ميرهان فؤاد: حق العودة

PIG2003007K041

Gueorgui Pinkhassov, Girl with her father crossing the street. Source: magnumphotos.com

في ساحة القبر، أنتظر مشهدأبيليس اللفظ السينمائي، وإنما مصطلح يشير إلى الجنازة: عبور الرجال حاملين الميت من المسجد إلي القبر فيما أتذكر محاضرة الطب الشرعي، حين كانت الطبيبة تقول إن عدداً من المصريين يُدفنون أحياء بسبب العشوائية والتعجيل. سأظل أفكر في هذا الهاجس حتي الآن، أتخيل آلاف السيناريوهات: هل أفاق من موته ليجد نفسه وحيداً مختنقاً بالأسمنت والطين فمات مرة أخري؟ هل قام من القبر ليكوّن أسرة جديدة؟ هل فتح باب الموتى ليحاكي آليس في بلاد العجائب (النسخة الجنائزية)؟
تخبرني إحدى النساء اللاتي تعودتُ أن أراهن في القبر وكأنهن متعهدات الموتى: المبطون يحسب عند الله شهيداً. أمتعض من كلامها وأدير وجهي: “يافرحتي!” بينما تغمغم هي وأخريات: لماذا ألبس ثياباً ملونة؟
بعد هذا المشهد، ولمدة ثلاث سنوات، سيصيبني مس فأرى خيالات أبي في الشوارع والموالد. ولاعتقادي الفعلي بأنه سيعود تلتوي عنقي عندما أرى سيارة فيات سماوي، أو رجلاً يرتدي جلباباً ريفياً وينطقسجرةبحرف السين.
ليلتها بِتنا بجوار جثته الساكنة في منزلنا الريفي الكئيب. تغلبتُ علي الوقت بالنوم. مارس عقلي الباطن معي دراما رخيصة: حَلمت بخيول بيضاء تجري في حقول قمح ذهبية، بدأت أعاتب نفسيفي الحلموقد صرت نصفين. من قال لكِ أنني أشعر أخيراً بالحرية؟ فأبي النائم الآن كان يغسل لي منفضة السجائر.
حلمت بمشهد من فيلم لا أتذكره. كنت واقفة أمام تمثال مريم، حولي عدد كبير من الشموع الصغيرة. وبحركة عنيفة قلبت الشموع علي التمثال فسقط علي الأرض.
حلمت إنني في وسط البحر. كانت الأمواج من زجاج وأنا أكسر الزجاج بكلتا يدي. سيرتبط عندي البحر بعد ذلك كمجاز للموت.
صحوت في الصباح لأجد عمتي تحاول إفاقة أبي. تطلب منه أن يصحو. تأكدت أن الجنون وراثي في العائلة بينما كنت أحاول إبعاد أمي عن جثته السابحة في الثلج ظناً مني حينها أنها ستصيبه بالعدوي.
لم يسبب لي الموت الحزن، وإنما الغضب. الحزن يحتاج لدرجة من الوعي لا أمتلكها. غضب من أبي، ومن أطباء الباطنة، ودوالي المريء، وسرطان الكبد. ومن الله بالضرورة.
لأني لا أعتقد كثيراً في الميتافيزيقا، بحثت عن وسائل تواصل بيني وبينه بأن أعيد فعل طقوس خاصة به. لكني لم أتذكر له طقساً محبباً اعتاد فعله. فكرت أن أفضل وسيلة تواصل هي تخريب معدتي. سارت الخطة كالتالي، بالوعي واللاوعي. كنت أشرب أردأ أنواع النبيذ علي معدة فارغة. سجائر وقهوة لانهائية. وساعدتني في الخطة جرثومة في المعدة أمتن لها الآن، لأنها قربت المسافة بيني وبين أبي. كان يتجلي لي في غرفة المنظار، أصبت بعدة أعراض تشبه أعراض مرض موته كنوع من العرفان له، والمؤازرة.
لكن قرح المعدة التي تجمعنا تلتئم ولا تدوم للأبد. وإلى أن يعود الغائب، لا يقرّب بيننا سوي وحدتنا المشتركة.