فرات الحطاب: حيطان الرديّف للبيع

أول مرة سمعت عن الرْدَيِّف كانت في شهوري الأولى في تونس، من صديق ينظّم ملتقى أفلام وثائقية هناك. لم أعرف لماذا اختاروا ذلك المكان البعيد. ثم بدأت أسمع قصصًا عن أول ثورة ضد حكم بن علي في ٢٠٠٨. ثورة الحوض المنجمي. نعم، حتى أنا لم أكن أعرف أن ثورة قامت قبل ٢٠١٠. ثورة ومظاهرات وشهداء ومطالب محقة، ونحن لم نعلم عنها شيئًا.
الرديّف واحدة من أكثر المناطق المهمشة في تونس. وهي ثالث أكبر منجم فوسفات في البلاد. ولاية قفصة المهملة أيضًا والتي تتبعها الرديّف تمول من خلال مناجمها ٣٠٪ من الاقتصاد التونسي ولكن لا ينوبها من كل هذا إلا الفتات. البعض يتهم القفصيّة بالجهوية والمناطقية لأنهم يطالبون بجزء من مردود الفوسفات لترميم المنطقة. لكن ما علينا.
ذهبت من أسابيع لأحضر ملتقى الأفلام وأكتشف.
صديقة جميلة أرسلت لي رسالة: أنا من الرديّف ولكنني في باريس الآن. سأرسل رقمك لأهلي، اذهبي عندهم.
بعد دقائق كتبت لي: عرس بنت خالتي سيكون هذا الويكند أيضًا.
وبما أنني  مدمنة أعراس (وما بلقى عزيمة)، كان هذا سببًا إضافًيا للزيارة.

.

طريق الرديّف ذكرني بالطريق إلى القلمون، المكان الذي ربيت فيه في سوريا. الأراضي القافرة على جانبي الطريق. جبال بعيدة لونها بنفسجي، كأنها سلسلة جبال لبنان الغربية. درجة حرارة الهواء، جفافه. الشمس وحدتها.
أهل الرديّف يحفرون مناجم الفوسفات وأهل القلمون كسروا صخر الجبال ليزرعوها. تشابه آخر يفسر سكينة قلبي هنا.

.

.
في كل مكان تمشي فيه تقرأ على حيطان الرديّف “للبيع”. مكتوبة بالأبيض، بالأسود، بالأزرق. بعضها صغير وبعضها كبير. بعضها شُخبط فوقه ( تخيلت شخصًا عصبًيا وجد الكلمة وبدأ يبخ فوقها بحنق) والبعض تُرك للريح والمطر.
ونحن في طريقنا إلى العرس سألت طه:
– أوف كله بده يبيع!
ضحك وقال:
– لا ميحبوش يبيعوا، هذوما كتابات غرافيتي.
– مين اللي كاتبهن؟
– ما نعرفش، ينجم يكون واحد وينجّموا يكونوا عشرة. ترقد وتقوم الصباح تلقى دارك انكتب عليها للبيع.

.

 

 

 

 

.

على أحد حيطان ساحة العرس التي كنا نرقص فيها كُتب بخط كبير “للبيع”.
ذهبنا للبحث عن الحيطان في اليوم التالي. قالت لي آمنة إن لم نجد كل الحيطان المكتوب عليها، سنشتري بخاخًا ونكتب على الحيط الذي تحبين.
بعدها حملت حجرًا كلسيًا. ألّفت رقمًا وكتبت على حائط جديد للبيع.
آمنة: مسكين صاحب هالنومرو (مع ابتسامة رائعة).

.

حيطان منازل قيد الإنشاء: للبيع.
حيطان منازل مسكونة : للبيع.
باب متجر: للبيع.
حيط قهوة: للبيع.
حيط مدرسة: للبيع.

.

 

 

 

 

.

حتى لو كان بغرض التسلية لم يكتبوا قصص غرامياتهم المدمًّرة كما على صخرة “اذكريني” في قاسيون، أو “بحبك يا سودا” (العبارة الشهيرة على حيطان بيروت). لا مكان لميوعة المدن وترفها على حيطان بلاد الفوسفات.
ونحن نمشي بعد حضور الأفلام كان الهواء باردًا والدنيا في سكون. بالنسبة لي الهدوء والبرد يعنيان الجبال العالية والهواء النظيف. قلت لطه:
– ما أحلاه الهوا النضيف.
ضحك مرة أخرى وقال لي:
– موش نظيف برشا، كله فوسفات الهوا هذا.
ثم قال:
– تحب تشوف الفوسفات؟
مشينا خلف الدار قليلًا، كان هنالك تلة سوداء كبيرة:
– هذا هو الفوسفات.
أول مرة أراه.
الرديّف ذات الطرقات الترابية غير المعبدة، ثنائية الأرض الغنية وأهلها المهمشين، الجنوب الرمادي. أين هي تلك الـ ٣٠٪ من الاقتصاد؟

.

 

 

 

 

.
حيطان الرديّف للبيع، فوسفاتها مانه إلها، وطه بده يهج.

.

 

 

 

 

.

قال لي إنه عندما ينتهي من الثانوية يريد الذهاب.
– لوين؟
– أي مكان غير هنا.

SaveSave