كنتَ محبوسًا في حلم شخص آخر: ثلاثة نصوص لحسين فوزي

Marwan Kassab Bachi, The Husband. Source: barjeelartfoundation.org

طور الاختفاء
ما يجرح. وحيدًا لأجلك كنتُ، ولكنني أبدًا لم أملكك. ومن خلف كل الوعود المرئية كان بإمكانك أن تراني أتوسل، أولم يكن باستطاعتك أن توقفَ الألم؟ والآن أراك من أمامي تنمحي، وهو ما يجعلني أشعر بهبوط مستمر وحاد، وهو ما يجعل من السهولة أن أنتحب.
عندما تحركتُ وسط القفر أفتش عنك دون خطوة، عندما أطارت عاصفة من الغبار شعري المستعار، عندما راقبتك من مسافة بالاغروراق الضبابي لعيني قبل أن توليني ظهرك، أرأيتني؟
في المستشفى، مراقبًا جسدك المخترق من محاليل شفافة، أنابيب نحيفة تصنع متاهات متشابكة، كان غريبًا أن أحدد شعوري تلك اللحظة، لكن المؤكد هو رغبتي في التقيؤ على الجثة العاجزة الممدة أمامي.
ربما هذا كل ما تبقى: القليل من الأنفاس، القليل من الدموع، مراقبة الضوء الكئيب للعنبر الخالي، استنزاف الذكريات من ثنايا الوعي المعذب.
ربما حان الوقت للشيطان أن يأخذ دوره. ربما البنزدرين سيستمر في أن يعطيني الشعور المزيف بالأنس، الأمور لن تختلف كثيرًا بعد الرحيل.
ومع الاكتراث القليل، والذكريات النادرة، لازال يجرح أن أراك من أمامي تتلاشى بعيدًا، وتذوب في الهواء الطلق.

.

بوابات الإدراك
أحيانًا يكون عسيرًا عليك أن تحدد مصدر تناغم الأصوات المكونة للأغنيات، تعلي الصوت لتتأمل المكونات الإيقاعية بالتدريج. لكن كلما علا الصوت ازداد نشازًا، وازداد شعورك بالألم المكتوم داخل أذنيك. الأمر لا يحتاج علوًا في الصوت لكن توسيعًا لكالون بوابات وعيك لينساب فيه الصوت بسلاسة. في البدء خرج غبار كثيف من خلف البوابات غبَّشَ عينيك وسبب لك صداعًا، ثم شخصيات كارتونية غير متقنة الصنع. وأمكنك فهم الطريقة التي يجب أن يسمَع اللحن بها. كلما تماديت كان الألم يزداد ولكنك كنت تتسلى. الآن يمتزج الإيقاع بصوت تنفسك الثقيل، كل البوابات فُتحَت لأول مرة منذ أشهر، جليتش حدث إثر لمسك لفخذها اللدن عاريًا وابتسامتها حين أُفعمت بالموت. أضاف صوت أنفاسكما وأنينكما جمالًا للإيقاع، وتهنيجة خفيفة لنهيجها، ثم أدركتَ أنك أصبحتَ سعيدًا والشخصيات الكارتونية كانت تقفز في رقص رغم أن صوت الغناء لم يكن حيًا. لم يعد هناك من يريد أن يغني لك، لم يعد هناك من يغني. تمثلت الأنغام في تموجات ضربت جسدك في رقة جعلته يفقد حرارته بالتدريج. شعرتَ أنك مجهد ومبسوط كونك جزءًا من هذا العرض، وكأنه لا حاجة للنوم منذ الآن. الوجود كأنه تمحور بأكمله حول هذا الطقس الشعائري الناعم. الحوائط بدأت تخرج إشعاعًا زاد من إضاءة الغرفة، أشعلتْ رقةً في قفصك الصدري. وعندما انقطع الصوت ورُزِعَت كل الأبواب، بعد وقت التردد الذي انقضى فجأة، انتهى كل شيء وعدتَ لوحشتك. وعادت الحوائط لتكون أكثر كآبة وتبدى أنك لن تستيقظ في مزاج جيد منذ الآن. أشعلتَ سيجارَك الأخير لذاك اليوم، تدربتَ على أن تنسى.

.

نقيض منتصف النهار
شعرتَ بوهن خفيف من حزن مستساغ وقتما امتزج السائل بالدم من داخله ضاربًا منطقة العنق من أسفل الجلد. كانت ليلة عادية وكانت على وشك الانقضاء. كانت الشمس تنبلج من أمامك بعد رحلة قصيرة في ضوء القمر سابحًا على سطح البحر، مرتعشًا مع خفة كل موجة. حاولتَ الحديث ولكنه أوقفك. عيناه على الطريق، يداه على المقود. وعلى الكنبة الخلفية كان إصبع امرأة إلكترونية ممدة يتحسسك. أحببتَ أسلوب لمس الجلود المغايرة في تباعد زمني. تمددتْ العربة عند الجانب الأهدأ من المحيط. الشفة العليا منتفخة أغرتْك بالتقبيل ولكنك لم تفعل، لم يحدث اختراق. سأل إن كنتَ بخير ولكنك أبدًا لم تكن صحيحًا في يوم. معلقًا من أعلى صليب أنزلتَ لزوجتك على يديه وفمه. الخبط العنيف على الباب أزاد غريزتك إهاجة. وأصوات حديدية كانت تأتي من الخارج. الحائط عاريًا لوَّث شعرك، والحاجز بين كل مرحاض وآخر كانت تشغله حقن داء السكري. راقبتَ جرادًا ضخمًا شديد الخضار يقتحم الحيز الضيق دون طرق.
“قف كرجل وانظر لعينيَّ، اجعلنا جميعا فخورين بما صنعتَ”.
تعددتْ مواضع الندوب في وجهك، أدركتَها من الألم. وسط الوجع الضارب بعقلك المتورم حاولتَ تذكر كيف وصلت لذاك الدرب. اتحدتْ ظلال المجسمات من أمامك مشكلة انتصابات متباينة الوضوح، استطعتَ من خلالها تبيان معالم الطريق وسط الغيمة الكثيفة المخيمة على عينيك. لم يضع في جيوبك المثقوبة مالًا، وعلبة سجائرك كُبِسَتْ. وكان هناك ذلك الشعور يوخزك في تصاعد خارجًا من عظامك يبعث رسائل عصبية تكونتْ بوضوح أمام عينيك، على سحابة مخضوضرة من انعكاس ضوء شاحب على العشب، مكونًا مساحات ضوئية بدتْ كأرواح ضائعة ستظل تطاردك بعويلها، أن دع الأمر وابحث عن مأوى أدفأ. أعلى الجبل رأيتَ جلد المدينة يزداد رمادية كجسد محتضر. وانطفاء الأضواء كان أشبه بثقوب زوائد جسدية مستجدة. تمنيتَ لو كان بإمكانك أن تثبِّتَ اللحظة، أن تتشاركها مع أحد. كنتَ محبوسًا في حلم شخص آخر. والعرق النسائي بدأ ينتشر بداخل جسدك انطلاقًا من الملابس الداخلية الشفافة الملتصقة من أسفل الملبس المخضل. تمددتَ ونمتَ، كان استسلامًا لذيذًا وعذبًا في معركة لم تستطع فيها سوى أن تخسر. ثم بدأ المطر يتساقط برقة على الجسد المتداعي للمدينة، وعلى رؤوس من عُزلوا من الساهدين في كل ركن محاولين الحفاظ عليه نظيفًا. وتدلتْ أكاليل النجوم من أسفل القمر الذي تسحَّب من شحوبه الآن وتلون بالذهب، مفَتَّتة لأجلك ناشرةً أضواء باهرة على المدينة فرَتْ عينيك. أما أنتَ على جبل معشوشب، فكنتَ وحيدًا تشعر بأشد الحزن. كان الأمر أشبه بأن تكونَ التسلية الوحيدة لنفسك، كأن تكون فقط مهرجًا، النكتة التي انطلى عليك بها الرب. وبعد إغفاءة قصيرة، أدركتَ كونك تحتاج ملجأ أكثر أمانًا. الرؤية كانت ثلاجية كأن تنظر من عدسات زجاجية شديدة اللمعان، ومزاجك كان كدرًا لأنك كلما أبصرتَ تفتيشًا وسط عري وغيام النقيض الجليل للنهار، كان الإعياء يشتد.
SaveSave