أمجد الصبان: قرباننا

647e8df98acce83cdbf679bf16eaeff4

Khawal, circa 1907. Source: wikipedia

لمح مجدي – بالصدفة – إعلانًا كُتب بخط صغير أسفل زاوية في إحدى صفحات جريدة محلية.
ولأنه فضولي، أزاح طبق الطعام جانبًا، دفع مقعده الخشبي إلى الخلف وقام ليبحث عن عدسته المكبرة حتى يتبين تفاصيل الإعلان.
وبعد أن أعاد القراءة مرة وأخرى، شعر للمرة الأولى بأن هناك طريقًا للنجاة. كان الإعلان عن عودة مسابقة “قُرباننا” بعد انقطاع دام عقدًا كاملًا.تم الإعلان عن المسابقة أربع مرات، نُفذَتْ مرة واحدة وألغيت ثلاث مرات، على الرغم  من الإغراءات الكثيرة التي قدمها القائمون على المسابقة لحثّ الناس على الترشح. شروط الترشح أن تكون سليم البنيان، حسن الهيئة، خال من الأمراض. والفائز سوف يحظى بجنازة مهيبة تُذاع مباشرة على قنوات التلفزيون المحلي. وسوف يُقام له تمثال صغير يُوضع في مدخل المدينة.
لثوانٍ تخيل مجدي نفسه محمولًا على الأعناق وسط جنازة شعبية مهيبة. يَبكيه الكثيرون بحرقة، بقدر الأذى الذي رآه. وقبل الدفن، يُلقي أحدهم الخطبة التي سيعدها مجدي بنفسه، معلنًا فيها براءته، ويروي فيها فصول المعاناة التي مرّ بها.
منذ عامين، اشترى مجدي مُبرّد مياه شكرًا لله على نجاته من حادث سيارة. وُضع المبرد على جانب الطريق العمومي، ناحية مصرف المجاري، محاذيًا لكشك السجائر. روى ظمأ كثيرين، ورطب الوجوه الجافة، وصار سبيلًا لسرقة الأكواب المعدنية. وذات يوم – قبل صلاة الفجر بوقت قصير – اتجه شابان إلى المبرد. كانا قد فرغا من لعب كرة القدم. وقف أحدهما يملأ الكوب المعدني بالماء، فانتقلت شحنة كهربائية من المبرد إلى  جسده. جذبه صديقه إلى الخلف محاولًا إبعاده، فانتقلت الشحنة الكهربائية إليه فأردته قتيلًا.
استيقظ مجدي يومها مذعورًا جراء ضربات قوية على باب شقته. انتفض مسرعًا بملابسه الداخلية ليفتح الباب، فتلقى دفعة قوية في صدره أسقطته على الأرض. وبعد معاناة، اتضح له من بين السباب والصياح أنه متهم بقتل الفتى الصغير.
لوهلة سيطر على مجدي شعور بالدهشة. أي مبرّد؟ وأي فتى؟ حتى تذكر بصعوبة في النهاية. أنكر مجدي صلته بالمبرد بعد شرائه، فلقد نسى حتى مكانه. وأنقذه من الضرب المتوقع كهل ظهر فجأة بين الناس وسحب الجمع من حوله متعللًا باقتراب موعد جنازة الفتى القتيل.
ولأن مجدي لم يكن مدانًا ولم تثبت ضده أي تهمة، فقد حوّل أهل الفتى القتيل وأهالى الحي المتعاطفون معهم حياته إلى جحيم. لصقوا صورته على الحوائط في كل أرجاء المدينة، وفي القرى المجاورة وكتبوا تحتها ]قاتل[. وكلما حاول أن يبدأ حياة جديدة في مكان آخر، كانت تنهال عليه أكياس القمامة، أكوام الحصى، أو يركض الأطفال خلفه، يمسكون مؤخرته، ثم يركضون بعيدًا مع سيل من الضحكات الهازئة.
وبعد عدة محاولات فاشلة للخروج، اضطر مجدي أن يعود إلى مكانه القديم يستقبل اعتداءات فردية اعتادها مع الوقت. لكنه لم يتوقع الحدث الأكبر.
ففي ذكرى وفاة الفتى، دهن أهله والمتعاطفون معهم البناية التي يسكنها مجدي والبنايات المواجهة لها والبنايات المحيطة باللون الأسود. وباللون الأبيض رسموا صورًا للقتيل وهو يأكل، وهو يشرب، وهو نائم على بطنه، وعلى جنبه الأيمن، وجنبه الأيسر، وهو يتأمل السقف.
رسموا تخيلات لمسار حياة الفتى الطويل. رسموه في حفل تخرجه، وهو يعمل في الخليج. رسموا صورة له مع زوجته، ومع مولوده الأول،  وهو وسط أبنائه بعدما كبروا. رسموا صورته وهو عائد من رحلة الحج، رسموا حتى جنازته. رسموه عجوزًا طاعنًا في السن، فقد قرروا أن وفاته ستكون بعد عمر مديد.
كان الحاج حسين صاحب “فراشة حسن وحسين” من أشد المتعاطفين مع أهل القتيل. وفي أي وقت يشعر فيه باشتياق شديد مفاجئ لأم القتيل – حبه القديم – كان ينصب سرادقًا أمام منزل مجدي. فيغلق أهل القتيل بوابة منزل مجدي بالجنزير إذا كان بالداخل، وإذا هرب يبحثون عنه حتى يقبضوا عليه ويعيدوه إلى الشقة. ثم ينصبون السرادق في الشارع الضيق أمام منزله مباشرة. تُسلط الأضواء على الصور المرسومة بالأبيض على الجدران السوداء. وتسرد الأم بصوت باكٍ انطباعات وآراء ابنها الراحل المتوقعة عن الأحداث الجارية، في الدنيا والعالم. وتنتهي الليلة بالدعاء على مجدي القاتل فيؤمّن المتواجدون في السرادق.
تضاربت أحاسيس مجدي تجاه ما يحدث ضده. في البداية اقتنع أنه السبب في وفاة الفتى. وحين لا يجد دليلًا دامغًا على ذلك، كان يُسكت نفسه ويقول إنه هو من ابتاع المبرد. وكان يتقبّل المضايقات بشكل مبدئي، ليخفف من إحساسه بالذنب.
لكن بعدما تكرر نصب السرادق بشكل شبه أسبوعي، تحول إحساسه بالذنب إلى رغبة حارقة في إسكاتهم. وذات مرة فتح النافذة الصغيرة المطلة على السرادق وأمطرهم جميعًا بالسباب، لكن أحدًا لم يسمعه من شدة الصخب. وحفاظا على الطاقة المهدرة، أمسك مجدي منظاره المُقرب، تطلع إلى كل الموجودين في السرادق ودوّن أسمائهم واحدًا واحدًا رغبة منه في انتقام قريب.
تخيل أنه في ليلة من ليالي الاحتفال سيقفز من الشباك وينزل بسكين كبير، ينظر في عيونهم مباشرة ويفرغ غضبه في ضربات تدميهم فيجعلهم لا يقوون على الحركة. لكن الحقيقة أن مجدي صار هزيلًا جدًا، أنحف من عود قصب. فكان يصاب بالإحباط الذي لم يكن يدوم طويلا بسبب رغبته القوية في الانتقام. حتى قفزت في رأسه فكرة أن يقوم بتعديل جسده كليا.
بحث مجدي  في أشكال وأجساد المقاتلين،بداية من الحروب قبل الميلاد وحتى الحرب الكبرى. قارن بين الأجسام، انتقى المقاييس المناسبة،  عرضالكتفين والصدر، الطول، شكل الرأس والجبهة، تشريح العضلات وحجمها، ورسمها على ورقة بيضاء. وبعد أن انتهى من شكل جسمه المنشود، أصبح يخرج كل يوم في بداية نهار الله، يبحث في المستشفيات عن من يقوم بتفصيل تلك الرسومات على جسده.
تلقي ردودا ساخرة حتى أُحبط وظل قابعًا في ظلام الغرفة لفترة طويلة. حتى عاد مرة أخرى إلى منظاره، يبحث عن خطأ أو زلة يستطيع إمساكها على أحدهم واستغلالها في استمالته إلى صفه. رأى مجدي سمسمة الحلاق يبيع تذاكر لحفل العزاء للقادمين من المناطق المجاورة. وحين هدده مجدي بفضحه، أطلق سمسمة الحلاق إشاعة مفادها أن مجدي يتلصص على النساء العاريات من الشباك. فزاد غضب الأهالي ضده، حتى كادوا يفتكون به، قبل أن يلتزم الصمت نهائيًا، وخصوصًا بعد محاولة الانتحار التي باءت بفشل ذريع.
لذلك تعاظمت لدى مجدي ضرورة الترشح لمسابقة القربان. وأيضا تعاظم شعوره بالعجز والذنب حيال ضياع الفرصة منه بعد إذاعة الإعلان في التلفزيون المحلي.
جلب مجدي منشارًا كهربائيًا وخرج إلى الشارع بعد منتصف الليل. بحث عن صناديق البريد وقطعها من الخلف، فحص الأظرف، لكنه لم يجد أي رسائل أُرسلتْ على عنوان المسابقة. وعند آخر صندوق فكر إنه إذا لم يجد الرسائل، سيقوم بالذهاب إلى مقر اللجنة. لكن تم القبض عليه بتهمة تخريب الممتلكات العامة.
كان السجن مريحًا لمجدي. فالزنازين خالية، ولا يوجد من يتهمه بالقتل أو التخريب، وتدريجيًا سينساه الناس بالخارج، وهو سينسى الناس. كان السجن بديلا عن الراحة التي أرادها بالترشح للمسابقة. وتأكد حينها أن الفرصة قد ضاعت. لكن فترة سجنه كانت متعبة للأهالي. كانوا يعزون أنفسهم بأنه حتما سيخرج ويعود إلى بيته، فيغلقون عليه الأبواب ليقوم بدور القاتل الذي يتلقى الإهانات بصدر رحب. وأصبحت الاحتفالات بلا أي متعة رغم استمرارها. لم يعد الحفل مقصدا للباحثين عن زوجات، أو للباحثات عن أزواج. لم يعد فرصة لتباهي النساء بزينتهن، ولا سبيل العجائز للترويح عن النفس وتذكر الموتى. لم يعد أحد يأتي من القرى المجاورة. وببطء في البداية وعلى استحياء، بدأ الناس يطلبون من الله فكّ سجن مجدي.
يوم إعلان نتيجة المسابقة، كان مجدي يدور في زنزانته، ناسيًا مبرد المياه، والفتى المقتول، والإهانات، والخطاب الذي أرسله إلى لجنة المسابقة. كان ناسيًا كل شيء وقد أخذ يسلي نفسه بحفظ الكلمات والأشكال المكتوبة على الجدارن.
أما خارج الزنزانة فقد شعر الجميع بأن الزمن توقف في انتظار تلك اللحظة، لحظة إعلان النتيجة. أسندت أم الفتى ذراعيها على رخام المطبخ وتطلعت سرا إلى تلفزيون صغير موضوع على النملية. مدد سمسة الحلاق جسده بين مقعدين خشبيين ناظرًا إلى التلفزيون الموضوع على طاولة خشبية صغيرة. امتلأ المقهى بالناس، اختلطت نظراتهم إلى التلفزيون بدخان النرجيلة ورفرفة جناحي صقر محبوس في قفص جوار التلفزيون.
وأثناء ذلك كله، جلست رئيسة لجنة المسابقة وحيدة في مكتب مأمور السجن. تمنت أن يأتي المأمور، أرادت أن تنهي مهمتها، وتخلع نعليها الضيقين، وتفكر في الإجازة التي ستحصل عليها فور الانتهاء من المسابقة.
أُعلنت النتيجة، بعد مقدمة المذيع الطويلة، وفاز مجدي بجدارة، فهو الوحيد الذي قدم أوراقه لهذه المسابقة.
انتفض من بالمقهى غاضبين. خرج الأهالي من البيوت غير مصدقين، ومعهم أم الفتى التي لم تتوقف عن الضرب على صدرها. ركضوا جميعًا باتجاه السجن القريب، محملين برغبة في تلافي الفقد القادم.
أمسكت رئيسة اللجنة بيد مجدي، جرته كأنه طفل صغير. كان مذهولًا لا يستطيع لملمة نفسه، خصوصًا بعدما علم أن التنفيذ سيكون في فجر اليوم التالي. ركبا سيارة فولكس حمراء. حاول مجدي إعادة التفكير في الخطاب، لكن الشرود سيطر عليه، أثناء ذهاب السيارة إلى مقر اللجنة. وتفاجئت رئيسة اللجنة بشخص وقف أمام السيارة، ضغطت على المكابح بقوة قبل أن تصدمه. ثم تكالب الأهالي على السيارة، أخذوا مجدي بالقوة وعادوا به إلى بيته، قيدوه في مقعده الخشبي، ثم نزلت عليه أم الفتى القتيل بالضرب.
جاءت رئيسة اللجنة ومعها عدد كبير من الرجال. دارت معركة طويلة، واستطاعت رئيسة اللجنة في النهاية أن تحرر مجدي. وحُمِل إلى السيارة الفولكس مرة أخري.ث م قدمت له رئيسة اللجنة عددًا من الكرات، وطلبت منه أن يختار إحداها. بوهن شديد، مدّ مجدي يده وسحب كرة، ظل ممسكًا بها لفترة ثم رفع يده عاليًا وألقاها باتجاهها.
سارت السيارة في شوارع مهجورة، ولا يكسر حدة الصمت سوى نقيق الضفادع. كان مجدي نائمًا من التعب على أريكة السيارة في دعة وهدوء لم ينالهما منذ وقت طويل. ثم توقفت السيارة أمام بيت صغيرة وسط الخلاء. فتح باب السيارة عدد من النساء، حملن مجدي إلى الداخل، ثم  وضعوه على الأريكة.
كان الجو كئيبا مقبضًا، فنظرن إلى بعضهن وابتسمن. ثم انطلقن برشاقة يخلعن ملابسهن، ووقفن بقمصان داخلية زاهية الألوان. أطلقوا الموسيقى في البيت، ثم ذهبن إلى المطبخ ليصنعن سكرا لنزع الشعر.
روت كل منهما تجربتها الأولي في نزع الشعر، وحاولن استشعار الألم الذي سيشعر به مجدي. خرجن من المطبخ، وهن يتمايلن مع الأنغام والإيقاع. أطلقت إحداهنّ زغرودة مجلجلة. جردوه من ملابسه، والتفوا حوله، نزعوا الشعر من جسده بسرعة شديدة.
ندت عن مجدي آهات خفيفة تعبيرًا عن الألم. ثم ذهبن به إلى الحمام ليستحم. داعبن قضيبه، كما يداعبن خد طفل صغير، سألن القضيب إن كان فرحا أم لا. وحتى لا يتسرب الحزن إلى نفوسهن أجابوا بنعم قوية عالية. ألبسوا مجدي فستان زفاف أبيض بعدما قصوه حتى منتصف الركبة، كحلوا عيونه، وضعوا له أحمر شفاه، خبأوا علامات الضرب ببودرة حمراء. ثم  غطوا وجهه بقطعة قماش شفاف.
مع اقتراب الفجر جاءت سيارة نصف نقل، مددوا مجدي في صندوقها. تحركت السيارة باتجاه الكورنيش، وحين ظهرت وسط الناس ضحك كل من رآه. قالوا أعمى من يرضي بزواجه. صعدت السيارة إلى كوبري عالٍ، رفعوا مجدي وألقوه من فوق الكوبري.
وحين سقط في النيل، هلل الناس معلنين عودة عروس النيل.

Respond to أمجد الصبان: قرباننا

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s