معن أبو طالب: ابن بلاد

Untitled-1 copy 3_Snapseed

Alex Prager, “Pacific Ocean Compulsion”, 2012. Source: iconolo.gy

لم أستطع أن أفرشي أسناني ذلك الصباح. فتحت الحنفية الكبيرة الواسعة ذات الأنبوب العريض التي توهمك أن النيل بحاله وراءها، فحشرجت وبصقت ثم صمتت. وهكذا لم أستطع أن أفرشي أسناني ولا أن أغسل يديَّ أو وجهي ولا أن آخذ الشاور المعتاد الذي أبدأ به يومي. باريس المدل إيست. باريس أيري.
بحثت عن هاتفي واتصلت بسامي صاحب خزان صهريج الماء المغوار الذي ينقذني مرتين أو ثلاثًا في الأسبوع. سامي من هؤلاء الباعة الذين عليك أن تحافظ على علاقة طيبة معهم. القوة معه. إذا لم يرد المجيء يومك أنت سينتاك، ليس يومه. هو آخر همه، في عشرين زبون غيرك. الكل بده مي. لذا علي أن أكون لطيفًا مضحاكًا مدفاعًا، ومتسامحًا معه إن تأخر ساعتين، فهو يعرف كيف يصل خزاننا الموجود في آخر سطح العمارة بعيدًا عن الشارع. فقط هو يعرف كيف يصفّ صهريجه ليصله، وعنده الصبر لذلك. لا بل بدا لي أنه يستمتع بالأمر كأنه أحجية. عدة غيره جاءوا مرة ثم رفضوا نقودي بعدها. وجع راس، منّا حرزانة.
مع سامي يشتغل شاب سوري جنوبي ذو لهجة تكاد تكون أردنية. حاولت أن أتعرف إليه في أول مرة طلبت فيها الماء ولم يبدُ متحمساً للحديث حينها. أعطاني نظرة لم أفهمها، أعتقد الآن أنها عنت أن الصيف مازال في أوّله. بعد عدة زيارات بدأت برمي نكات تهكمية عن أهل المدينة لكنه تصرف كأنه لم يسمعني. أعتقد أنني رأيت مرة طيف ابتسامة على وجهه، وشعرت أنه يقدّر هذا التواطؤ بيننا، ورددت أنا ابن البلاد المصطنعة المستقرة رد فعله المتحفظ للسنين في سوريا الأسد.
ذلك اليوم لم تكن البقعة التي يقف فيها سامي عادة متاحة. كانت هناك سيارة رباعية الدفع ضخمة تسد ذلك القسم من الشارع. زمّر سامي وصاح في وسط الشارع ولم يطل أحد. ما في نصيب اليوم قال صاحب الدكانة ولكن سامي لم يقتنع. سألني عن موقع الخزان بالضبط وأجبته مثل كل مرة أنه وحده، عدا عن كل خزانات البناية، موجود في الزاوية البعيدة من السطح. وصفت له أين وعرفه، فهو كان يعبئ لسكان الشقة السابقين. غيّر موقعه والتف إلى بقعة فارغة من الجهة الأخرى من البناية. بقعة فارغة كبيرة مزفتة لاحظتها ولم أفهم لم لا يستخدمها الناس لصف سياراتهم، خصوصًا أنهم يتذابحون على المصفات في هذا الحي. بين العمارة والبقعة كانت حديقة شقة الطابق الأرضي. حديقة بمعنى أن فيها بعض الزرع وعلى أرضها ركضت حيوانات مثل الجرذان. لم أفهم كيف سيصلون بالنبريج من هناك إلى سطح العمارة ثم إلى آخره حيث يقبع خزاني.
على سطح العمارة من الجهة القريبة من الساحة وقفنا أنا والشاب السوري ننتظر سامي أن يربط النبريج بالحبل الذي ألقاه الأخير من السطح. إسحب!” جاء صوت سامي كطلقة بداية فبدأ الشاب السوري بسحب النبريج الأسود الثقيل سبعة طوابق والعرق ينهمر منه مع كل نتعة. لمّا وصل النبريج إلى السطح طلب مني أن أمسك به إلى أن يصل هو إلى البلكونة في الجهة المقابلة (كان السطح على شكل حرف ل أو د، أو ك). كان علي أن أدعس على النبريج لأثبّته، ثم أرمي له الحبل ليسحب هو النبريج إلى الطرف الآخر. كنت سعيداً بذلك وشعرت بأنني جزء من الفريق، جزء من الشعب الكادح المحزون. دعست على النبريج وحضّرت الحبل. أخذت أفكر كيف سأرميه بحيث يصل ولا أحرج نفسي أمامهم. تذكرت أفلام رعاة البقر ثم عقلت. الحبل بلاستيكي خفيف ولن تنفع معه القوة. يجب أن أجعل منه كتلة حتى يبقى زخمه معه. وصل الشاب السوري إلى الجهة الأخرى من السطح ولوّح لي لأرمي الحبل. لففت الحبل في كرة صغيرة ثقيلة، مددت ذراعي اليمين بجانبي بينما أمسكت باقي الحبل بيساري، مرجحته مرتين ثلاثًا ثم أطلقته. راقبت الحبل وهو يتسارع من عندي نحو الشاب السوري وينفرد شيئًا فشيئًا، يحمله زخم كاف ويجرّ قدرًا لا بأس به من الفخر. اندفع جسدي إلى الأمام بعض الشيء مع الرمية وشعرت بالنبريج ينسحب من تحت قدمي بسرعة فدعست عليه وأحكمت الدعسة. انسحب حتى وصلت قدمي العقدة التي صنعها السوري، وثَبَت.
عندما نظرت إلى الشاب مرة أخرى كان يقبض على الحبل. نظر إلي وابتسم ولم أتمكن من إخفاء ابتسامة عريضة لم ينغصها سوى طعم النوم العالق في فمي. رفعت النبريج من فوق السور بحيث أصبح معلقًا على الحبل بين السطحين، أنا ممسك بطرف وهو بطرف، وبدأ يسحب. قال لي أفلت فأفلتّ. هبط النبريج قليلاً وأخذ هو يسحب بهمّة. هكذا إذًا يصل هذا الملعون سامي إلى خفايا السطوح، فكرت وأنا أراقب النبريج الأسود يتمايل ويتصاعد مع الحبل كأفعى يستنهضها عازف ناي في راجستان، متيقنًا أن ساعة غسل الفم والشاور وبداية اليوم قد آنت، وأنني لن أضطر لخوض القرف هذا ليومين آخرين على الأقل خصوصاً إن لم نغسل ملابسنا لكن أفعانا سقطت مرة واحدة عندما انفلت الحبل عن النبريج الذي هوى ستة طوابق قاطعًا في طريقه أسلاكًا ومحطماً حوض زريعة، ثم متسارعًا بسقوط حر من الطابق الرابع حتى تلك الحديقة التعيسة أسفل البناية، ليجلدها كسوط طويل في يد نخاس غاضب. لحسن الحظ لم يكن هناك أحد. لو كان هناك أحد لقُتل قطعًا. وإنها لميتة بائخة. كيف توفى المرحوم؟” – والله وقع عليه نبريج مي. مش حلوة. أدركت فورًا أن الخطأ خطأي، أنني ولابد أرخيت العقدة التي أحكمها السوري في تلك اللحظة التي خفّت فيها قدمي عن النبريج إثر زخم الرمية. كان علي أن أنبهه لذلك ولكني لم أرد أن أحجب شيئًا من بريق إنجازي في الرمي.
ركضنا أنا والشاب السوري إلى المصعد. رح يصيح علي هلق قال، وحاولت بإحدى نكاتي الباهتة. قلقت من أن سامي لن يريد أن يعبئ خزاني الآن وأنني لن أتمكن من بداية يومي حتى أجد بياع مي آخر مستعدًا للقرف تبع خزاني.
خرجنا من المصعد وباب العمارة والتففنا حول الكوربة باتجاه الصهريج وبدأ سامي بالصياح منذ لحظة ظهورنا من وراء العمارة وحتى وصولنا عنده. صاح وشتم وتعجّب وضرب كفيه ببعضهما، وساندته جوقة من ختيارية الحي. كل من في الحي إما ختيار أو مراهق، كأن هناك حظراً على من هم في العشرينات والثلاثينات والأربعينات. سامي يصيح وهم يهزون رؤوسهم من ورائه شادّين على عزمه. اشتد صياحه ومعه تعابير وجهه الحية الممتعضة، حتى بدا عندما اقتربنا أن عينيه سمكتا پيرانا ستطيران من وجهه وتأكلان الشاب السوري في أرضه. هدده وتوعده وقال له إن لا عمل له في هذه المصلحة. إنه لا يقدر عليها ولا يستحقها. أن عليه أن يغادر فورًا. ثم يعود ويكرر عَيلة بحالا كانت راحت بهالنبريج، فيتعجب ويمتعض الرجال من ورائه ويزداد عددهم. الجو حار وفمي مازال دون معجون أسنان وأذناي لا تصدقان أن من في عمره يستطيع الصياح هكذا. قلت بعض كلمات لتهدئته وأزعجني طعم الحديث في فمي غير المغسول.
نظرت إلى جيراني وكانوا كلهم يحدقون في الشاب السوري الواقف مكانه لا يتحرك. حتى جورج الكوافير الدمث البشوش السكران ذو العيون المحمرة الذي يتغزل بصاحبتي بوداعة كلما سنحت له الفرصة بدا في تلك اللحظة شرسًا، وأصبح جليًا لي أنهم وقفوا وقفات عديدة كهذه في زمان بعيد عنا لكن قريب منهم. بعضهم ترك أشغاله وانضم إلينا بحماسة طفل تمكن من الفرار من درسه ليلعب. قاطع أفكاري رد الشاب السوري الذي رفض تحمل المسؤولية وبدأ يهدد هو بالاستقالة. لا تصيح علي”. ظل يصرخ في وجه سامي الذي وجد الآن طبقة جديدة لصوته. هدده سامي بالطرد وهدد هو بترك العمل عنده، ثم صمت الجميع عندما عاد جورج من محله ووضع فوهة مسدس في رأس السوري، ثم التفت إلى سامي وسأله: شو اسمه أخو الشرموطة؟
قوّصه، قوّصه ابن الستين شليتة قال سامي لكن الأمر لم يكن مقلقًا لسبب ما. حتى الشاب نفسه لم يبد عليه الخوف بقدر ما ظهرت على وجهه علامات نقمة وغضب. قوصني إنت إذ إنك قبضاي رد وسامي يصيح قائلاً قوصه، قوصه هالعكروت. وجورج واقف بتعابير وجه وشدة وصلابة لم أرها فيه من قبل لكنها تليق به، حتى أن ما اعتدته منه من نعومة وترنح أصبح غريبًا نافلاً، كأن مصلحة الكوافير هي مجرد إجازة طويلة مما يتقنه حقًا. هو بالتأكيد لا يتقن الكوفرة. حاولت صاحبتي أن تعمل شعرها عنده يومًا ولكنها فرت قبل أن يبدأ، ومن يومها وهو يسألني، سكران في أغلب الأحيان، وينا المدام، ما عادت إجت؟ بابتسامة ونبرة لم أفهمها حينها، كأنه يقول لي أنا بعرِف إنكن منكن مزوّجين، أو كأنه يقول من وين لقطتها هَي يا عكروت. عندما أتذكره الآن أعتقد أنه كان أيضاً يقول: أنا بَعرِف إنك فلسطيني.
المهم أن فوهة المسدس ما زالت مصوبة، لا بل هي تُلامس صدغ الشاب السوري الغاضب الذي أخذ يتحدى كل من أمامه لقتله بينما سامي يرد عليه وجورج يمسك الفرد بثبات وطيف ابتسامة يتخثر على وجهه. بعد أن رأيت هذا الشق من شخص جورج تسلل الخوف إلى قلبي وتمنيت لو يصمت السوري، ولكنه دار نحو جورج حتى أصبحت فوهة المسدس على جبينه وتحداه أن يقوّص. رجوته ألا يتحدث لأن جورج بدا عازمًا ومشتاقًا لتفجير دماغ أحدهم لكن لم يسمعني أحد، وساعدني ذلك في قنص خزي حلّق حولي لعدم إفصاحي عن أن الأمر برمته خطأي أنا. في تلك اللحظة استوعبت أيضًا أن كل ما علي فعله لأنهي معضلتي هو أن أشتري قنينة مياه معدنية وأفرشي أسناني بها وبديش جميلة سامي وكل جماعته. بإمكاني أيضًا أن أشترك في نادي رياضة وآخذ شوراتي هناك، وحلّوا عن ربي انتو وميتكم وصهاريجكم. لذلك كنت أتحرق لإنهاء هذه الأزمة ومغادرتهم عندما اقتحم مسامعنا زمور سيارة عال كإنذار قصف في إسرائيل. زمور عال لا يتوقف ولا تتغير نبرته. نظر الجميع خلفهم إلى مصدر الصوت وإذا بها سيارة بي إم دبليو رباعية الدفع جديدة معتمة الزجاج تقف على مدخل تلك الساحة التي طالما تساءلت لم لا يصفّ فيها أحد. هَي المدام نهلة قال أحدهم بنبرة جريحة.
روح شوف شو بدّا قال جورج لسامي ومسدسه ما زال مثبتًا على جبين الشاب السوري. سأل آخر سامي معاتبًا إن كان قد صف في الساحة فأجابه: خيي إيه، ما بدنا نعبيله للرجال. زحفت الثواني تحت ثقل زمور نهلة. روح احكي مَعَا يا خيي قال أحدهم لسامي فأجاب هو ما بروح، خيي روح! صرعت راسنا، حدن يتفاهم معا، اتفاهم معا انت خيي. نظروا إلى بعضهم متبادلين الأوامر والتهم، وانسحب نصفهم. نسوا أمر الشاب السوري والمسدس الذي في رأسه والزمور يحكمنا جميعًا. لم ينظر جورج نحو الشاب السوري مرة واحدة في دقيقة كاملة. كان بوسعه أن يسير مبتعدًا عن فوهة المسدس لكنه لم يفعل، بل ظل واقفًا يراقبهم، وأنا أومئ وأؤشر له بأن يهرب وهو يتجاهلني. ثم، بنفاذ صبر، قال هي مطولة معاكو وذهب هو.
عندما وصل إلى شبّاك السيارة وقف الزمور ثم نزل الشباك المعتم وبدأ الزعيق بصوت رفيع عال: مين سمحلك تصف هون يا نَوري يا أخو الشرموتة صحيح انك بلا زوق هيدي الأرض منا إلك ما بحقلك تصف هون شو هالحي القرف هيدا ناس بلا أخلاق مانّك قد الباركنج لا تشتري سيارة يللا روح من هون وشيلا هلق بلا ما إحكي تلفون إخرب بيتك إنت وعيلتك، معلمك؟ وينه معلمك؟ اا هيكا إذًا، الهيئة انت ومعلمك لازمكن ترباية. سامي الذي أصبح في الصهريج قاده بسرعة نحو مخرج الأرض ساحبًا النبريج من ورائه عبر الحديقة، مكسرًا أحواضًا أخرى. في المخرج كانت سيارة نهلة. ابتعد الشاب عن السيارة ولكن نهلة لم تتزحزح، بل أغلقت الشباك ثم أطفأت محرّك السيارة ونزلت هي وأطفالها والخادمة من السيارة. تحدثَت معهم بلغة مشوبة هادئة وعدلت حقيبة طفلها على ظهره، ثم التفتت نحو سامي وقالت له إيه بقا، ما في طلعة اليوم، عشان تتعلم تصف في أرض غيرَك. وفعلاً، تركت سيارتها وصعدت هي وأطفالها والخادمة من ورائهم إلى شقتهم في البناية الجديدة الوحيدة في الحي.
وهكذا لم يبق أمامهم إلا أن يحاولوا تعبئة خزاني مرة أخرى.
لم الشاب السوري النبريج ولفه سامي على سطح الصهريج. ثم صعدنا ثلاثتنا في المصعد، وسامي والشاب السوري يتحدثان عن أفضل طريقة لرفع النبريج كأن شيئًا لم يكن. وفي هذه التمثيلية الصغيرة على خشبة المصعد كان الشاب السوري مقلّاً بينما ثرثر سامي وتخبط بين جمل وإيماءات وعبارات انتقصت منه باضطراد. وصلنا الشقة وأصبح واضحًا أنه لم يكن هناك داع لأن يصعد معنا ولم نفهم لماذا صعد. ثرثر بهدوء معي شيئًا ما عن نوع خزاني وقياسه ثم عاد نازلاً إلى الصهريج.
قمنا بالأمر كله من جديد، وبعد حوالي ربع ساعة كان الشاب يسحب الحبل والنبريج فيه، ثم صعد من البلكونة إلى سطح التراس ورميت له الحبل مرة أخرى. ثبّته تحت طوبة كبيرة ثم سار نحو الخزان وفتحه. شد النبريج نحوه وهو يعرف أنه لن يصل، كأنه يحتاج أن يفسر أفعاله لنا نحن العامة. قلله يشغّل قال لي. شغّل!” صحت من تراس السادس باتجاه سامي، وشغّل سامي. وصعدت طاقة في النبريج مثل قضيب تمر فيه ذروته ليخرج من بين يدي الشاب الذي رفعه بزاوية، صانعًا قوسًا عاليًا يُغطي المسافة كاملة وينهمر في الخزان.
رأيت ذلك القوس من تحت. ركضت من التراس المشمس إلى غرفة الجلوس ثم المطبخ ثم الدرج المعتم وصعدته ركضًا درجتين درجتين، عاركت الباب الحديدي الصدئ ثم فتحته على السطح وسطعت الشمس في عيني مرة أخرى فاحتجبت بذراعي. بعيون منقبضة التففت ورأيته يخلق قوسه الذي تلألأ في وهج شمس تنصّفت السماء. اسطوانة ثخينة شفافة من الماء المندفع لا تستطيع رفع عينيك عنها إلا لمتابعة ما انشق من كرات ماء متفاوتة الحجم، تنطلق مهتزة، مُبطئة الزمن، مضيئة كقطعة بلور، تتراوح بألق قبل أن تنفجر على أرض السطح الحارّة مغيّرة لونها. صوت الماء المنهمر في الخزان عظيم عميق متسع، يذكرك أن هناك شلالات وحياة في أراضي أخرى ليست بعيدة. كل لمعة ضوء أو حركة أو صوت في هذا المشهد الذي خلقه الشاب جميلٌ، سارّ، يُجيّش الصدر ويشرح الخاطر. هو يؤدي دوره، وأنا جمهوره السعيد المنشكح، الذي أدرك أن هناك جمالاً ينفلت غصبًا في هذه المدينة الملتبسة.