثل فترة الصمت ليلا التي نلتزم بها في الدير.
ألهيتُ عقلي بالعجن، وبدت يداي قاسيتان وهما تضربان العجينة بدأب، حتى التفتت إلىَّ “الأخت جورجينا” وسألتني إن كان بي شيء، أو أحتاج لمساعدة. انتبهت من وسواس عقلي، وطلبت منها أن تبدأ في إعداد نار الفرن.
قلت لنفسي يبدو أن الشر في العالم كبير وخطير. والحمد للرب واجب لمحبته وحنانه، لأن يد رحمته جاءت بي إلى هنا. تذكرت أن الصيام الكبير اقترب. قالت لي الأخت جورجينا أن الأم كلاوديا تمتنع عن الطعام في هذه الفترة تمامًا، يوم ونصف صيام ولا تفطر فيه إلا على الماء والملح. قالت أنها لا تسمح لأحد أن يفطر مثلها على الماء والملح لأننا لسنا مدربات على ذلك وأجسادنا لن تحتمل.
لكني أحسست في هذه اللحظة، بينما أشعر بقوام العجين وقد اصبح متجانسا تماما، وجاهزا للخبيز، بضرورة الصوم عن الطعام تماما مثل الأم كلاوديا، شكرا ليسوع على منحته لي بالإقامة في الدير، وتجنيبي شرور العالم في الخارج، وأيضا سأصوم لأبتهل للرب والعدرا لكي تخف هموم الشعب، ويتجاوز محنته.
جاءت الأختين الأم فيرونيكا، والأم بارباره والتحقتا بنا، ومن دون أن تسألانا، توجهن لإعداد العدس الذي كنا تركناه مبتلا من الصباح الباكر، لإعداد الحساء، وقالت الأم فيرونيكا :
– لو لدينا أي لحوم من أجل الحراس سيكون هذا جيدا، حتى لو كان على حساب وجباتنا.
وأضافت: إحنا في كل الأحوال داخلين على صيام.
أشرت للثلاجة فاتجهت لها وأخرجت منها دجاجة مما كنا نظفناه وأعددناه قبل ايام. وأخذتها لتغسلها وتعدها للطهي.
قلت: لكن لماذا يحرسون الدير؟ اليس الدير في حماية الرب؟ ومن يمكن له أن يفكر في إيذاء مجموعة من الراهبات لا علاقة لهن بما يدور في العالم؟
أفسحت لي الأم بارباره المكان حين رأتني أحمل قدر العجين لكي أخبزه وقالت:
– هذه إجراءات ضرورية، كل دور العبادة في مصر لا بد أن تتوفر لها حماية من الأمن. إجراء روتيني.
فكرت أن اقول لها بأن الأجدى أن تتوفر هذه الحماية للبسطاء الذين لا يجدون من يحميهم. لكني تجنبت التورط بكلام دنيوي، قد يعرضني للتوبيخ إذا انتقل للأم كلاوديا، فآثرت الصمت، بينما أقطع من العجين كرات صغيرة، وأفردها بشكل دائري وأنثر عليها الدقيق.
سمعت الأم فيرونيكا تقول “سلامى أعطيه لكم ولا يوجد أحد غيرى يعطيه لكم”.
أخرجنا الطعام للحراس، وذهبنا لنتناول طعامنا. قالت لي الأم كلاوديا أنني نحفت كثيرا، قلت لها: مش أحسن؟ فقالت، إن أيام الصيام الكبير قادمة، وأن عليَّ الاستعداد لها حتى لا يؤثر ذلك على صحتي وعلى قيامي بالمهام.
وطأنت نفسي: لو لم أتمكن من الإفطار على الماء والملح فربما أمكنني أن أضيف إليها لقيمات من “القربانة” مع قليل من العدس.
قالت الأم كلاوديا أن الدير سيغلق أبوابه لفترة من أجل الاحتياطات الأمنية، وبالتالي لن نستقبل زوارا لمدة أسبوعين.
وهززنا رأسنا جميعا بتفهم، وراحت كل منا تدعو الرب أن يزيح عن أهلنا هذه الغمة.
.
تصدر “مفتاح الحياة” كالجزء الأخير من ثلاثية “جزيرة الورد” (مع “ابتسامات القديسين” و”جنية في قارورة”) عن دار المتوسط في إيطاليا

SaveSave