هولدن كولفيلد: نصان

Katsushika Hokusai, The Dream of the Fisherman’s Wife, 1814. Source: Wikipedia

-١-
كنت حزينًا فوق كل تصور كوني أودّع كل هذا الجمال. السماء بدت أكثر اتساعًا. كانت صافية تتخللها خطوط مقلمة أفقية. مبتسمين أخلوا الطريق لي، وكنت أتشرب بعقلي كل ملمح لكل وجه أتى ليودعني. كان وداعًا سعيدًا، ولم أشعر بأي اهتزاز للخشب أسفلي لأن الورود الرطبة كانت قد غطته بالكامل. الصيحات كان يتمخض عنها موسيقات ليست سوى موسيقات الحياة، كانت تصل لأذني كغمغمات عصية على التعبير. الأرض من أمامي تغطت بجليد ميزته آثار أقدام حددت مواضع كل الأمكنة التي أتوا منها. شعرت بلهب كان يشتعل بداخلي، وتذوق لساني الطعم المالح لعرقي، لكنني حاولت التماسك. ثم استبد بأكمل جسدي شلل لم أعه حتى ساعدني ذو وجه مسطح جامد غير معبِّر على الانحناء. أحسست بظفر خدشَ جلدي كان يحاول أن يلمسني من مسافة وقت أن انفكت العقدة وتحررت شفرة المقصلة من أعلى رقبتي.
.
-٢-
في البدء، بالتدريج، ستلمحهم زاحفين متكاثرين من بين الثقوب العشوائية في جدار حجرتك: فرسان أحلام القُصَّر. يتزايدون يوما بعد يوم وأحجام أجسادهم تنمو إلى أن يملأوا كل فراغ لحيزك. ستراقبهم، كائنات باهتة بأقنعة ذهبية على وجوهها، بأجنحة مُريشة مهقاء. أجساد لامعة ندية، تمتلئ بأخاديد وحفر بارزة. في الليل تستيقظ إثر الصخب. بعد كل حبة مهدئ تتكوم على نفسك أكثر دون أن تطلق أنّة واحدة، مهزومًا شاعرًا باشتداد اللطمات والركلات المصوبة تجاهك. مع كل دمعة جديدة يقتحمون خلاءك متسلين بمنظرك، مشيرين إليك: متعرق، انظر إليه. مضحك كعبد. والأنثى الوحيدة منهم تسمع صياحها ضاجًا هائجًا، كوضع أركان ارتكاز للغة جديدة، خابرتك أنك مغفَّلها وهي ملكتك. ولكن وسط كل ذلك الضجيج، بإمكانك أن تشعر في أسفل أعماقك بما هو أشد تجذرًا من السأم المجرد. فوسط كل الطفيليات المتسللة من أكساس أجساد في طور التحلل، واشتداد انغلاق الرباط الجلدي حول العنق وقت ذروة القذف في خضم استمناء عنيف، والأيام الغريبة التي أفسدت كل متعك الأولية، كل تلك الفيتيشات العصرية، كان بإمكانك في كل لحظة أن تشعر بدائرة من الفراغ بداخلك تتسع، دومًا تتسع.