علي لطيف: وحش المنازل المحترقة

Diane Arbus, Tattooed Man at a Carnival, Md. 1970. Source: reelfoto.blogspot.com

Diane Arbus, Tattooed Man at a Carnival, Md. 1970. Source: reelfoto.blogspot.com

 

عقله أصبح أخف. كان هناك وحش داخله. عندما تحدث معها لأول مرة راودته رغبة في أكلها، ثم وضع اصبعه داخل حنجرته وتقيؤ أشلائها في البحر على الأسماك.
“أنا خائف،” قال لي ذات مرة.
كان خائفاً من أن يتملكه الوحش. أن يأتي اليوم الذي ينتفض من داخله ويستولي عليه مثل استيلاء ثعبان منقض على فريسته. كان يمقت الحيوانات، وفي طفولتنا كنا نصطاد القطط ونحرقها بالغازولين وأعواد الثقاب.
كنا رجالاً حقيقيين وقتها.
لا أعرف منذ متى امتلك المسدس والفأس. كان يضعهما في سيارته تحت الكرسي منذ نهاية الحرب قبل أربعة أعوام. أتت عدة حروب بعدها ولم يشارك.
يقولون إن الوحوش تكثر على جبهات القتال، لكنهم مخطئون. الوحوش الحقيقية توجد وراء خطوط جبهات القتال دائماً، نائمةً في بيوتها. تحك بطونها وهي جالسة تنظر إلى شاشة التلفاز السوداء قبل أن تظهر الألوان، تبتسم صباحاً للمارة. تجلس في قاعات الانتظار في عيادات الأسنان.
لقد رأى الرجل عدة وحوش في حياته. أنا لم أر أي وحش. كان يحكي لي القصص عن الوحوش التي رآها. قال لي إن هناك نوعين من الوحوش، من وُلد وحشاً ومن أصبح وحشاً.
كنت أمازح جديته المريبة بجدية مثلها، كنت أظن أنه يمزح. لقد كان يمزح بجدية دائماً منذ أن عرفته أو يكذب ويضعها في رأس المزاح الثقيل بالنهاية. كنت أسأله كيف يبدو مظهر الوحش، ما هو الوحش، ماذا يفعل الوحش، ماذا يأكل وماذا يضاجع، هل هناك وحوش إناث، كيف يعرف الشخص أنه وُلد وحشاً وكيف يعرف أنه أصبح وحشاً؟
امتلك إجابات على كل أسئلتي. أصبح الحديث عن الوحوش بعد فترة شيئاً مميزاً بيننا نتحدث فيه للابتعاد عن الأفكار المادية التي تدفننا. أنا كنت أتحدث دائماً عن المال، وأسأله عن حقيقة أن الوحوش لا تهتم بالمال حقاً مثلنا.
“نحن الوحوش،” قال لي، “لا نهتم بالمال لأننا يمكننا أخذ ما نريد بالخوف.”
في صباح اليوم التالي ظللت أفكر بجملته “نحن الوحوش”، ولم ألاحظ الطريقة المريحة التي استخدمها للفظ الجملة كأنها حقيقة. كنت أتخيل نفسي  كوحش، لو أصبحت وحشاً هل ستكون الحياة أجمل؟
وحشي كان سيكون بحجم الدب، يرتدي تاج جمجمة طفل ولديه عين كبيرة في بطنه. كنت أخيف الغير بوجهي المشوه، نصفه أحمر محترق ونصفه الآخر أسود مفحم. كنت أحدق في فريستي بأعيني الثلاثة ثم أبتسم وأحرقها بعين بطني الكبيرة بشعاع أصفر جميل يشبه أشعة الشمس. كنت سأكون وحشاً رائعاً.
.
ولكن كعادتي أفرطتُ في الخيال، الوحش الذي صنعته لنفسي لن يوجد أبداً في هذا العالم. الوحش الحقيقي هو ما رأيته في منزل الرجل ليلتيّن بعدها.
دخلت منزله في الليل، فتح الباب ورحب بي كعادته: “أنت دائماً تتأخر، من كان يضاجعك!” كنت أنزعج من هذه المزحة دائماً.
في وسط غرفة المعيشة وجدت رجلاً مربوطاً على كرسي. في حالات المفاجأة مثل هذه لا يمكن فعل أي شيء. شعرت بالذعر لكنني لم أصرخ. أخبرني أن الرجل المربوط على الكرسي هو منذر الرماحي.
أنا أعرف من هو ابن الكلب منذر الرماحي.
“هل ستقتله؟” سألته.
لم يجبني.
منذر الرماحي كائن بشع وحقير. كان في طفولتنا يحرق القطط معنا، إلا أنه كان دائماً يتطرف في النهاية إلى درجة أن كل الأطفال سموه الجن.
في كبره فعل منذر ما فعل من شرور. سرت إشاعة في الشارع أنه اغتصب بنت الزوجيّن الهنود في الشارع. قفزت فتاة الثالثة عشر بعدها بعدة أيام من سطح الشقة المؤجرة فوق منزل عائلة الرجل. كانت أقوى من كل الفتيان والفتيات التي سارت ذات الإشاعة عنهم أيضاً. هكذا ظننا حينها.
لم يستطع أي أحد فعل أي شيء للجن في حينا. قبل الحرب أو بعدها. فالثورة تمسح كل ذنب.
“هل ستقتله؟” سألته مرة ثانية بنبرة حادة.
“اجلس، لا تقلق. سأعود بعد قليل،” قال لي.
الجن كان مغمى عليه، وللحظة هناك أردت إنقاذه والهرب عندما رأيت البراءة في وجهه المدمى وهو نائم. ولكن عندما استيقظ وفتح عينيه ونظر إليّ بعينيه الشيطانيتيّن، راودتني رغبة في قلعهما.
فهمت أن الجن سيموت تلك الليلة، فلا أحد يغلق أعين ضحايه.
“يبدو أنك ستموت الليلة يا جن،” قلت له.
حاول الصراخ وتحرير نفسه لكن الرجل كان قد ربط فمه وذراعيه والكرسي بالأرض جيداً. ثم ظهر ورأيت الوحش عندها.
كان يرتدي قشرة رأس رجل أسود فوق رأسه. وعلى جبهته رسمة متقنة لرأس طفل أشقر مبتسم، وتحت كل عين خطان من الدماء الغامقة. وفي فمه وضع فكيّ أسنان مدببة معدنية. كان عارياً من فوق، على صدره وشم رأس مهرج كبير ملون يسيل لعابه بينما يدفع بيده اليمنى الظلال البشرية إلى داخل فمه، وبيده اليسرى يعصر أجساداً دون رؤوس على هيئة بلالين لتنفجر. وحول سرة بطنه امتداد لذيل مدور بأجراس صغيرة ذهبية لسحلية بثلاثة رؤوس تظهر صارخة تنفث السم على ظهره. ظننت أنها ستكون آخر ليلة لي في هذا العالم بعد أن رأيت الوحش.
بعد أن انتهى الجمود الذي ولّده الذعر، أشار الوحش إليّ لأحضر له القفص الخشبي بجانبي، والذي لم ألاحظه عند دخولي للمنزل. أعطيته القفص الخشبي، كان قفصاً كبيراً يسع ثلاث رجال وخفيف الوزن أيضاً. وضع الوحش القفص على الجن. ثم فتح أحد جدران القفص مثل الباب وخرج من غرفة المعيشة. رأيت اهتزاز القفص الخشبي، كان يمكنني أن أنقذ الجن، ولكنني شاركت في الجريمة لأنني لم أنقذه عندما رأيته أول مرة مربوطاً على ذلك الكرسي. كنت أعرف أن صديقي وأنا سينتهي بنا الأمر مقتوليّن لو حدث وأنقذت الجن.
عاد الوحش لغرفة المعيشة وهو يحمل قطعة قماش زرقاء. لم ينظر إليّ. وضع الوحش قطعة القماش على القفص. كانت قطعة القماش على شكل منزل، بنافذة وبيت مرسومين باللون الأبيض. كان يبدو مثل منزل اللعب للأطفال، كان يبدو جميلاً.
اهتز المنزل لأكثر من عشرة دقائق. شممت رائحة الدماء والبول. لم تخرج أي صرخة من الجن. ثم توقف الاهتزاز فجأة وخرج الوحش.
أشار إليّ الوحش بالجلوس ريثما يدخل الحمام لينظف جسده من الدماء واللعاب. جلست، ولم أتجرأ على رؤية ما يوجد وراء الباب المفتوح في المنزل الصغير. بعد دقائق عاد صديقي واختفى الوحش. جلس بجانبي وابتسم وأشعل سيجارة وأعطاني واحدة.
“إنهم لا يفهمون الأمر، لا علاقة بين الوحش والشر. الوحش هو وحش يفعل ما يفعل لأن ذلك واجب عليه، فطرته، وإلا ما كان وحشاً. أما الشر فأمر مختلف. الأشرار يفعلون ما يفعلون لأنهم يريدون أن يصلوا إلى ما يريدون بأية طريقة. نحن الوحوش نبغض الأشرار، إنهم يستغلوننا دائماً في كل الأزمنة، يظنون أنهم يروضون وحشيتنا بالمكر، ولكن ليس بعد اليوم! نحن وحوش عاقلة! نحن وحوش مؤمنة! ألا توافقني؟” قال. “على أية حال، هيا ساعدني لحمله إلى القبو.”
.
أصبحت أنقل معه الضحايا منذ ذلك اليوم.
كان وحشاً رائعاً. لقد أحببته وأردت أن أكون وحشاً مثله. كنا نحمل الضحايا والمنازل الخشبية وقطع القماش إلى القبو ونضعها في الفرن لتتلاشى أبداً في اللهب. لم أصبح وحشاً بعد. كان هناك أبرياء من بين الضحايا. لكنني لم أشعر بأي شفقة نحوهم ولا أي ذنب. تلك طبيعة الوحوش. حرية الوحوش كانت أجمل مشهد طبيعي رأيته طوال حياتي. أجمل حتى من القطط المحترقة.
احترقت المنازل في لهب الفرن مع اللحم والشعر والقماش. وفي كل مرة شعرت بالوحش يغني في داخلي. كان يغني عن المنازل المحترقة الجميلة وصراخ الأشرار.
وأصبحت وحشاً تلك الليلة. كانت جنيّة هذه المرة. اختارها لأجلي، لأجل مناسك تحولي إلى وحش. لم أكن أتوقع أن وقتي قد حان. وضعناها في المنزل الخشبي. أصبحت أساعده في الترتيبات منذ فترة، وأصبحت بارعاً في ذلك. كنت أشتري منازل خشبية جيدة، وأحياناً أصنعها بنفسي في فناء منزلنا عندما لا أملك المال لشرائها.
“أتعرف شيئاً؟” قال لي ذات مرة ونحن واقفان أمام نافذة الفرن الزجاجية نشاهد اللهب وهو يأكل، “منازلك التي تصنعها هي أجمل منازل محترقة رأيتها منذ أن أصبحتُ وحشاً!”
عنى لي ذلك الكثير قادماً منه.
بعد أن جهزنا منزل الجنيّة سرتُ لأجلس على الكرسي لأشاهد عمل الوحش مثل كل مرة. أشار إليّ أن أنظر تحت الكرسي. كانت هدية في صندوق ورقي. النصف العلوي لجمجمة صغيرة. ثم تقدم نحوي، وضع مخلبه على كتفي بلطف وأشار إليّ أن أذهب إلى الغرفة الأخرى. فهمت أنه يريدني أن أجهّز نفسي. تلك الليلة كنت سأصير وحشاً.
بعدها بدقائق خرجت عاري الصدر. على بطني رسمة عين كبيرة، وعلى رأسي نصف الجمجمة الصغيرة. ونصف وجهي مطلي باللون الأسود، ونصف وجهي الآخر باللون الأحمر. ابتسم لي الوحش ومد إليّ زوج مخالب معدنية وفتح لي باب المنزل الصغير ثم أغلقه.
.
كانت جنيّة جميلة، أحببت الهلع في عينيها. أردت أكلها ولكنني لست ذلك النوع من الوحوش. مَرّرت مخلبي المعدني على كلتا عينيها، وشعرتُ بقشعريرة الذعر الباردة تسري على جسدها، ثم اقتربت من أذنها اليمنى ومخلبي الأيمن في جانب قلبها والعين الكبيرة على بطني أمام وجهها وهمست لها:
“أتذكرين عندما كنت أغني لك عن المنازل المحترقة؟”

Respond to علي لطيف: وحش المنازل المحترقة

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s