قلعة الشمس: قصة من مجموعة منصورة عز الدين الجديدة

Ṣūrat al-Arḍ (Picture of the World) from an abbreviated copy of al-Iṣṭakhrī’s Kitāb al-masālik wa-al-mamālik (Book of Routes and Realms). Source: ottomanhistorypodcast.com

وحدها تقبع في بقعة على تخوم الخيال. بمظهرها الرمادي القاتم وأبراجها المستدقة، الأشبه بحراب مغروسة في قلوب أعداء غير مرئيين معلقين فوقها، تبدو القلعة غارقة في الانتظار. انتظار من تبدَّت في خياله كفكرة عابرة، لكن أرهبه تشييدها وتجسيدها خارج حدود سجن رأسه.
في أفكاره، كان يمكنه: السير فيها مغمض العينين. الاختباء في أقبيتها. عبور دهاليزها المتاهية. النظر من نافذة مضاءة في أحد أبراجها فيما تغرق بقيتها في ليل بهيم.
لكن، مع الوقت، صار مجرد تفكيره فيها يخيفه. أصبح معذَّبًا بها. لا يمكنه تجاهل إلحاحها على عقله، وليس في مقدوره التعايش مع وجودها. أعرف هذا لأنني، مثله، اختبرت المشاعر نفسها.
من سمعوه – في شبابه – يحكي عن رغبته في تشييد قلعة لا مثيل لها، لم يهتموا بما يقول. اعتادوا منه على غريب الكلام والأفعال. حدسوا بأنه يثرثر بما لن يفعل. لم يفهموه، ولا أنا أيضًا، حين راح يرسم التصميم تلو الآخر، وإذا لم يسعفه الرسم لجأ إلى الكلمات. دوَّن وصفها على هيئة أبيات شعر أقرب إلى الأحاجي.
كان يردد أنه يرغب في بناء قلعة من خطأ، كل شيء فيها معاكس للمتعارف عليه في فن العمارة، ومع هذا من جماع كل هذه الأخطاء يجب بلوغ صواب يقارب الكمال. كانت مفردة الكمال تثير غثيانه. لطالما كرهها. انحاز للنقصان. وجده صنو البشر والمعبر عنهم، لهذا لم يفهم لماذا يفكر في الكمال كلما وردت معذبته على باله، ونادرًا ما كانت تغيب عنه.
خطر له أن أفضل طريقة لتشييدها دون القيام بهذا فعليًا تتمثل في كتابتها. تحويلها إلى كلمات مخاتلة تثير خيال من يقرأونها. أعجبته الفكرة، غير أن الكلمات راوغته هو قبل أن تراوغ قارئها المحتمل. كلما حاول تثبيت حلمه على الورق، إذا به يتحول لشيء آخر. بنيان لا يشبه ذلك المترائي لخياله في شيء.
اختفى ذات صباح. لم يخلِّف وراءه أثرًا. كان هكذا على الدوام يتحرك كقط بري لا تنطبع آثار أقدامه على تراب الطريق، غير أن عودته لبلدتنا باستمرار – في الماضي – لم تدع لنا، نحن معارفه، فرصة البحث عن آثاره من قبل. انتظرنا أن يرجع يومًا كعادته.
في بيته لم يكن هناك ما يدل على وجود سابق له. لم نجد ثيابًا أو أثاثًا أو أي شيء يحمل بصمته. كان المكان خاويًا إلّا من دفاتر يحوي بعضها تصميمات أو بالأحرى تصميمًا واحدًا متكررًا لقلعة مقبضة، فيما يضم بعضها الآخر نصوصًا يصف كل منها قلعة مختلفة لا علاقة لأي منها بساكنة تصميماته. لسبب غامض عليّ، احتفظت بدفاتره كإرث لا يجوز التفريط فيه.
سمعت أهل البلدة يقولون إن بعض الناس منذورون للغياب، ولأن يكونوا غرباء بلا انتهاء، وكان هو أحد هؤلاء. نسوا أمره، وحين تهدم بيته مع مرور الزمن أدركوا أنه لن يعود أبدًا. بعد سنوات من اختفائه عثرتُ بالمصادفة – فوق جزيرة معزولة – على قلعة تكاد تتطابق مع ما سبق ورأيت في تصميماته الموجودة بحوزتي.
لم أعرف إن كان قد شاهد هذه القلعة المهجورة واستلهم رسوماته منها، أم أنه شيَّدها في تلك البقعة غير المطروقة عقب رحيله عن بلدتنا! قِدَمُها وعتاقة أحجارها الرمادية المائلة للأسود أخبراني أنها تسبق وجوده ووجودي بقرون.
لم أجرؤ على الاقتراب منها. شعرتُ بطاقة طرد عنيفة تنبعث من داخلها. عدت لبلدتي أحكي لمعارفي عنها. بعدها، صارت عادة لكل مرتحل عن البلدة أن يرجع ليحكي أنه رأى قلعة تتطابق مع الموجودة في الرسومات التي عثرنا عليها في منزل الغائب، مع أن معظمهم لم يبصر هذه الرسومات سوى لمرة واحدة.
اختلفوا حول موقع القلعة، فهناك من أكد أنها موجودة في أقصى الأرض، فيما أقسم غيره أنها في أدناها، لكنهم جميعًا اتفقوا على أنها تقبع فوق جزيرة معزولة، تجاورها بحيرة يبين من ورائها جبل تعلوه قلعة أخرى تشبه الأولى، وتبدو كأنما تتجسس عليها وتترصدها. أجمعوا أيضًا على الأبراج الأشبه بحراب مغروسة في قلوب أعداء غير مرئيين، وعلى أن كلًا منهم شعر بالرهبة وخشي الاقتراب من البناء المهيب، وأن خاطرًا داهمه مفاده أن حربة أحد الأبراج سوف تنغرس في قلبه لو فعل.
بدوا كأنما يتكلمون عن القلعة نفسها على الرغم من اختلافهم في تحديد موقعها. واحد فقط حكى أنها لم ترهبه، وأنه حين اندفع صوبها راغبًا في استكشافها من الداخل فوجيء بأنها محض وهم، ابنة تهيؤاته وخداع بصره له، لكن ذاكرته احتفظت بأدق تفاصيلها وزخارفها والمقرنصات والتماثيل المزينة لواجهتها.
مع الوقت تجرأ آخرون واقتربوا منها ليكتشفوا مثل سلفهم أنها غير موجودة، لكن الغالبية ظلت على خشيتها منها.
الغريب أن الحكايات الأحدث لم تشر إلى عزلة القلعة ووجودها خارج دائرة العمران أو في منطقة بالغة البعد. بالتدريج صارت القلعة تقترب حتى أن أحدهم زعم أنه صادفها قابعة داخل الغابة المجاورة للبلدة وبجوارها أيضًا بحيرة على الجانب الآخر منها جبل فوقه توأم القلعة.
كل هذا بدا منطقيًا ومقبولًا من أهل البلدة، لكن حين أخبرتهم أنها تتراءى لي من نافذة غرفة نومي غارقة في الصمت وهي تواجه توأمها قرر الجميع أني فقدت عقلي.
كانوا قد وصموني بغرابة الأطوار منذ عرفوا أني لا أكف عن استنساخ تصميمات الغائب، وأن بيتي امتلأ بدفاتر تحوي التصميمات المستنسخة، وتراكم الغبار على كل شيء فيه.
يمكنني تفهم وجهة نظرهم لأنهم حين يمرون بالقرب من بيتي في أي وقت يشاهدون ستائر شفافة تتطاير، وفق اتجاه الريح، خارج أو داخل غرفه مفتوحة النوافذ. يبدو لهم البيت فارغًا. لا يبصرون أثاثًا أو أي شيء سوى حوائط كالحة وأرضيات متربة. نادرًا ما أظهر لهم داخله، وفي المرات القليلة التي يلمحونني فيها، أكون عابرًا كشبح يتحرك ظله من نافذة لأخرى.
لم أعد أُشاهَد في الطرقات. أكاد لا أخرج من البيت. مؤكد أنهم يتساءلون كيف أجلب طعامي وشرابي. لا ريب أنهم ظنوا أني أزرع خضراوات وفواكه في حديقة سرية خلف البيت. لا بد لأي شيء من أن يكون سريًا كي ينال شرف اهتمامهم.
عرفت أنهم قد استبعدوا هذه الفكرة – لو كانت حقًا خطرت ببالهم – حين بالغوا في التلصص على بيتي، ربما في انتظار أي بادرة تدل على وجود حقيقي لي. بالغت بدوري في التخفي والمراوغة. لم أحفل برأيهم إذا رأوا الدفاتر والأوراق التي تكاد تغطي الأرضيات، بل حرصت على تركها في مجال رؤية العيون المتلصصة. ولم أسع لمنع تطايرها إلى الخارج، على العكس تعمدت ترك ما أريد تطايره منها في مرمى الريح، كي يطالع فيها المتلصصون مستنسخات التصميم الأصلي. من مكاني – حيث لا يمكنهم رؤيتي – تابعتهم وهم يجمعون بعضها، وشهدتُ على الهواء وهو يحمل بعضها الآخر إلى حيث لا أعلم ولا يعلمون.
أعرف أنهم لن يستوعبوا أبدًا سبب استنساخي لتصميم أصلي أصررت على الاحتفاظ به منذ وجدته في منزل الغائب بمجرد اختفائه. أنا نفسي لا يمكنني شرح دوافعي بلغة مفهومة. غير أن ما فاجأني، ولم أجد له تفسيرًا يقبله عقلي، كان ما سمعتهم من مكمني يتهامسون به عن أنني ربما أكون صاحب الرسومات الأصلية وليس الرجل المختفي منذ سنوات. أنصتُّ إليهم وهم يرددون أنّي ربما دسستها في منزله، بطريقة ما، قبل إبلاغهم باختفائه.
في ما بعد شككوا في حقيقة أنه قد عاش بينهم يومًا. بعضهم راح يسوق البراهين لإثبات هذا الزعم. لم أفهم كيف يتذكرون تفصيلة دقيقة مثل أنّي كنت أول من حمل لهم خبر الاختفاء، ومع هذا ينكرون حياة كاملة، نمت وازدهرت على مرأى منهم قبل أن تتدثر بالغياب.
من مخبئي بالداخل قررت أن أحكي بصوتي المتشقق المجروح ما أرى أنه قصتي، واثقًا من فضول وتشوق مستمعين يظنونني غافلًا عن وجودهم على مقربة. لم أملّ من تكرار مونولوجي هذا، ولم يسأموا – على ما يبدو – من التنصت عليه:
في البداية لاحت لي قصية معزولة عن العالم، ثم رأيتها تقترب. يومًا بعد الآخر أخذت تدنو. تابعت خطوها على الطرقات نحو البلدة. صرت أراها من نافذة غرفة نومي، ثم من كل نافذة ممكنة. حاولت غلق النوافذ فلم تطعني. تواطأت مع القلعة ضدي. راحت تمدني بصورتها بلا انقطاع.
اقتربت معذبتي أكثر واحتلت بيتي. صارت إياه وصار إياها، ومع هذا كانت تطل عليَّ هي وقرينتها الجبلية من كل الشبابيك المفتوحة أبدًا. أضحت تسكنني. أشعر بها في أحشائي. تهدر الريح في أروقتها،  فأسمع صدى صفيرها في أعماقي. تستحوذ عليَّ وحشة القلعة. أنصت إلى وقع خطى ثقيلة في دهاليزها، دهاليزي. أكاد أرى العتمة تسود في ثناياي، ثم يطوِّح الهواء درفة شباك ما في قلبي فتتخللني أشعة ضوء مبعثرة. يلمسني دفؤها، فأنشغل مؤقتًا عن ما أنا فيه.
سمعت كثيرًا عن أبنية تسكنها الأرواح. ومنذ رأيت تخطيطات الغائب لأول مرة، أدركت أن قلعته هذه مسكونة حتى من قبل أن تُشيَّد. ما غاب عني إدراكه أنها بدورها تسكن الأجساد. تلتصق بها كعَلَقة تمتص الدم والأعصاب ورجاحة العقل.
لا أدري من أي جحيم استقى الرجل تصميمه الأولي. ما أوقن منه أن عليَّ إبطال هذه اللعنة قبل أن تسكن الكون بأسره. قبل أن تُلاشيه وتبتلعه.
التصميمات تميمة. الرسومات المتكررة طلسم يحوي سحرًا أسود. الدفاتر الملأى بالحروف والكلمات لعنة لا سبيل لحجب تأثيرها، وكلها يسلبني عقلي. يتآمر عليَّ ويموِّه الوجود أمام عينيَّ. لا سبيل سوى الانغماس فيها وإنتاج الآلاف منها. كتبت وكتبت. رسمت ورسمت. رغبت في التطابق، ولم أحصد سوى الانحراف عن الأصل. أقارن تصميماتي بأصولها فأجدها مختلفة على الرغم من أنها للقلعة نفسها. لمسة زائدة هنا. ميل مغاير هناك. لا يمكن لعين غير مدققة ملاحظته لكنه موجود يحدق فيَّ بنصوع الخطأ وإشراقه. لم يكن خطئي. كان تعويذة القلعة لحماية نفسها، أو ربما أي شيء آخر. في النهاية لاحظت الاختلافات بين التصميمات الأصلية. لم أعرف إن كان الغائب قد كرر التصميم نفسه مئات المرات لمنع انحراف لا إرادي. أم أنه تعمَّد تباينات طفيفة بين تصميم وآخر، لسبب لا يعلمه غيره، فرأت العيون الكسلى التطابق حيث لا يوجد.
لن أعرف أبدًا، لذا عليَّ ألَّا أتوقف عن إنتاج الرسم تلو الآخر. لم تعد مجرد مستنسخات. أثق من فرادتها رغم كل شيء. باتت قشة يحميني تعلقي بها من الغرق في الجنون، أو ربما ممرًا يقودني إليه.

نص من متتالية قصصية بعنوان “مأوى الغياب”، تصدر قريبًا عن داري سرد وممدوح عدوان للنشر والتوزيع